ما المقابل المادي الكافي الذي يقنعك بالجلوس أمام كاميرا «لايف» لساعات متواصلة، دون أن تفعل أي شيء مفيد؛ لمجرد أن يشاهدك المتابعون؟ مع العلم أنه يجب عليك الجلوس أمام تلك الكاميرا بأريحية في منزلك، مرتديًا ملابس المنزل، ويفضل أن تكون جالسًا في وضع حميمي؛ مثل الاستلقاء على الفراش، أو الاتكاء على الأريكة؟ فعلى المستخدم الذي يشاهدك أن يشعر وكأنه معك في منزلك بالفعل. ما المقابل المالي الذي يقنعك ببيع خصوصيتك، وخصوصية منزلك لأي مشاهد مر مرور الكرام؟

قد تكون إجابتك بـ«لا» على أي مقابل مادي يدفعك لممارسة هذا النشاط الجديد المنتشر على أكثر من تطبيق متاح على أسواق «أندرويد»، و«أي أو إس»، ولكن الآلاف غيرك، والذين في حاجة إلى المال، قالوا «نعم»، وبعدها قالوا وداعًا لحياتهم الشخصية، ومنهم فنانون مشهورون، وليس مجرد مستخدمين عاديين يسعون إلى المال.

«الإنترنت فيه سم قاتل».. 6 نصائح للتحكم في استخدم طفلك للإلكترونيات

 

في هذا التقرير نخبرك عن القصة الكاملة لتلك التطبيقات، وكواليس الاتفاقات مع مستخدميها.

ساعات يومية من البث الحي بلا محتوى

نساء جالسات أمام الكاميرا، ينظرن إلى هواتفهم الجوالة، وشاب يجلس مستمعًا للقرآن لما يزيد عن ست ساعات دون أن يقول أو يقدم على أي فعل، الفنانة وفاء عامر جالسة على أريكة منزلها، تنظر إلى الكاميرا بصمت، بينما تنهال التعليقات عليها، وإذا تحدثت تطلب من المتابعين أن يرسلوا إليها «تنينًا» أو «أسدًا»؛ تلك هي أولى الأشياء التي تستقبلك، إذا قررت المرور على واحد من تطبيقات البث الحي. فما قصة تلك التطبيقات؟

وضحت «م.ج» لـ«ساسة بوست» أنه في نهاية عام 2017؛ تلقت رسالة من صديق كانت تشاركه إحدى ورش التمثيل، يخبرها عن فتح باب التقديم في وكالة الإعلان التي يعمل بها؛ لوظيفة مذيعين جدد، تحمست «م.ج» للفكرة، واستعدت ليوم اختبار الكاميرا، والذي وضح لها زميلها أنه سيُجرى عن طريق الإنترنت، من خلال تثبيت هاتفها والجلوس أمامه والحديث عن أي شيء لمدة 10 دقائق، ولكن حتى تُجري هذا الاختبار، عليها تحميل تطبيق يدعم خاصية البث الحي، وحتى تلك اللحظة – تخبرنا م .ج-  لم تشعر بأي شيء غريب.

ولكن بعد انتهاء الاختبار مباشرة، والذي لم يستغرق سوى 10 دقائق، تحدثت خلالهم عن نفسها، أخبرها صديقها بنجاحها في الاختبار، وأرسل إليها تفاصيل الوظيفة. تلك الوظيفة التي أطلق عليها «مذيعة» تتطلب من صاحبها الخروج للبث الحي يوميًّا من منزله، بمعدل ثلاث ساعات حدًّا أدنى، من خلال هذا التطبيق.

 ولا يهم أصحاب الوكالة ما الذي يقوله المذيع في تلك الساعات المتواصلة من البث الحي، طالما نجح في تجميع «الفاصوليا»، والتي تتحول إلى دولارات أمريكية، هي الراتب الشهري للـ«مذيع».

