مصطفى السيد حسين
مصطفى السيد حسين

19,350

الممثل ومغني الراب المصري «أحمد مكي» لا يوجد لديه أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن هناك كثيرين ممن انتحلوا شخصيته، وهذا ما جعله يتعاقد مع إحدى الشركات لتمثلهُ على الإنترنت عبر موقع إلكتروني وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي وأطلق وقتها أغنيته الشهيرة «أنا ماليش أكاونت ع الفيس بوك اسمه أحمد مكي» والتي حصدت أكثر من 10 ملايين مشاهدة على موقع مشاركة الفيديوهات يوتيوب.

سرعان ما نشأت خلافات بينه وبين الشركة المنفذة، مما جعله يعود لنقطة الصفر مرة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنه قام أمس الخميس ٢٧ أبريل «نيسان» بنشر فيديو على صفحة جديدة قام بإنشائها بنفسه ونشر فيديو له يشكو من انتحال شخصيته باستمرار، وأنه حاول عند إنشائه الصفحة أن يستخدم اسم المستخدم «أحمد مكي» لكنّه فشل لكثرة الصفحات المنتحلة لشخصيته، وأخيرًا استقرّ على اسم «سكّى ملواني» وحكى في الفيديو الذي قام بنشره أن هذا الاسم هو كلمة من لغة «سغة لمبة»، وقال إنها اللغة التي كان يتحدث بها مع أصدقائه في منطقة الهرم بمصر، ولكن ما هي «السغة لمبة»؟

«السغة لمبة».. اللغة السرية لـ «مسجلي الخطر» في مصر

«السغة لمبة» وفقًا للأساطير الشعبيّة؛ والتي يمكن إدراجها في التاريخ المحكي لمصر، هي اللغة التي كان يتحدّث بها مسجلو الخطر والمجرمون في مصر؛ لكي يقوموا بالتحدُّث أمام الضباط دون أن يتمّ كشفهم، ولكن مع الوقت خلال فترة التسعينيات انتشرت خاصةً في منطقة الطالبية بالهرم.

تتكون «السغة لمبة» من شفرة بسيطة تعتمد على تغيير أول حرف من أي كلمة إلى حرف السين فمثلًا بدلًا من أن نقول «لغة» نقول «سغة»، وبدلًا من أن نقول «مكِّي» سنقول «سكي» ثم نقوم باتباع الكلمة التي استبدلنا حرفها الأول بحرف السين بأيّ كلمة عشوائية تبدأ بالحرف الذي استبدلناه بمعنى آخر نتبع كلمة «سغة» التي تعني لغة بأي كلمة عشوائية تبدأ بحرف اللام وفي هذه الحالة هي كلمة «لمبة»، ونتبع كلمة «سكي» التي تعني مكي بأي كلمة تبدأ بحرف الميم فتصبح «سكى ملواني» وهكذا.

وتتجاهل اللغة حرفي «ال» في بداية الكلام أي أننا إذا أردنا قول: «صباح الخير»، سنقول: «سباح صفيح السير خبر» على سبيل المثال.

ولكن هل هذه هي اللغة السريّة الوحيدة في مصر؟

لغة التجّار «السِّيم»:

يستعمل التجار في مصر بعض اللغات السرية أو ما يسمونه «السيم» وهي كلمة عربية فصيحة بمعنى اللغز، وقد ألّف المؤلف الراحل «محمد لطفي جمعة» قاموسًا لأرباب اللغات و أشار أن «السيم» ينقسم لقسمين رئيسين الأول: هو «السيم» الذي يُقصد منه تسهيل التعامل بين الناس وبعضهم، وأشهر مثال على ذلك هو لغة «القهوجية»؛ والتي يستخدمها العاملون بالمقاهي لتوصيل الطلبات بين النادل والشخص المسئول عن إعداد المشروبات، ففي زحام المقاهي والصوت المرتفع يكون من الصعب التواصل خاصَّة أن أغلب الطلبات كدرجات السكر في القهوة تحمل مخارج حروف قريبة من بعضها بعضًا، فيتم استخدام «سكتّو» للتعبير عن القهوة السادة التي لا تحتوي على سكر على سبيل المثال.

اللغة العبرية لتجار الذهب

يستعمل تجار الذهب لغة سرية للتواصل مع بعضهم دون تعريف الزبون بما يقال عنه أو حوله، هذه المصطلحات تم أخذها من اليهود، عندما كانوا يسيطرون على تجارة الذهب في مصر، وتوارثها بعدهم تجار الذهب المصريون، وتحتوي في أغلبها على مصطلحات من العبرية القديمة، فحتى لو كنت تعرف العبرية لن تفهم ما يقال خاصة أنها مخلوطة بألفاظ من العامية المصرية، فعلى سبيل المثال يقولون «الدفش اللي ف شلّك» بمعنى الزبون الذي أمامك، «أشفور» بمعنى مفلس أو لا يملك أموالًا، و«شئال» بمعنى سارق أو لص.

اللفظ العامي المصري «فاكس» مأخوذ من هذه اللغة:

من اللطيف تتبع هذه اللغة وكيف تسربت منها ألفاظٌ أصبحت تُستخدم في العامية المصرية بشكلٍ يوميّ، فاللفظ العامي المصري «فاكس» بمعنى «اصرف النظر عن الأمر»،  والذي بدأ المصريون استعماله في السنوات الأخيرة فقط، مع اشتقاقه بقواعد العامية المصرية «فكَّس، يفكس، أفكس»  مأخوذ من هذه اللغة التي يستخدم فيها الصاغة «فقس» بمعنى: «اطرد الزبون، أو لا تتعامل معه، أو اصرف النظر عن الصفقة».

وكذلك فإن العديد من أرباب المهن الأخرى لديهم مصطلحاتهم كمصطلحات تجار القماش أو الفضّة أو حتى تجار الأحذية، وجميعها إما للاستخدام السري أو لتسهيل التعاملات فيما بينهم.

أقرأ ايضًا : تُجّار الذَّهب: لَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْن القَوْلِ

لغة مجتمع الميم

يستعمل «مجتمع المثليين» في مصر أيضًا لغةً سريَّة خاصة بهم؛ تتكوَّن من كلماتٍ عشوائية وتعني لديهم معانٍ واضحة، ويستعملونَ هذه اللغة نظرًا للتضييقات عليهم من المجتمع ومن الشرطة أيضًا، وكذلك فإنها طريقة للتعرف إلى بعضهم بعضًا في المجتمع العام؛ فإذا كنت مثليًا وتشكّ أن هناك شخصًا مثليًّا آخر  أيضًا، وتريد التأكد يمكنك أن تبدأ حديثك معه بسؤاله عن شيءٍ بهذه اللغة فإذا فهم فهو مثلي أيضًا.

تقول الأسطورة الشعبية أن اللغة مأخوذة من تعبيرات كانت تستعملها الراقصات في الخمسينيات فيما بينهنّ، وتحتوي اللغة على العديد من المصطلحات، وتطبّق على هذه المصطلحات القواعد النحوية للهجة العامية المصرية، فمثلًا الفعل «بدّر» يعني في اللغة «فضّح»، ويتم اشتقاق الأفعال منه بحسب الضمائر «بدّر» للماضي و«يبدّر» للمضارع و«ابدّر» للأمر، كما يتم أيضًا استخدام الضمائر المتصلة «يبدرّنا» وهكذا.

غير أن اللغات المستعملة داخل مجتمعات المثليين، والعصابات حول العالم ليست شيئًا خاصًا بالمجتمع المصري؛ ولكن تكمن المشكلة دومًا في غياب التوثيق في التاريخ الرسمي، ويحتوي التاريخ على العديد من اللغات المشابهة حول العالم التي تم استخدامها من قبل بعض فئات المجتمع حول العالم نذكر منها:

لغة «بولاري».. من السيرك إلى مجتمع الميم

استخدم لغة «بولاري Polari» العاملون بالسيرك في بريطانيا، ثم أخذت تتوسع وأصبح يستخدمها  البحّارة للتواصل بينهم خلال القرن التاسع عشر، ويعتقد بعض المؤرخين أنها ترجع للقرن السادس عشر، إلى أن تبنتها مجتمعات المثليين في بريطانيا لنفس الغرض الذي يستخدم فيه المثليون في مصر لغتهم؛ وهو الهروب من التضييقات الأمنية والمجتمعية إلى أن تم الاعتراف بالتوجه الجنسي المثلي كتوجه طبيعي وإلغاء تجريم المثلية الجنسية في بريطانيا عام ١٩٦٧.

تتكون اللغة من خليطٍ من اللغات الأخرى كالإيطالية والفرنسية المتوسطية ولهجة شوارع لندن وغيرها، ستندهش إذا عرفت أنّ بعض بقايا هذه اللغة مازال مستخدمًا حتى الآن فمثلًا كلمة «ajax» أو «آجاكس» بالعربية التي يستخدمها مطورو الويب للتعبير عن تقنية تحميل جزء جديد في الصفحة منفردًا يتم استخدامه في هذه اللغة بمعنى «بالقرب من» وهو تقريبًا المعنى نفسه الذي تقصده التقنية.

«فرنسية بادلر» لغة سارقي بريطانيا

لنفس الأغراض التي أنشئت لأجلها لغة «السغة لمبة» قام السارقون في بريطانيا بإنشاء لغة «فرنسية بادلر» أو «تشفير السارقين»، ويعتقد الكاتب والشاعر الإنجليزي «صموايل ريد» أنّ فرنسية بادلر قد تم اختراعها عام 1530، أما عن أصل اللغة فيعتقد كثيرون أنها من أصول رومانية، وتم تحريف بعض الكلمات والقواعد لتناسب الإنجليزية، غير أن هذه اللغة غير مستخدمة في الوقت الحالي.

كما أنّ هناك أيضًا العديد من اللغات السرية الأخرى التي طورتها المجتمعات المختلفة عبر التاريخ كـ«السوارد سبيك» التي طورها مجتمع المثليين في الفلبين وتمزج بين عدة لغات أخرى، وحديثًا هناك أيضًا كثير من اللغات المختلقة سواءً أكانت كتابية فقط كلغة «لييت leet» التي استخدمها المخترقون الإلكترونيون في التسعينات، أم لغات منطوقة ومكتوبة ومحكومة القواعد النحوية كلغة «الاسبرانتو» التي اخترعها طبيب العيون «لودفيك زامنهوف» عام ١٨٨٠ للتغلب على صعوبة ومشاكل اللغات الطبيعية التي تحتوي قواعدها على كثير من الشواذ؛ ولتكون لغة لكل سكان العالم؛ ولتكون لغة لمقاومة الاستعمار أيضًا في بعض البلدان كساحل العاج وبلجيكا.

هل تعرف لغات سرية أخرى؟ شاركنا بها في التعليقات.

اقرأ أيضًا: «الاسبرانتو» لغة مُصطنعة لجمع الناس وتحقيق السلام.. وتعلُّمُها في 3 أشهر فقط!