ساسة بوست

«الموت الصغير» يغزو أفريقيا.. كيف يهدد الـ«كيفافا» مستقبل البشر؟

لم تكن الطبيبة النرويجية لويز جيلك مستعدة لهذا الكشف؛ فهي لم تكن سوى خريجة شابة من كلية الطب، قررت منذ 50 عامًا؛ استغلال معرفتها الطبية في إنشاء عيادة صحية في أحد المناطق المعزولة في أفريقيا وتحديدًا تنزانيا، حيث تعيش «قبيلة ووبوجورو» الأفريقية؛ وسرعان ما بدأت الأسئلة المُحيرة تنهال عليها مع كل طفل مريض يزور عيادتها.

لماذا يعاني هذا الطفل من حوادث الحروق المتعددة؟، لماذا كاد هذا الطفل أن يغرق في تلك المياه الضحلة؟ ولماذا تختص الحوادث اليومية الأطفال بالذات؟، والأهم: لماذا يتهرب الأهالي والمرضى الأطفال من الإجابة عن أسئلة الطبيبة عن أسباب تلك الحوادث؟

وفي يوم جاءت لها الإجابة، والتي لم تدرك أنها ستطرح المزيد من الأسئلة التي ستحتاج ما يزيد عن نصف قرن للإجابة عن بعضها فقط. عندما قال أحدهم: أنه الـ«كيفافا». لم تفهم لويز في البداية حتى أدركت أن تلك الكلمة بلغة المنطقة تعني: «الموت الصغير».

هل فصيلة دمك من كوكب آخر! ماذا تعرف عن فصيلة الدم الأندر في العالم؟

 

أملٌ مفقود.. ومرضى مقيدون إلى الأشجار

هذا المرض لا يتسبب بنفسه في الحروق والغرق وغيرها من الحوادث؛ لكنه يصيب الطفل صاحب المرض بنوبات تشنجية؛ تفقده السيطرة على جسده، فيصبح فريسة سهلة للحوادث، ومع دراسة لويز لهؤلاء الأطفال عن قُرب، اكتشفت أن الأمر أخطر من ذلك.

فالطفل المصاب بهذا المرض يتوقف نموه الجسدي والذهني، ويسير بصعوبة وكأنه مُصاب بالعرج، ويفقد السيطرة على بعض عضلات جسده فيسقط لعابه على ذقنه، بينما تتحرك رأسه بإيماءات عشوائية لاإراديًا؛ -ولذلك أطلق الطب على هذا المرض اسم «متلازمة الإيماء»-، وتستمر معاناة الطفل بضعة سنوات حتى يقتله المرض.

لا يقبع هذا المرض في «قبيلة ووبوجورو» بتنزانيا، ولكنه شق طريقه في أنحاء أفريقيا، من جنوب السودان وإلى شمال أوغندا؛ حيث حصد آلاف الأرواح، وفي كل موقع جديد يظهر ظهورًا غامضًا ومفاجئًا؛ دون سبب مؤكد.

شاهد أعراض المرض على بعض الأطفال المُصابين في هذا التقرير

في حوار إعلامي مع واحدة من الأمهات اللاتي يعاني أبناؤهن من متلازمة الإيماء بأوغندا في أفريقيا؛ صرحت أنها تراعي ابنها وابنتها البالغين من العمر 12 عامًا، و14 عامًا وكأنهما طفلان في سن الخامسة؛ فهما لا يستطيعان تنظيف أنفسهما، أو إطعام أنفسهما، وحينما تضطر للخروج للعمل أو لشراء شيء؛ تقيدهم في الشجرة حتى لا يهيمان على وجهيهما، مؤكدة أن الأطفال المصابين بهذا المرض؛ إذا ساروا في طريق لا يعرفون طريق العودة إلى منازلهم، وعلى الرغم من أنها «فاقدة الأمل في علاجهما» إلا أنها سترعاهما لحين وفاتهما.

معاناة أسر الأطفال المصابين لم تتوقف عند انتظار موت أطفالهم ومشاهدتهم ينهارون يوميًا، بل الظهور غير المبرر وغير المفهوم للأمر؛ رسخ حوله وصمة عار في عقول القبائل البسيطة في أفريقيا؛ فالأسرة التي يصاب أطفالها بالمرض؛ ينبذها المجتمع، فلا تفتح لهم الأبواب، ولا تقف لهم سيارات الأجرة.

مرض غامض ومستقبل مخيف

رغم عقود من البحث؛ لم يتمكن الطب بعد من معرفة سبب الإصابة بمرض الكيفافا المميت، في حين أن الوصول إلى الإجابة قد ينقذ آلافًا من الأرواح، وقد يفتح الباب لعقاقير جديدة تشفي بعض الأمراض المستعصية مثل ألزهايمر.

وحتى يومنا هذا، لم يتوصل أحد لأسباب الإصابة بمتلازمة الإيماء، وفيما مضى ظن البعض أنه نوع نادر ومخيف من أنواع مرض الصرع، ولكن الطب الحديث يرجح كونه اضطرابًا عصبيًّا تنكسيًّا؛ لأن أعراضه مزيج من أعراض الصرع، ومرض الشلل الرعاش.

