961

يُعرف عن النوبة في محافظة أسوان بمصر؛ ألوان بيوتها الزاهية من الأزرق الفاتح والأخضر والأصفر، وفي قرية غرب سهيل بأسوان، كل البيوت المُبهجة ناصعة الألوان مفتوحة طوال اليوم لكل الضيوف من السائحين والمصريين، لشرب الشاي، وشراء المشغولات اليدوية، ورسم الحنة للنساء، ووسيلة ترفيه أخرى.. غريبة بعض الشيء.

إنهم  يستأنسون التماسيح!

يستيقظ الحاج ناصر من النوم، يمارس طقوسه الصباحية الاعتيادية، وعند الوصول لخطوة إطعام التماسيح ينظر إلى الحوض الحجري، ليرى غطاءه الحديدي مكشوفًا، والتمساح ذا الأشهر الخمسة غير موجود.

عندما لا تجد حيوانك الأليف مثل الكلب أو القطة، تهرع في جميع الشوارع المجاورة للبحث عنه خوفًا عليه، ولكن عندما يكون حيوانك «الأليف» تمساحًا، فعليك أن تهرع أيضًا ولكن هذه المرة خوفًا منه على حياتك وحياة أبنائك.

أخبر الحاج ناصر النوبي في حديث لـ«ساسة بوست»، أن أول مكان ركض إليه كان غرفة أطفاله، وبالفعل وجد التمساح مستلقيًا على الأرضية الباردة بجوار سرير أحد أبنائه والذي – من حسن حظه – لم يستيقظ بعدُ ليجد هذا الكائن المهيب ينام وعيناه مفتوحتان، محاولًا الحصول على بعضٍ من البرودة التي لم يجدها في حوضه الخاص به، وبمساعدة بعض الأصدقاء؛ سيطر الحاج ناصر على التمساح وأعاده إلى حوضه، وهذه المرة تأكد من إحكام الغطاء الحديدي إحكامًا جيدًا.

محاولة هروب التمساح كما فسرها لنا الحاج ناصر، كانت بسبب شدة الحرارة في الحوض في ذاك الوقت، فلم يكن هناك مياه كافية لترطيب جسم التمساح – وهو الحيوان البرمائي – ولذلك  لم يكن عنفه في تكسير الغطاء الحديدي والهروب من الحوض بهدف افتراس أحد بل بسبب الرغبة في البحث عن مياه، واستقر في النهاية عند أقرب سطح بارد عندما يئس من البحث، ولكن هذا لا يمنع أنه حيوان مفترس وخطير.

شاهد الحاج ناصر من قرية غرب سهيل يتحدث عن تجربته في تربية التماسيح.

منزل الحاج ناصر بقرية غرب سهيل، في النوبة بأسوان، لا يعتبر منزلًا عائليًا خاصًا، بل هو منزل بابه مفتوح للسائحين من كل مكان، والأهم أنه مصدر رزقه الرئيسي ولذلك فإن تربية التماسيح بالنسبة للحاج ناصر ليست هواية محببة للنفس بقدر ما هي تقليد متوارث بغرض جذب السائحين. يؤكد الحاج ناصر لـ«ـساسة بوست» أنه على مدار ما يزيد عن 20 عامًا من تربية التماسيح؛ لم يقدر في يومٍ على استئناس واحدٍ من التماسيح الذين عاشوا في بيته، مؤكدًا أن التمساح حيوان مفترس بطبعه ويصعب ائتمانه حرًا طليقًا في المنزل، بجانب أن وجوده في الحوض وهو محبوس يجعله عصبيّ المزاج فلا يفضل الاقتراب منه أيضًا وهو داخل الحوض.

من أين نحصل على تمساح؟ هكذا سألنا مربي التماسيح في غرب سهيل

التماسيح التي يربّيها الحاج ناصر وغيره من سكان القرية، لا يحصلون عليها بهذا الحجم الكبير، بل إن هناك طقوسًا يتبعونها لاصطياد التمساح النيلي وهو صغير، وفي طريقة اصطياد التماسيح الصغيرة؛ مثال آخر يؤكد أن التمساح ليس حيوانًا عاطفيًا ولديه مشاعر رقيقة، حتى وإن كانت تلك المشاعر مشاعر الأمومة.

شاهد أيمن ربيع وهو يحكي كيف يصطاد التمساح الصغير من هُنا.

أخبرنا أيمن ربيع، أحد مربي التماسيح في النوبة أن الأم عندما يحين وقت خروج صغارها من جسدها، تذهب إلى مكان يبعد بضعة أمتار عن شاطئ النيل، وتبيض مواليدها في تلك البقعة، وتتركهم مدفونين بين الرمال من أجل الحصول على الدفء الذي يؤهل التمساح الصغير للخروج من البيضة، ولكنه عندما يخرج منها، لا يجد أمه في انتظاره، فأنثى التمساح تعتبر مهمتها قد انتهت بمجرد أن تضع البيض على الشاطئ، وفي لحظة خروج صغير التمساح من البيضة، محاولًا شق طريقه إلى النيل ليبدأ حياته تمساحًا ناضجًا، يكون هناك من يتربص به، وفي المسافة من مكان الفقس والنيل، يُفقد الكثير من صغار التماسيح في أوانٍ يحضرها مربّو التماسيح النوبيون، فيأخذونهم إلى المنزل ليكونوا وسيلة ترفيه للسائحين.

