نعيش حياتنا كلها على اليابسة، وتتخلل تلك الحياة بعض اللحظات التي تجمعنا بالمياه الموجودة على الكوكب، سواء في طقوس سفر أو سباحة، ونتخيل أن الكوكب هو في الأساس يابسة بها بعض المياه، ولذلك أطلق عليه البشر كوكب «الأرض»، ولكن ما لا يعرفه البعض أن المياه تشكِّل ما يزيد على 70% من سطح هذا الكوكب ما بين بحار ومحيطات وأنهار، وبين ما يُطلق عليه حديثًا في حياة البشر السياسية، مياه إقليمية، ومياه دولية أو «أعالي البحار». إذًا ما الفرق بين الاثنين؟ وما الذي يحدث في أعالي البحار؛ هذا المكان المجهول للعديد من البشر؟

«أعالي البحار».. حيث اللاسلطة

كما استطاع الإنسان أن يضع قواعد وقوانين تحكم تعاملاته وتحركاته على الأرض، فعل الشيء نفسه فيما يخص المياه، ولذلك هناك بعض القوانين التي تنظم وتضع قواعد لما يحدث في المياه، وعن كيفية تقسيم تلك المياه بين الدول التي تشترك في سواحلها، بجانب وضع قوانين لكل الأنشطة التي قد تقع في تلك المياه.

أما المياه الدولية أو أعالي البحار فهي مساحات مائية لا تخضع – قانونًا – لأي سيادة دولية، وتعد مساحة مفتوحة لكل بلدان كوكب الأرض مسموحًا لهم بأن يبحروا فيها ويستكشفوها ويصطادوا فيها أيضًا، وأعالي البحار هي المياه التي تقع خارج نطاق المياه الإقليمية، أي بعد 200 ميل بحري من سواحل البلدان المُطلة على البحار والمحيطات، أما ما قبل الـ200 ميل البحري المذكورين سلفًا؛ فهو يعد مياه إقليمية يعامل من يبحر فيها بقوانين البلد نفسها التي تتبع لها المياه، حتى يتعدى تلك الأميال ويصبح في أعالي البحار، حيث اللاسلطة.

ووفقًا للقانون الدولي، فإن ما يقع في أعالي البحار يعد مناطق مفتوحة لجميع الدولة ساحلية كانت أم غير ساحلية، للملاحة ووضع الكابلات والأنابيب، وحتى إقامة الجزر الاصصناعية، فما الذي يحدث حقًّا في أعالي البحار؟

القرصنة في أعالي البحار

القراصنة ليسوا ظرفاء مثلما جسدهم الممثل العالمي جوني ديب في سلسلة أفلام قراصنة الكاريبي؛ فالقراصنة يقتلون ويسرقون ويشكلون تهديدًا كبيرًا للبشر، سواء على اليابسة أو في البحر؛ نظرًا إلى أن جرائمهم يكون لها تأثير اقتصادي يشمل البر والبحر، وإذا كانت تُمارس القرصنة في المياه الإقليمية على الرغم من القوانين التي تحكمها؛ فلك أن تتخيل ما تتعرض له المياه الدولية من وقائع قرصنة وجرائم.

في نهاية العام 2019 حذر يوري فيدوتوف رئيس مكافحة المخدرات والجريمة في الأمم المتحدة بأن الجريمة في أعالي البحار «تزايدت بشكل معقد»، وأكد أن تلك الجرائم التي تحدث في تلك المنطقة التي لا تقع تحت أي سلطة أو قانون، أصبحت خطرًا مباشرًا على حياة الناس وسلامتهم، ووضح – يوري- أن أعالي البحار مفتوحة لسفن جميع البلدان بغرض دعم التجارة الدولية، والتعاون الاقتصادي، والاتصال بين الشعوب من خلال الاستخدام المسؤول لتلك الموارد الطبيعية – أعالي البحار – وفي السنوات الأخيرة استخدمت جماعات إجرامية، بحسبه، حرية الملاحة في أعالي البحار. 

يعد – بحسب يوري- تصديق البلدان على الالتزامات الدولية وتنفيذها، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة في أعالي البحار، من أهم العوامل التي من شأنها محاربة الجرائم التي تقع في تلك البحار الشاسعة، وهذا لأن التحقيقات فيما يحدث في أعالي البحار تكون معقدة فالجرائم يصعب رصدها، وإنفاذ القانون في المجرمين المجهولين يكون صعبًا، والعوامل الوحيدة المساهمة في تلك التحقيقات هي مهارات وخبرة مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وخبراته البحثية في معالجة جميع أشكال الجريمة المنظمة.

مكتب مكافحة القرصنة التابع للأمم المتحدة، برزت جهوده من خلال المتابعة والسيطرة على سواحل الصومال، والتي «بُليت» – على حد وصفه- بمعدلات عالية للجرائم في البحار مثل القرصنة والسطو والتهريب، ويمكن للقرصنة في المياه الدولية أن تسبب ضررًا كبيرًا للناس وللتجارة الدولية، فهجمات القراصنة يمكن أن تمنع تسليم المساعدات الإنسانية، وترفع تكاليف السلع التجارية، وتعرِّض أطقم العاملين بالسفن للخطر.

خليج غينيا.. مركز تجارة أم قرصنة عالمي؟

في التوقيت نفسه – بنهاية العام 2019 – وضح سيميون أويونو إسونو أنجي وزير خارجية غينيا الاستوائية أن القرصنة في المياه الدولية بالقرب من خليج غينيا شكلت في العقد الماضي 30% من الهجمات في المياه الأفريقية، وأكد أن تلك المنطقة تعد حيوية لأمن غينيا ومعيشتها، مؤكدًا من جانبه دعم الجهود المبذولة لضمان السلام والأمن البحري ومكافحة القرصنة في أعالي البحار.

«تهديد للسلام والأمن العالميين» هكذا وصفت فلورنتينا أدينيك أوكونجا، الأمينة التنفيذية للجنة خليج غينيا جرائم القرصنة والتهريب في خليج غينيا، والذي يشمل خطًّا ساحليًّا طولة 6 آلاف كيلومتر، وتلك مساحة واسعة من المياه لا يمكن – بحد وصفها- لأي بلد في المنطقة أن تقوم بدوريتها بنجاح فيها لما تعانيه من سيطرة القراصنة والمجرمين عليها، ولن تجري السيطرة على تلك الجرائم في أعالي البحار إلا عن طريق تدخل أفضل وأكثر تنسيقًا على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

ولكن تلك الجهود لم تثمر بعد عن سيطرة كاملة على ما يقع من جرائم في أعالي البحار، ففي بداية هذا العام 2021، تزايدت هجمات القرصنة في خليج غينيا، والذي يعد أحد أهم ممرات الملاحة الدولية في العالم، ما جعله تهديدًا واضحًا لحركة التجارة الدولية، حتى أطلق عليه «المركز العالمي لقرصنة السفن».

ويشير الخبير الموريتاني أحبيب ولد يحي، إلى تزايد عمليات القرصنة في خليج غينيا خلال عام 2020 بمعدلات مخيفة، يجعل مصير الملاحة في أعالي البحار مهددًا بالخطر، وأكد في تصريح له لـ«سكاي نيوز عربية» إن عمليات قرصنة السفن في أعالي البحار زادت بنسبة 20% خلال 2020 ومعظمها كان في خليج غينيا، ومن بين 135 بحارًا اختطفوا من أنحاء العالم، كان منهم 130 من تلك المنطقة وحدها والواقعة قبالة غرب أفريقيا ووسطها، وهو ما يؤكد أن خليج غينيا أصبح مركزًا للقرصنة العالمية وأخطر مياه في أعالي البحار موجودة على سطح الأرض.

التجارب النووية في أعالي البحار

وقعت أول تجربة نووية في العالم خلال العام 1945 في موقع التجارب الخاص بصحراء ألاموغوردو، بنيومكسيكو تحت إدارة الولايات المتحدة الأمريكية حيث فجرت قنبلتها الذرية الأولى، وكان هذا الاختبار بداية طريق طويل استمر لسنوات من البحث العلمي النووي تحت رعاية مشروع أطلق عليه «مشروع مانهاتن».

وعلى مدار خمسة عقود متتالية أجريت ما يزيد على ألفي تجربة نووية في أنحاء العالم حتى وقعت معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في العام 1996، وحتى بعد تلك المعاهدة أجريت ما يقرب من ست تجارب نووية على يد الهند وباكستان، وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية.

التجارب النووية لا تجري فوق سطح الأرض فقط، بل بعضها يمكن إجراؤه تحت الماء أو بالقرب من سطح الماء، وأول تجربة نووية تحت الماء كانت على يد الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1946 بهدف تقييم تأثيرات الأسلحة النووية المستخدمة، ومرة أخرى في عام 1955 أجرت الولايات المتحدة الأمريكية تجربة نووية تحت الماء على عمق 600 متر بغرض تحديد نقاط ضعف الغواصات تجاه الانفجارات النووية، وعلى الجانب الآخر ما رصد عن آثار تلك التجارب هي قدرتها على نشر كميات ضخمة من المياه والبخار المشع، والذي يتسبب في تلويث السفن والهياكل البحرية والأفراد الموجودين في هذا النطاق، وفي عام 1963 حُظرت التجارب النووية تحت الماء من خلال معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية.

ولكن تلك التجارب البحرية لم تتوقف، وعلى الرغم من عدم وجود بيانات دقيقة على أن هناك بعض الدول يشتبه في أنها ما زالت تجري التجارب البحرية النووية، وبعض الحوادث النووية التي تظهر للعالم تخبرنا أن المياه ما زالت حقل تجارب نووي.

وتعد حادثة الانفجار النووي الروسي في عام 2019 من أكبر الأمثلة على تلك التجارب، حيث وقع الانفجار قبالة منصة في المنطقة القطبية الشمالية في ميدان اختبار بحري للتجارب العسكرية الروسية. وقالت حينها وكالة الطاقة النووية الحكومية الروسية، روساتوم، إن الخبراء – الذين لقوا حتفهم في الانفجار – كانوا يختبرون محركًا صاروخيًّا نوويًّا، ولكنها لم تعط أي تفاصيل تقنية بشأن الحادث. أعقب الانفجار وميض إشعاع نووي استمر نحو 40 دقيقة في مدينة سيفيرودفينسك الواقعة على بعد 40 كيلومترًا إلى الشرق من ميدان التجربة في نيونوكاسا في البحر الأبيض.

هل الحروب القادمة بغرض التحكم الكامل في أعالي البحار؟

هذا النوع من أنواع المركبات الانزلاقية الغاطسة – التي كانت تجري روسيا التجارب عليها – أعلن عنه رسميًّا خلال العام 2014 بعد أن انتهت السلطات الصينية من تجارب مدتها شهر كامل، تمت في بحر الصين الجنوبي؛ إذ يبلغ طول المركبة ما يقارب مترين، ووزنها 70 كيلوجرامًا. وقد أشرف فريق بحثي وهندسي من جامعة «تيانجين» على عمليات تصميم وتصنيع هذا النوع من المركبات الذي يستطيع أن يعمل بشكل متواصل لمدة 30 يومًا، على أعماق تصل إلى 1500 متر تحت سطح الماء، ولمدى يصل إلى ألف كيلومتر.

ما يميز هذا النوع من المركبات المسيَّر ذاتيًّا، أنه لا يعتمد في حركته على محركات بالمعنى المتعارف عليه، بل يجري دفعه تحت سطح الماء عبر الطفو المتغير؛ إذ يجري الطفو أو الغطس من خلال التحكم بجهاز للطفو مليء بزيت مضغوط، ومن ثم يجري التحرك عن طريق استخدام جنيحات التوجيه الكبيرة، وهو ما يوفر لهذا النوع القدرة على التحرك لمسافات كبيرة، ولفترات طويلة، تسمح له بالوصول إلى أعالي البحار.

وبرغم تصريحات السلطات الصينية أن تلك المهمات التجريبية كانت لقياس حرارة مياه البحر ونسبة الملوحة والشوائب والكلورفيل والأكسجين، فإن تلك المركبات يمكنها أيضًا أن تقاتل الغواصات، وهو ما ظهر جليًّا في العام 2019 في إطار العرض العسكري الخاص باحتفال الصين الشعبية بالذكرى السبعين لتأسيسها، حين عرضت الغواصة التي يمكن التحكم بها عن بعد تحت اسم «إن إس يو 1»، والتي تعد بداية الطريق نحو نوع جديد للتسلح البحري في الصين، حيث تستطيع تلك الغواصة رصد الألغام البحرية، والاستطلاع، والمراقبة ورسم الخرائط، فهل سيكون من الصعب تزويدها بإمكانية رمي الألغام أو إطلاق المقذوفات؟

وخلال العقود الماضية، زادت الصين في إنفاقها الدفاعي وتحديث جيشها، وجزء مهم من تلك الميزانية التي بلغت 178 بليون دولار مخصص لبناء أسطول بحري يمكنه العمل في أعالي البحار، وفي مقال له بموقع «ميدل إيست» باللغة الإنجليزية، كتب الأدميرال الأمريكي، جيمس ستفاردس، تحت عنوان «أربع طرق لشن حرب صينية أمريكية في البحر» رأى من خلاله – عبر خبرته العسكرية البحرية – أن الأولوية القصوى للجيش الصيني لفترة طويلة هي ضمان قدرته على التحكم في البحر وإظهار القوة في المياه – الإقليمية والدولية – التي تحيط بتايوان.

يبحر في أعالي البحار – المياه الدولية –  ناقلات نفط عملاقة، وناقلات تحمل الغذاء والأدوية، وناقلات أخرى لحمل الأسلحة، وأخيرًا وليس آخرًا السفن التي تنقل الركاب والمسافرين عبر البحار، وما نراه من جهود عسكرية حثيثة من قبل القوى الدولية لتطوير ترسانتها النووية ومسيَّراتها البحرية الصالحة للإبحار والغوص في أعالي البحار والتحكم فيها عن بعد؛ يجعلنا نتساءل: هل ستكون الجروب القادمة بغرض السيطرة على أعالي البحار، في محاولة للسيطرة على الشرايين التي تمد العالم بالنفط والغذاء والعلاج؟ 

المصادر

تحميل المزيد