ولم ينجح الأطباء في علاج حالة واحدة منه، وغالبًا ما تنتهي حياة المريض إما بتلف الدماغ، أو حوادث أثناء النوبة الصرعية، أو ضعف في الصحة النفسية والإهمال في نظافتهم بسبب فقدان الأمل من علاجهم.

شاهد تقريرًا قصيرًا عن أحد الأطفال المصابين بالكيفافا من هُنا.

أما ما أثار دهشة الأطباء، فهو ما كُشف عنه في دراسة أجريت بالعام الماضي 2018؛ اكتشف القائمون عليها أن أدمغة المراهقين المصابين بالمرض تشبه أدمغة المرضى المسنين المصابين بمرض ألزهايمر.

ويؤكد الطبيب مايكل بولانين الذي أشرف على تلك الدراسة أن هذا المرض يشكل خطرًا على أكثر البشر ضعفًا على الأرض وهم الأطفال، مستقبل هذا الكوكب؛ ولأن أسباب المرض غير معروفة، فخطر انتشاره لمنطقة أوسع من شرق أفريقيا، أو خروجه من تلك القارة إلى قارة أخرى، أمر غير مستبعد بالمرة ولا يمكن التكهن به.

ولكن مايكل يوضح أيضًا أن الطب لم يفقد الأمل وما زال يكتشف هذا المرض، والذي صار الآن مرتبطًا بمرض ألزهايمر، فإذا وجد علاج الكيفافا؛ وجد علاج ألزهايمر.

وخلال سنوات البحث استطاع الطب الإجابة عن بعض الأسئلة التي تخص هذا المرض الغامض، من أهمها أن هذا المرض ليس وراثيًا، ووضح هذا طبيب الأعصاب بيتر سبنسر مصرحًا: «على الرغم من أن هذا المرض يصيب أكثر من فرد في الأسرة دفعة واحدة؛ إلا أنه ليس مرضًا وراثيًا».

وفسر هذا التصريح بأن مرض الكيفافا يظهر ويختفي على فترات، فمثلًا في شمال أوغندا ظهر في العام 1997 وبلغ ذروته في بداية العقد الأول من القرن العشرين ثم اختفى؛ ليظهر في مكانٍ آخر، وهذا النمط بحسب بيتر، لا ينتمي لأنماط الأمراض الوراثية التي عرفها البشر.

الكيفافا.. حين تكون 1500 دودة بالجسد أخف وطأة

ما يزيد عن 50 عامًا منذ ظهور هذا المرض في أفريقيا دون الوصول إلى السبب أو العلاج، ولكن هذا ليس لتكاسل الأطباء الذين كرسوا مشوارهم المهني لحل هذا اللغز؛ ولكن السبب في التأخير هو الأدلة المضللة التي جذبت الأبحاث في الاتجاه الخاطئ لسنوات طويلة؛ وعند ظهور المرض في جنوب السودان بالعام 2002؛ لاحظ الأطباء أن معظم المصابين بالكيفافا مصابون بالديدان الطفيلية؛ الأمر الذي دفع الأطباء للبحث وراء رابط بين المرضين، حتى أصبح هذا البحث محور جهود الطب الحديث.

والإصابة بالديدان الطفيلية يترك المريض وجسده يتجول به ما يزيد عن 1500 دودة؛ تتحرك في أنحاء الجسد بحرية وتغزو كل عضو ونسيج، وهو الأمر الذي ظن الأطباء أنه قد يكون المُسبب للكيفافا؛ نظرًا لقدرة تلك الديدان على الوصول إلى أصغر أجزاء جسم الإنسان وتدميرها.

لكن الديدان التي وصفها الطب بكونها «مرضًا بشعًا»؛ اكتشف الأطباء أنها بريئة من ذنب ضحايا الكيفافا، وهذا لأن الطب يستطيع قتل تلك الديدان عن طريق المضادات الحيوية؛ وفور موتها يكتسب الجسم مناعة قوية ضد جثثها، والتي تتخلص منهم سريعًا ويعود المريض إلى حالته الطبيعية؛ على عكس الكيفافا التي لا تترك مريضها إلا بالموت.

وحتى الوقت الذي تقرأ فيه هذا التقرير؛ لا يوجد حول هذا المرض سوى الكثير من النظريات التي وصفها الطب بالـ«مثيرة للاهتمام» ولكنها لا تؤكد حتمية الوصول إلى هذا المرض، والذي لا تجدي معه جميع العقاقير التي ابتكرها الطب على مدار تلك العقود بغرض تخفيف أعراض المرض وليس لعلاجه. فالموت الصغير حينما يأتي لأحدهم؛ لن يرحل إلا به.

 

«إنسان العصر الحجري» لم ينقرض.. قبيلة هندية ما تزال تحيا حياة الإنسان البدائي