هو أمر مُسلٍّ بالفعل! ولكنه ليس كذلك بالنسبة للتمساح، والذي قد يجد الإهانة في طريقة عرضه بهذا الشكل، ولذلك طالما يكون متقلب المزاج، وبمجرد أن يحاول أحد لمسه بعصاه، تكون ردة فعله عنيفة ومحذرة.

ماذا لو شاكست التمساح بعصا من خلف الغطاء الحديدي؟

أكد لنا أيمن ربيع أن التمساح كائن شرس بطبعه، ولا يمكن تحويله إلى حيوان أليف، ولو نجحت في ترويض أسد أو نمر أو حتى ثعبان، فلن يكون لديك القدرة على ترويض تمساح، خاصة وإن عاش فترة طويلة محبوسًا مثل حالة تماسيح النوبة، فهو يكنّ الضغينة للشخص الذي يحبسه، ولذلك فإن تربية التماسيح  أمر لا يجب تجربته في المنزل، فالأشخاص الذين يطعمونه ويرعونه معرضون للخطر مثلهم مثل الغرباء.

لا تمزح مع التمساح!

عندما طرحنا هذا السؤال على الحاج ناصر؛ أكد لنا أنه بالفعل جُرح أكثر من مرة بأسنان تماسيح صغيرة وكبيرة، والعادة بين مربي التماسيح في النوبة، هي ترك الجرح الخاص بالحيوانات حتى يلتئم وحده، حتى وإن كان الجرح يتطلب أكثر من غرزة، ولكن ما أكده أيضًا أن التمساح النيلي الذي يترعرع في منزل منذ صغره لا يكون بنفس شراسة التمساح النيلي الذي عاش في الطبيعة واضطر إلى اصطياد طعامه وفرائسه بنفسه، فما يفعله التمساح النيلي المنزلي هو الهجوم على من يحاول استفزازه تاركًا وراءه جروحًا تلتئم، دون أن يحاول نزع جزء من جسد ضحيته، كما أنه لا يأكل اللحم البشري، فعادة ما يكون هجومه تحذيريًا ليس أكثر، وهو ما أكدته زهرة مربية التماسيح النوبية بقرية غرب سهيل.

شاهد زهرة تحكي عن تربيتها للتماسيح.. وأحد الحوادث التي وقعت لسائحين.

في بيت زهرة – كما تشير اللافتة على باب منزلها الملون بالأزرق – يمكنك أن تجد مشغولات فنية نوبية فريدة، وغرفة علوية لاستضافة السائحين لشرب الشاي والقهوة، وبالطبع تماسيح أيضًا، فكون زهرة امرأة لم يمنعها من ممارسة المهنة الأكثر شيوعًا في القرية، وأكدت لنا زهرة أنها لا تخشى من التماسيح طالما كانت موجودة في الحوض ومغطاه بالحاجز الحديدي، ولكنها أشارت أيضًا أن التمساح لا يحب من يعامله كحيوان أليف أو من يسخر من حبسه وراء تلك القضبان، ولذلك حينما حاول أحد السائحين أن يقترب منه حتى يلتقط صديقه صورة مضحكة له هو والتمساح، جذبه التمساح من شعره أكثر من مرة، محذرًا إياه بالابتعاد، ولكنه في نفس الوقت لم يؤذه جسديًا ولو بجرح صغير، فقد مارس معه الإرهاب المعنوي فقط.

والحكمة هُنا: لا تلعب مع التماسيح وأطعمها جيدًا، فإذا لم يكن التمساح في حاجة للطعام، فسيكون في أفضل حالاته المزاجية، هكذا أكدت لنا زهرة.

ماذا تأكل التماسيح؟

في هذا الأمر اختلف مربو التماسيح في النوبة بعض الشيء، بالنسبة لزهرة فهي تطعم التمساح أي نوع من أنواع اللحوم ويُفضل أن يكون نيئًا، بينما يرى الحاج ناصر ضرورة إطعام التمساح الطعام الطبيعي الذي يأكله التمساح النيلي وهو السمك، فتمساح النيل يعيش على صيد الأسماك ، ويرى – ناصر – أن إطعامه أي نوع من اللحم الأحمر خاصة وإن احتوى على دم طازج؛ فهو يزيد من شراسة التمساح وربما يدفعه لقضم الجسم البشري في وقت الجوع.

