قبل أكثر من ألفي عام، وعلى بعد حوالي 30 كيلومترًا من مدينة نابولي؛ وقف هذا الرجل الثري يتأمل مدينة الخطيئة والبذخ: بايا. لكنه شعر بأن هناك أمرًا واحدًا ينقص هذا المكان الذي يقدم المتعة الخالصة وغير القانونية أحيانًا لأغنياء الحضارة الرومانية. ثم جاء الإلهام لهذا الرجل وأمر ببناء «نمفيوم» يُطلق عليه «سبيل الحوريات»؛ وهو نصب تذكاري رمزي للحوريات؛ يكون مقرًا لمتع الحياة وتحقيق رغبات البشر الشهوانية.

مدينة الخطيئة، أو بايا، التي اختفت الآن من على سطح الأرض؛ كانت مقرًا لكل الأغنياء بغرض القيام بكل أنشطتهم غير المشروعة في أنحاء الإمبراطورية الرومانية. فماذا تعرف عن تاريخ تلك المدينة وموقعها الحالي؟

«لاس فيجاس» الإمبراطورية الرومانية قديمًا.. منتجع علاجي

في بايا كل ما يحتاجه المرء للاسترخاء؛ جلسات مريحة على الشواطئ الجميلة والدافئة للمدينة، حيث المياه المعروف عنها قدرتها العلاجية جسديًا ونفسيًا، ونساء جميلات يرغب الرجال في مرافقتهم وهم على بعد أميال من منازلهم وأسرهم الشرعية. إذ بايا كانت مركز المتعة والترفية لكل الأثرياء في الإمبراطورية الرومانية حتى أطلق عليها الأثريون اسم «لاس فيجاس الإمبراطورية الرومانية».

شاهد ما تبقى من الحمامات الحرارية العلاجية في بايا من هُنا.

لم يكتف الأغنياء بزيارة مدينة الخطيئة؛ إذ أصبحت محطة دائمة لهم في فترات راحتهم واستجمامهم؛ وبنى كل منهم منزلًا خاصًا على الشاطئ حتى يكون مستقره أثناء زيارة المدينة. لكن هذا كان منذ آلاف السنين؛ فبعد اختفاء تلك المدينة، لم يتبق سوى المياه التي عُرف عنها قدرتها العلاجية من آلاف السنين، بجانب تحولها إلى وجهه سياحية لمن أراد مشاهدة ما تبقى من تلك المدينة.

أين اختفت مدينة الخطيئة؟

«حينما زرت الموقع وأنا صغير، غرس المرشد عصاة شمسيته في الأرض؛ فانبعث منها البخار والحمم البركانية».

هذا ما قاله جون سموت الباحث الذي اشترك مع الأثريين في دراسة الموقع الآثري لمدينة بايا؛ عن زيارته الأولى لما تبقى من «مدينة الخطيئة». فطبيعة الأرض التي حملت مدينة بايا لأعوام طويلة؛ كانت طبيعة مخيفة وتخفي البراكين أسفلها؛ وبسبب تلك الحرارة والحمم البركانية والتي كانت مثلما وصفها سموت منذ آلاف السنين؛ فقد اعتبر الرومان أرضها بوابة للعالم السفلي، وربما هذا ما ربطها في أذهان الرومان وقتها بالخطيئة، وكما منحت طبيعة الأرض في بايا بيئة مميزة؛ كانت هي أيضًا السبب في اختفاء تلك المدينة من على سطح الأرض.

شاهد بقايا المدينة تحت الماء من هُنا.

وعلى مدى قرون عديدة كانت تسقط المدينة ليلة وراء الأخرى بسبب وفرة النشاط البركاني أسفلها، والزلازل التي لم تفارق أرض المدينة؛ حتى غرقت «مدينة الخطيئة» تحت الماء؛ وما زالت بقاياها موجودة حتى الآن؛ وتعد وجهة سياحية لكل الغطاسين الباحثين عن المغامرة.

حاليًا يمكنك زيارة بقايا بايا القديمة في واحدة من الحدائق الأثرية القليلة في العالم، ويُسمح للزوار بمشاهدة ما تبقى من تلك المدينة عن طريق قوارب ذات قاع زجاجي، لمن لا يفضل الغطس لمشاهدة الأنقاض عن قرب؛ وهذا لأن بقايا المدينة الغارقة تقع في مياه ضحلة نسبيًا، وعلى عمق ستة أمتار فقط بالبحر المتوسط؛ ما يسمح لراكبي القارب الزجاجي برؤية واضحة لها.

حتى عام 2002 كانت تلك الآثار مهملة، ثم أعلنتها إيطاليا محمية طبيعية. ومنذ ذلك الحين يدرس الأثريون آثار المدينة الغارقة تحت الماء، وحتى عام 2017 كان الغطاسون المدربون يلتقطون الصور التي لم يرها العالم من قبل لتلك المدينة المميزة.

مغامرة مثيرة أم مخيفة؟

في عام 2017؛ تمكن أنطونيو بوسيللو المواطن الإيطالي المقيم في نابولي؛ تصوير موقع المدينة تحت الماء، حيث وجد الكثير من الطرق والجدران والتماثيل التي نجت من آلاف السنين، ووصف أنطونيو تلك التجربة قائلًا: «الغوص هنا يشبه الغوص في التاريخ، والنظر إلى الآثار الرومانية القديمة تحت الماء أمر يصعب وصفه، إنها تجربة جميلة».

وفي أحدث الفيلم الوثائقي «Rome’s Sunken Secrets»، والذي أُنتج في العام نفسه، غطس مجموعة من الأثريين بقيادة عالمة الآثار باربرا ديفيد؛ بغرض استكشاف طبيعة الآثار التي تضمنها مدينة بايا في مجدها؛ حيث وجدوا العديد من بقايا المعابد، «الفيلات» والآثار المميزة، ولكن واحدًا من أهم الاكتشافات التي وجدها؛ أكد طبيعة المدينة التي خيم عليها الجُرم والشهوات.

شاهد الفيلم الوثائقي من هُنا.

عُثر في بقايا بايا الغارقة على دلائل مادية تؤكد قصة محاولة اغتيال جايوس كالبورنيوس بيسو لصديقه المقرب الإمبراطور نيرو، والذي اكتشف تلك المؤامرة؛ فأمر جايوس بالانتحار، وقد وصف هذا الكشف بكونه «كأسًا مقدسة للأثريين».

ليست أرضًا للمتعة فقط.. بل للجريمة أيضًا

قصص الليالي الساخنة، والسهرات الماجنة التي ارتبطت بتلك المدينة؛ حتى استحقت لقب «مدينة الخطيئة»؛ لم تكن القصص الوحيدة المرتبطة بالمدينة الغارقة بايا، فتلك المدينة احتضنت الخطيئة بكل أنواعها؛ وكان للقتل والخيانة نصيبًا في تلك القصص.

يؤكد جون سموت، أن هناك العديد من القصص والمؤامرات المرتبطة بالمدينة، واحدة منهم تزعم أن الملكة المصرية كليوباترا هربت في سفينتها من على شواطئ بايا بعد مقتل يوليوس قيصر في عام 44 قبل الميلاد، وقصة أخرى تحكي عن الإمبراطورة الرومانية جوليا أجريبينا، التي استغلت وجود زوجها كلوديوس في مدينة بايا؛ وتمكنت من دس السم له وقتله حتى يعتلي ابنها نيرو عرش إمبراطورية روما.

أغرب الكشوف الأثرية: ما هي قصة ضحايا «بركان فيزوف» الذين خُلدت أجسادهم حتى الآن؟

المصادر

عرض التعليقات
s