و«الفاصوليا» هي أيقونة صغيرة يمنحها المشاهد لصاحب البث الحي، والتي تحدد مدى شعبيته، وبالطبع تكلف من يرسلها أموالًا، وفي رسالة القبول التي تلقتها «م.ج» كان هناك كشف بالمبلغ المالي الذي تدفعه الوكالة في مقابل أعداد الفاصوليا، والأعداد كانت ضخمة للغاية، تبدأ من 10 آلاف، والرواتب تبدأ من 400 دولار، ووصلت حتى ألفي دولار، وفقًا لعدد الفاصوليا. 

عدم اهتمام الوكالة بالمحتوى المُقدم في البث اليومي الحي، وجولة صغيرة في التطبيق شاهدت من خلالها الأجواء المريبة -كما وصفتها م.ج-  للبث الحي الموجود في التطبيق؛ دفعها لرفض تلك الوظيفة، ووقتها لم يكن هناك الأعداد الكبيرة لمستخدمي تلك التطبيقات، كما تعمر بالمستخدمين والمتابعين والممثلين الآن.

«عايزة أسد».. «يارب أقفل التارجت»

حينما تتصفح واحدًا من تطبيقات البث الحي؛ تشعر أنك دخلت عالمًا منفصلًا، لا تدري عنه شيئًا، له لغته الخاصة ومصطلحاته التي لا يفهمها سوى مستخدميه، ولكن 24 ساعة، هو الوقت الكافي لتدرك آلية عمل هذا العالم.

كل عضو في تطبيقات البث الحي تابع لوكالة إعلان، ويُطلب منه مستهدف إنتاجي يطلقون عليه «تارجت»، والذي يتمثل في عدد الفاصوليا الذي تحدثنا عنه من قبل، ولكن مع الوقت، تطورت الأمور، وأصبحت هناك أهداف أخرى على صاحب البث الحي تحقيقها، مثل الحصول على الهدايا، والتي يعد أهمها «الأسد» و«التنين».

تلك الهدايا على المشاهدين للبث إرسالها لصاحب البث دعمًا له، وحتى يستطيع المشاهد إرسال تلك الهدايا؛ يجب أن تكون في خزينة حسابه «جواهر» لشراء تلك الهدايا، وتلك الجواهر يجب شراؤها بأموال حقيقية من خلال بطاقة الائتمان، تبدأ من 42 جوهرة، بمبلغ 19 جنيهًا مصريًّا، وحتى 8270 جوهرة بملبغ 3580 جنيهًا مصريًّا.

شاهد سيدة مع أبنائها في تطبيق البث الحي هُنا.

عندما تفتح هذا التطبيق للمرة الأولى، تجد مجموعة من النافذات ممثلة في صورة وجملة صغيرة، هي اسم البث الحي الذي يعمل الآن، والعامل المشترك بين معظم تطبيقات البث الحي هو اختيار الصور المثيرة ذات الإيحاء الجنسي؛ لتمثل الصورة الدعائية للبث، وعادة ما تكون الجملة طلب صاحب البث بالذي يحتاجه لـ«تقفيل» التارجت الخاص به، فتجد صورة لقتاة ومكتوب عليها «عايزة أسد»، أو «يارب أقفل التارجت».

ومع الوقت تطورت النشاطات في تطبيقات البث الحي، ولم يعد مطلوبًا من صاحب البث الظهور أمام الكاميرا لساعات طويلة وحده، وأصبح هناك خاصية استضافة أحد المتابعين، وهذا عن طريق طلب هذا المتابع في التعليقات، وإذا وافق صاحب البث يسمح له بالدخول، ويظهر الضيف في شاشة صغيرة على يمين البث الحي من الأسفل، ويبدأ في الحديث مع صاحب البث عن أي أمر من أمور الحياة.

قد تجلس فتاة هكذا أثناء البث لساعات متواصلة. شاهد جزءًا من البث هُنا.