في هذا التوقيت من العام، يعتبر التمساح في بداية فترة بياته الشتوي، ولذلك لم يكن هناك الكثير من التماسيح التي قابلناها في حاجة للإطعام، خاصة وأن التمساح يخزن الطعام الذي يأكله طوال فترة الصيف في ذيله ليمده بالزاد في الشتاء، ولكن أحمد النوبي كان يرى أن التماسيح كبيرة الحجم تحتاج إلى الطعام في بداية شهور البيات الشتوي، ولذلك استطعنا أن نرى كيف يُطعم مربي التماسيح حيوانه غير الأليف بالمرة.

والتمساح يجد صعوبة في مضغ السمك صغير الحجم، نظرًا لأن فمه لا يحتوي على لسان، ولذلك يحتاج أن يرجع رأسه إلى الوراء حتى تنزلق السمكة الصغيرة إلى أمعائه.

متى يجب على سكان القرية توديع أحد التماسيح؟

التمساح من الحيوانات المُعمرة ويعيش ما يقرب من 100 عام، ولا يتوقف جسمه عن التمدد على مدار عمره فقد يصل طوله إلى ما يزيد عن خمسة أمتار، ولذلك حين يصل طول التمساح إلى مترين يكون على صاحبه التخلي عنه، وعلى الرغم من عدم شعور أي من مربي التماسيح بألفة أو عاطفة تجاه التمساح، إلا أن قتله ليس من ضمن قائمة الحلول، فالمربي يكون عليه نقل التمساح الكبير إلى بحيرة ناصر ليعيش حياة البرية الطبيعية، وهذا عن طريق تخديره وربطه جيدًا بالحبال ونقله على سيارة نقل كبيرة، وعندما سألناهم هل تشعرون بالحزن في لحظة وداعهم؟ كانت الإجابة بالنفي، لأنهم يحضرون المزيد حين يفقس البيض.

هناك سبب آخر قد يدفع مربي التماسيح إلى توديع تماسيحهم، يعود هذه المرة لوزارة البيئة المصرية حين تقوم بإحدى دورياتها على تلك القرية من أجل مصادرة تلك التماسيح، وهذا في إطار خطة مكافحة سياحة التماسيح في محافظة أسوان والتي بدأت منذ ما يقرب من 10 أعوام، وكان الهدف منها تطبيق القانون المصري والاتفاقيات الدولية التي تمنع الاتجار في بعض الكائنات الحية ومنها التماسيح الحية، وعدم استخدامها في السياحة ويُسمح فقط باستخدامها للأغراض العلمية والبحثية.

«سبك» أو الرب العظيم.. التمساح في مصر القديمة

عُرف التمساح في مصر القديمة باسم «سبك» وكان ربًا للمياه ومناطق الأحراش والمستنقعات، وهي الأماكن التي يتواجد بها التمساح النيلي، وأطلقوا عليه أيضًا اسم «سوبك» وكان يُربط دائمًا بالإله رع – رب الشمس – وكانا يُرسمان سويًا في كيان واحد يسمى سوبك رع.

سبك تعني باللغة المصرية القديمة تمساحًا، ولذلك جسد المصريون الإله سبك في المعابد والتماثيل على الهيئة الكاملة للتمساح، أو هيئة آدمية برأس تمساح تعلوه ريشتان وقرنا ثور يتوسطهما قرص الشمس، وعادة ما يظهر سوبك في المشاهد الفرعونية وهو جالس على مذبح أو مقصورة، ورُمز له باللون الأخضر وهو رمز الخصوبة، وكان من الآلهة القوية والتي لها نفوذ واسع في مصر القديمة، نظرًا لاعتقادهم أنه المسئول الأول عن وجود النيل في حياتهم، والنيل كان مفتاح الحياة لدى المصريين.

بجانب ارتباطه الوطيد بالإله رع، ارتبط سبك أيضًا بالإله «جب» وهو رب الأرض، ووصف سبك في نصوص الأهرام أنه وريث الإله جب، وارتبط أيضًا بالإله «خنوم» وذلك في معبد يحمل نفس الاسم في منطقة كوم أمبو في أسوان، وهي أحد أهم الأماكن التي خُصصت لعبادته في الحضارة المصرية القديمة، بينما كانت الفيوم مركز عبادته الرئيس.

واستمرت عبادة التمساح وتقديسه طوال فترة الحضارة المصرية القديمة، وحتى الحضارة اليونانية، ولكنه حظي باهتمام كبير وقت الدولة الوسطى في مصر القديمة، حين مُزج اسمه مع أسماء الملوك في ذاك الوقت مثل الملك سوبك حوتب، واعتبره الملوك المصريون الرب الحامي لملكهم وحياتهم، ولذلك حرص أكثر من ملك في مصر القديمة على تبجيل الإله سبك، وكان هذا من خلال بناء تماثيل تخلد تقديسه لدى المصريين، مثل الملك أمينيمحات الثالث من الأسرة الثانية عشرة، حيث وجد في مقبرته بالفيوم تمثال حجري لسبك، ويُعرض هذا التمثال الآن في متحف أشموليان التابع لجامعة أكسفورد بإنجلترا.

تعليقات الفيسبوك