في جولتنا التي أجريناها في التطبيق، لفت نظرنا هذا الحديث المتاح للعامة، بين فتاة وشاب، بدا لنا في البداية أنهم يغازلان بعضهما بعضًا، خاصة وأن التطبيق يوفر خدمة المواعدة من خلال اختيار الخوارزميات للشخص الأكثر تشابهًا مع طالب خدمة المواعدة، ولكن في نهاية حديثهم تحكي له عن الهدية التي اشترتها لخطيبها، وتخرجها أمام الكاميرا؛ لتسأله عن رأيه، والحديث بينهما، سواء كان مغازلة أم صداقة على هذا التطبيق؛ يبدو حديثًا خاصًّا جدًّا، ولكنه متاح للعامة، حتى وإن لك يكن لهم حساب على التطبيق؛ فالبث الحي في تلك التطبيقات متاح للجميع.

 

من أكثر النشاطات شعبية على تطبيقات البث الحي هو التحدي، ويكون التحدي بين شخصين أو بين وكالتين، في تلك التحديات تنقسم الشاشة إلى قسمين، يظهر فيها كل مستخدم محاولًا تحميس متابعيه لإرسال أكبر كم من الهدايا له.

ومن الظواهر التي تسيطر على تلك التطبيقات الآن، هي مشاركة الممثلين في البث الحي دون تقديم محتوى فني، وتجد الممثل جالسًا في منزله مرتديًا ملابس المنزل، ويحدث أقاربه بجواره، وينظر إلى الشاشة، ويرد سريعًا على التعليقات، ويطلب الهدايا من المتابعين.

هل تريد أن تتحدى وفاء عامر؟

الممثلة وفاء عامر، وعلا رامي، وعنايات صالح، ووائل علي، وسما المصري؛ من أكثر الفنانين النشطين على واحد من أهم تطبيقات البث الحي، والذي حكت لنا عنه «م.ج» في بداية التقرير.

وتعد وفاء عامر من أكثر الذين يشاركون في التحدي، وتجد أنه ليس بالضرورة فوز الفنان؛ فربما يكون للمستخدم الذي ينافسه تاريخ أطول على التطبيق، ومتابعون أكثر، وهذا ما رصدناه في المقطع المصور التالي لإحدى التحديات التي خاضتها الممثلة وفاء عامر منذ أيام قليلة وخسرت فيها.

كما يلاحظ في المقطع المصور، عندما هددت الممثلة بالخروج من البث، قال لها منافسها «إيه.. إنتي عملتيهم» وهنا يقصد الأموال الشهرية التي يمكن جنيها من خلال هذا التطبيق، فكل الهدايا التي تطلبها من المتابعين تكلفهم أموالًا حقيقية لشرائها.

وبعض الحسابات الأخرى لنساء وفتيات صغيرات من الوطن العربي وأمريكا اللاتينية، قد يطلبون الهدايا مقابل أفعال معينة يقومون بها أمام الكاميرا، مثلما طلب أحدهم من واحدة من المستخدمات من أمريكا اللاتينية أن تغرق ملابسها التي ترقص بها بالمياه؛ فطلبت منه أن يرسل «تنينًا» أولًا.

في تطبيقات البث الحي تجد المراهقات، والمحجبات وغير المحجبات، بل المنتقبات أيضًا، وفي البث الحي الذي قد يستمر لما يزيد عن ست ساعات متواصلة أو أكثر، قد تجد الفتاة جالسة في غرفتها لا تفعل أي شيء سوى ظهورها أمام الكاميرا. وإذا تحركت؛ تمارس حياتها الطبيعية مثل الطبخ أو الحديث مع صديقاتها عبر الهاتف، وقد يأتي لها في التعليقات أسئلة عن أصدقائها، وتلاحظ أن متابعيها يعرفون أسماء الأصدقاء الذين يتصلون بها، بل اسم الشخص الذي تحبه.

على عكس النساء، تجد الرجال في هذا التطبيق عاجزين عن تجميع تلك الكمية الكبيرة من «الفاصوليا»، التي تجمعها النساء، ولذلك قد يضطر أحدهم للقيام بنشاط بالفعل، مثل الغناء، أو محاولة المشاركة في الكثير من التحديات، أو الجلوس أمام الشاشة لساعات طويلة أثناء سماع القرآن، مثلما فعل هذا الشاب منذ يومين، واستمر في تلك الجلسة من الساعة الرابعة مساءً، وحتى الساعة 10 مساءً. يمكنك مشاهدة جزءًا من البث هُنا.

 

وهناك رجال آخرون يكون بثهم الحي عبارة عن شاشة منقسمة بين وجوههم وهم يلعبون لعبة فيديو شهيرة، والنصف الثاني من الشاشة يعرض ما يحدث في تلك اللعبة، هذا الشاب بعد ساعة متواصلة من اللعب كان مجموع «الفاصوليا» الخاص به سبع «فاصوليات» فقط، بينما الفتاة الجالسة التي لا تفعل شيئًا يصل إليها ما يزيد عن 30 ألف فاصوليا خلال ساعات بثها اليومية، والملفت للنظر في هذا التطبيق، أن معظم الرجال الذين يحلون ضيوفًا على البث الحي لأي فتاة، لا يظهرون أمام الكاميرا، ويكتفون بأصواتهم فقط.

متى يحظر التطبيق البث الحي؟

القائمون على إدارة هذا التطبيق، يضعونه تحت مراقبة شديدة، وأي تعليق يحمل كلمة خارجة أو إباحية يُمنع صاحبه من المشاركة في تعليقات البث، ولكنه لا يُطرد من التطبيق، ولا يطرد من البث الحي الذي تعدى فيه على الفتاة صاحبة البث، وكأنهم يقولون له: «شاهد في صمت».

وكل فتاة تجري البث وتريد أن تستغل جمالها للحصول على الهدايا و«الفاصوليا»، يجب أن تكون حذرة في الإغراء الذي تمارسه؛ فلا يجب أن تُظهر أجزاء فاضحة من جسدها، أو أن تقول كلامًا إباحيًّا؛ فهذا يعرض بثها للتوقف من جانب الإدارة، ولكنهم أيضًا لن يمنعوها من البث الحي مرة أخرى.

صورة للرسالة التي يظهرها التطبيق في حالة حظر البث الحي لأسباب أخلاقية

ولذلك تجد الكثير من الحيل المتبعة لبعض مستخدمي التطبيق من النساء، مثل فتح الكاميرا على قدميها فقط والتحدث في أمور عادية، ولكن بصوت مثير، مع الأضواء الخافتة لغرفتها التي تظهر قدميها على فراشها الخاص؛ فتجد الفاصوليا تنهال عليها من كل صوب، خاصة إن طلب أحدهم أن تغني له أغنية بهذا الصوت المثير؛ فعليه أن يرسل ما هو أكثر من «الفاصوليا».

تلك الحيل تتبعها المخضرمات على هذا التطبيق، ولكن أثناء تجولنا في تطبيقات البث الحي، وجدنا فتيات في سن المراهقة تنضم للبث للمرة الأولى، غير مدركة طبيعة العمل الذي التحقت به؛ ولذلك تجد بعض التعليقات على البث الحي الخاصة بها تخبرها: «إنتي إيه اللي جابك هنا»، وكل يوم ينضم فتيات جدد لهذا التطبيق الذي دخل منازل الكثير من الأسر في الوطن العربي وغرف نومهم.

وسبب انضمام مستخدمين جدد يوميًّا لتلك التطبيقات؛ هو الدعاية التي تطلقها تلك التطبيقات على موقع التواصل «فيسبوك» تحت اسم البحث عن مذيعين جُدد بمقابل مالي «مُجزٍ»، وكل ما عليك هو أن تجلس بملابس المنزل أمام الشاشة لتعرض نفسك أمام العالم.

«ذي أتلانتك»: 4 مشكلات قد تعيد الإعلام كما كان قبل 200 عام

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد