2,658

منذ بدايات القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر كان الرقيق الإفريقي هو السلعة الرائجة الأساسية التي اشتهرت بها الدول الأوروبية إبان فترة الاستعمار، خاصة مع اكتشاف العالم الجديد واحتياجهم لأيدي عاملة تُعمِّر مستعمراتهم في الأمريكتين؛ فكانت البرتغال هي الدولة الأوروبية التي عُرفت باحتكار تلك التجارة وترويجها بالاتفاق مع الدول الاستعمارية الكبرى؛ إذ كانت تورد لهم ما يحتاجون إليه من أيدٍ عاملة من ما عرف قديمًا بـ«ساحل العبيد»، وهو ساحل ممتد من غانا إلى الكونغو.

كان العبيد في ذلك الوقت يتم استبدالهم بالذخيرة والسلاح، ومن ثم بيعهم في مزاداتٍ علنية لمن يدفع الثمن، ونشأت طبقة جديدة في المجتمع – حينذاك – عُرفت بطبقة «الجلابين»، وهم مجموعة من التجار الأجانب، قادوا حملات مسلحة داخل القارة الإفريقية بهدف جلب الرقيق؛ فكانت الغارات المسلحة على القرى الآمنة بهدف أسر رجالها ونسائها على حدٍ سواء، هي طريقتهم الكلاسيكية للحصول على أكبر قدر من العبيد.

أما رحلة المحيط الأطلنطي، فلم يكن هناك مثيل لويلاتها؛ إذ كان يتم تكديسهم بأعداد تفوق حمولة كل سفينة، بأيادٍ مصفَّدة طوال الرحلة، وبيئة غير آدمية، بلا رعاية صحية، أو طعامٍ كاف، ومن يسقط إعياءًا؛ كان يتم التخلص منه في الطريق، حتى إن معدل ضحايا كل رحلة كان يعادل 20 إلى 30% من مجمل أعداد الأسرى بالأساس؛ فأصبحت عظامهم في الطريق علامات بارزة، تروي ما عانوه، حتى تم إلغاء الرق، وتحريم تلك التجارة، منذ بدايات القرن التاسع عشر.

الآن وبعد مرور حوالي قرنين من الزمان، هل اختفت فعلًا تلك التجارة البشعة بعد تجريمها وتحريمها بقوانينٍ دولية؟ أم أن العبودية لم تنته أبدًا؟

الأطفال في غرب إفريقيا مازالوا يخوضون «رحلة الموت»

كان لدولة بنين في غرب إفريقيا تاريخ حافل بتجارة الرقيق، أطلق عليها حينها «بوابة اللاعودة»؛ إذ كُتب على الرجال أن يختفوا عبر سواحلها في المحيط الأطلسي، وهناك تمّ عمل نصب تذكاري بنفس الاسم؛ ليذكر العالم بتلك الرحلة التي خاضها الأفارقة السابقون عبر المحيط بلا عودة إلى موطنهم الأصلي، إذ بدأ كل شيء عبر سواحلها، والتي أطلق عليها سابقًا «ساحل العبيد». وفي القرن الواحد والعشرين، وعلى الرغم من وجود هذا النصب التذكاري لذكرى من بيعوا وماتوا، مازالت بنين هي ساحل العبيد الإفريقي للعصر الحديث؛ إذ يخوض أطفال «بنين» اليوم رحلة الموت ذاتها التي خاضها أجدادهم.

(بوابة اللا عودة في بنين)

في تقريرٍ للمصور «مايك شيل» في شهر مايو (أيار) السابق يصف رحلته إلى سواحل غرب إفريقيا، وخاصةً دولة بنين، يروي الرجل تفاصيل مرعبة عن عمليات بيع الأطفال، ورحلة الموت التي يخوضونها عبر المحيط؛ إذ دخلت البلاد في فترة من القمع إبان سبعينات القرن الماضي وحتى أوائل التسعينات؛ نتج عنها انهيار اقتصاد تلك الدولة الوليدة؛ لتصبح واحدة من أفقر بلدان العالم، حيث عائلات لا تملك قوت يومها، أو ما يكفيها لإطعام أطفالهم، يلجأون إلى بيع أبنائهم من خلال «الجلابين» الجدد.

كانت طبقة الجلابين في الماضي – كما يصفها المؤرخ إسماعيل زين الدين في كتابه «دراسات في تاريخ إفريقيا الحديث والمعاصر» – طبقة وليدة القرن السادس عشر، اختفت بمجرد تحريم الرق في القرن التاسع عشر، لكن يبدو أنهم اتخذوا اليوم شكلًا جديدًا؛ إذ يقول «شيل» في تقريره: «إن الجلابين الجدد قد يكونون من العائلة أو الأصدقاء! وإنهم يقومون بإقناع الأهالي أن بيع أبنائهم سيضمن للأبناء حياة كريمة»؛ لتبدأ الرحلة كما يصفها قائلًا: «يعبر الأطفال برًا وصولًا إلى نيجيريا، وهي نقطة تجمعهم، وهناك يتم وضعهم على قوارب خشبية مفتوحة بحمولة قد تصل إلى 150 طفلًا في كل قارب، ولك أن تتخيل هذا الكم من الأطفال الذين لم يتعدوا السادسة من العمر، وهم يعبرون المحيط؛ ليصلوا فيما بعد إلى مدينة ليبرفيل العاصمة الجابونية، حيث يتم توزيعهم على أصحاب العمل».

في العاصمة الجابونية يحصل «الجلَّاب» أو تاجر الأطفال على 30 دولارًا لكل طفل، ويتم توظيف الأطفال بعد بيعهم في الأعمال المنزلية الشاقة وأعمال التنظيف وإعداد الطعام، حتى يصلوا لسنٍّ مناسبة لأعمال شاقة أخرى، أما الفتيات فيتم بيعهن أو تزويجهن، وفي بعض الأحيان يتعرضن لاغتصابات متعددة، وعن هذا يحكي «شيل» قصة فتاة تعرف عليها خلال رحلته، كانت في الخامسة عشر من عمرها، وتدعى «موريماتا»، لديها الآن طفلٌ رضيع، وتعاني من الإيدز، مُضيفًا: «تم جلب موريماتا إلى مكان يدعى (إيبونو)، وكان صاحب القارب يأتي كل ليلة إلى هذا المكان، ويختار واحدة من الفتيات الأشد عودًا، ويغتصبهن؛ فتعرضت موريماتا إلى اغتصاباتٍ مُتعددة تسببت في إصابتها. وهي الآن بالرغم من صغر سنها في انتظار الموت».

الرقيق الأبيض .. بيع القاصرات لرجالٍ مسنين

«هل تتذكر القسوة التي وصفتها لي، والتي تُرتكب في حق ماريا من مالكها (القاضي بويد)، كل هذا الرعب، وتلك الأعمال الوحشية التي ارتكبت في حق الفتاة الضعيفة ستُلحق بها الموت قريبًا، فهل تسمح لي أيها العقيد أن أقوم بشرائها لأحررها».
إنها رسالة تعود إلى القرن التاسع عشر تحديدًا عام 1848 موجهة إلى العقيد «رايس كارتر بالارد»، وهو تاجر رقيق ومزارع، كان شريكًا للقاضي «صامويل بويد» في بعض أملاكه، يتوسل إليه صاحب الرسالة أن يساعده في شراء ماريا، وهي إحدى محظيات القاضي بويد، بعد أن أساء معاملتها جنسيًا وجسديًا لدرجة أوصلتها لحالة من الإعياء الشديد؛ إذ كانت نساء العبيد في القرن التاسع عشر يتعرضن لكافة أنواع التعذيب، والإيذاء الجنسي، سواء من خلال الضرب أو التحرش أو الاغتصاب، فهل النساء في القرن الواحد والعشرين يتعرضن لنفس النوع من العبودية؟

(تقرير البي بي سي عن زواج القاصرات في مخيمات الأردن)

يعد اللاجئون السوريون والمهاجرون غير الشرعيين – في الوقت الحالي – الفصيل الأسهل لكافة أنواع الاستغلال، خاصةً الاستغلال الجنسي؛ فالإتجار بالبشر، وبيع النساء، وإجبارهن على العمل بالجنس، لم يعد مقتصرًا على جماعاتٍ تصنف متطرفة، مثل «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» وما حدث في معسكراتها، بل تعدَّاها إلى مخيمات اللاجئين؛ ففي تقريرٍ مصور لوكالة «بي بي سي» الإخبارية عن بيع القاصرات السوريات في مخيمات اللاجئين بالأردن، أشير إلى أنه بحوالي ألفي يورو يمكن لرجلٍ عربي مُسنّ أن يتزوج من فتاة قاصرة بطريقة أشبه بزواج المُتعة، وما أن يحصل على غرضه؛ حتى يلقي بها إلى مصيرها.
يستعرض التقرير منزل وسيطة الزواج، وكيف تقوم بتسهيل المهمة عن طريق جمع القاصرات وعرضهن على الرجال، ومن ثم إتمام الزواج، وحتى بعد نهاية الزواج، تعمل جاهدة على تزويجهن مرة ثانية وثالثة؛ حسب حاجة الأهل للأموال. فتصف إحدى الفتيات اللاتي أجبرن على الزواج من رجل مُسن، أنها تعرضت للضرب والاغتصاب لمراتٍ مُتعددة، حتى أعادها أخيرًا إلى منزل الوسيطة، قائلة: «عاملني بطريقة أشبه بالعبودية؛ إذ تحول لوحشٍ بعد الزواج، كان يضربني بعنف، وآثار الضرب على جسدي مازالت حاضرة، قال لي في النهاية إنه تزوجني فقط من أجل المتعة».

في الحقيقة لم يقتصر الأمر على مخيمات اللاجئين فقط؛ إذ نشرت وكالة أنباء بي بي سي تقريرًا مصورًا آخر عن زواج القاصرات في الهند بهدف المتعة، يحكي التقرير عن قصة فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا، تلقى والدها مبلغًا وقدره 385$؛ ليزوجها من رجلٍ في الخامسة والخمسين من عمره، اغتصبها لثلاثة أسابيع، وذهب دون أن يطلقها.

(تقرير وكالة البي بي سي عن  زواج القاصرات في الهند)

في العصر الحديث اتخذت العبودية أيضًا أشكالًا مختلفة للإتجار بالبشر،كان هناك عصابات تقوم باحتجاز النساء تحديدًا من أجل إجبارهن على ممارسة الجنس، كانت إحداها تلك الشبكة اللبنانية التي انتشرت أخبارها في أبريل (نيسان) من عام 2016؛ إذ أنقذ الأمن عشرات اللاجئات السوريات من قبضتهم، بعد أن كُنَّ حبيسات لدى الشبكة في عقاراتٍ مشددة الحراسة.

أبلغت الفتيات الأمن أنهن تعرضن للضرب والجلد والتعذيب النفسي والجسدي لإجبارهن على ممارسة الجنس مع غرباء، وأوقفت جهات الأمن طبيبًا وممرضة كانا يعملان لصالح تلك العصابة، ويقومان بإجهاض الفتيات، واعترف الطبيب في النهاية أنه أجرى أكثر من مائتي عملية إجهاض.

كما أوضح تقرير «الجارديان» عن الحادث أن النساء تم حبسهن في منزلٍ مهجور مكون من طابقين فور وصولهن من بلادهن، وتم بيع الواحدة بأقل من ألفي دولار؛ ليسترققن جنسيًا.

في مزادات ليبيا وصل سعر الفرد إلى 400 دولار

كانت ليبيا على مدار سنوات بوابة عبور اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا؛ فعبر البحر المتوسط وعلى مدار الثلاث سنواتٍ الماضية خاض رحلة قوارب الموت أكثر من 150 ألف شخص، وعلى مدى أربع سنواتٍ متتالية لقي أكثر من 3 آلاف لاجئ مصرعهم أثناء الرحلة، وذلك طبقًا للأرقام الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.

سعى خفر السواحل في الفترة الأخيرة إلى تضييق الخناق على قوارب تهجير المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا، وطبقًا لتقرير وكالة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في سبتمبر (أيلول) الماضي، كُشف عن أرقامٍ تقديرية من 400 ألف شخص إلى ما يقرب المليون محتجزين الآن في ليبيا، وقد ضجت بهم مراكز الاحتجاز – تلك التي يخفون بها لحين ترحيلهم – مما نتج عنه تقارير متزايدة عن السرقة والاغتصاب، فيما بين المهاجرين وبعضهم، هذا بالإضافة إلى بعض حوادث القتل؛ إذ شهدت تلك المراكز حوادث وانتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، ولكن كان أكبرها عرض المهاجرين للبيع في مزادات علنية وصل سعر الفرد بها إلى 400 دولار.

(مزاد بيع المهاجرين في ليبيا)

في تقرير «المنظمة الدولية للهجرة» في أبريل الماضي أشارت أنها وثقت تقارير عن «أسواق العبيد» على طول طريق المهاجرين في شمال إفريقيا، وأن ليبيا أصبحت «آلة ابتزاز شاملة»؛ إذ أدى كونها بوابة العبور إلى أوروبا إلى اندفاع المهاجرين إليها، ظنًا منهم أنها الطريق للخروج من الفقر، ويستكمل التقرير: «إلا أنهم أصبحوا سلعًا يتم شراؤها وبيعها، وتجاهلها عندما لا يكون لها قيمة».

وعن تعامل الحكومة الليبية مع الأمر، أشير إلى أنها قد فتحت تحقيقًا رسميًا عن الادعاءات، وتوصلت يوم الأربعاء الفائت إلى اتفاق مع الأوروبيين والقادة الأفارقة بشأن السماح بالعودة الطوعية للاجئين والمهاجرين الأفارقة، كما وافقت على الحكومة على فتح مركز لإيواء اللاجئين الضعفاء بأمان قبل إعادة توطينهم، وإرسالهم إلى بلدٍ ثالث.

لم ينتهِ الرق يومًا من موريتانيا

في تقرير شبكة «سي إن إن» في سبتمبر (أيلول) الماضي، ذكرت أن العالم اليوم يحتوي على أكثر من 40 مليون شخص يعيشون تحت وطأة العبودية، وأن معدل الأطفال بينهم يصل إلى 1 من بين كل 4 أشخاص. وهي أرقام قد تبدو صادمة في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يثير تساؤلات كثيرة عن الدول التي مازالت تسمح بالعبودية داخل حدودها، وتأتي في مقدمتها «موريتانيا».

(تقرير وكالة الـ سي إن إن عن العبودية في موريتانيا)

حاولت موريتانيا إلغاء الرق داخل حدودها ثلاث مرات، كان آخرها عام 2007؛ إذ كانت المرة الأولى التي يفرض فيها القانون عقوبات على تجارة العبيد، وصلت إلى 10 سنوات لمن يُعرف عنه الاشتغال بها، إلا أن كل هذه الجهود الحكومية، والتي جاءت بعد ضغطٍ خارجي من منظمات حقوق الإنسان، قد باءت بالفشل؛ إذ إن العبودية مازالت جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الموريتاني.

فهناك طبقة كاملة تعيش على العبودية حتى في أبسط أشكالها، وهم «العمال المنزليون»، وعلى الرغم من المحاولات الجادة لكبح العنف ضد العبيد في المجتمع الموريتاني، إلا أنه يشير إلى أن الحكومة المضطربة لموريتانيا، والتي عانت في السنوات الأخيرة من سلسلة انقلابات، هذا بالإضافة إلى اقتصادٍ مدمر، قد يئست من مكافحة التجارة نفسها، وبدأت في محاولات السيطرة على الآثار الجانبية لها، مثل العنف والاغتصاب وتنظيم ظروف العمل.

وفي أغسطس (آب) الماضي حذرت النقابات العمالية الأمريكية من التعامل مع الجمهورية الإفريقية، وذلك من خلال منع الفوائد التجارية الأمريكية عنها؛ نظرًا لفشلها في محاربة الرق؛ إذ تعد معدلات الرق في موريتانيا أعلى معدلات في العصر الحديث، كما ذكر تقرير «الجارديان» أن الحكومة الموريتانية ترفض الاعتراف علنيًا باستمرار وجود الرق بين حدودها، وهو ما يضعها في موقفٍ حرج من المجتمع الدولي.

ويبدو أن تاريخ تلك الدولة الإفريقية الفقيرة هو ما مهد لتلك النهاية القاتمة؛ إذ أصبحت العبودية في هذا المجتمع عادة مترسخة في الأذهان، فأصبحوا ينظرون لأنفسهم وكأنهم أقل من نظرائهم الأفارقة والعرب، وقد رسخ لذلك الاستعمار الفرنسي للمنطقة في التاريخ القديم، والجفاف والفقر الاقتصادي منذ سبعينات القرن الماضي وحتى الآن؛ مما خلق فئات جديدة بالمجتمع معوزين وعاطلين، يفتقرون إلى أي خياراتٍ أخرى، سوى أن يصبحوا عبيدًا.

العمل القسري.. أحدث أشكال العبودية

أنا من صنع هذا المنتج الذي تُقبل على شرائه. لكنني لم أتقاضَ أجري نظير ذلك.. *عمّال العلامة التجارية الإسبانية زارا

في قائمة تضم البلاد التي تعاني من أشكال العبودية الحديثة، كانت الهند في مقدمة الصف بمقدار 18.4 مليون شخص يقعون تحت وطأة العبودية، تليها الصين، ثم باكستان، ويتخذ الرق في تلك البلدان أشكالًا جديدة، كان من بينها العمل المنزلي، والزواج القسري والجنس التجاري، إلا أن العمل الجبري يأتي في مصاف الشكل الأكثر انتشارًا بين دول العالم، إذ يجبر الفقراء على العمل القسري لساعاتٍ طويلة دون أجر، أما المهاجرون غير الشرعيين للدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، فيجري أحيانًا استدراجهم واحتجازهم في أماكن غير آدمية وإجبارهم على العمل بالسخرة، في شكلٍ أكثر حداثة لعبودية القرن التاسع عشر.

في الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 فوجئ رواد المتجر ذي العلامة التجارية المعرفة «زارا» برسائل استغاثة داخل جيوب الملابس، مفادها أن من صنعوا تلك الملابس لم يتقاضوا أجرًا نظير ذلك، وطبقًا لتقرير «الإندبندنت» عن الواقعة، فإن مكاسب زارا، والذي يعد واحدًا من أنجح العلامات التجارية حول العالم تقدر بأكثر من 8 مليار جنيه إسترليني، وقد سُبق وأن اتهم بجرائم تسخير الأطفال في سوق العمل، واستغلال اللاجئين السوريين ممن هم دون الخامسة عشر.
والحقيقة أن العمل بالسخرة لدى متاجر العلامات التجارية العالمية لم يتوقف عند زارا، بل طال الكثير من العلامات التجارية الأغلى في العالم؛ ففي تقرير «منظمة العمل الدولية» أشير إلى أنه في عام 2016 كان عدد الأشخاص الذين وقعوا تحت وطأة العبودية الحديثة، والمحاصرين في العمل الجبري بالسخرة، أكثر من 24 مليون فردًا.

(تقرير منظمة العمل الدولية عن العمل بالسخرة)

ففي حوارٍ صحافي مع «فلور مولينا» إحدى المهاجرات غير الشرعيات للولايات المتحدة الأمريكية تحكي فيه عن قصة هروبها من العمل القسري قائلة: «جاءتني فرصة لا تعوض للسفر من المكسيك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كي أعيل نفسي وعائلتي، ومن هنا بدأ الكابوس».

وعدوها أنها ستعمل في مجال صناعة الملابس، بأجرٍ خيالي، بدأت رحلتها داخل سيارة تعبر الحدود من المكسيك إلى أرض الأحلام، وما إن وصلت حتى أخذوا منها كل الوثائق التي تثبت شخصيتها، أخبرتها السيدة التي عملت تحت إمرتها أنها مدينة لها بمبلغٍ يتعدى الثلاثة آلاف من الدولارات، وأنها يجب أن تعمل دون أجرٍ حتى الانتهاء من سداد ديونها.

كان كل شيء يبدو طبيعيًا في البداية؛ إذ عملت في مصنع كبير يحوي آلات ضخمة لصناعة الغزل والنسيج، ساعات العمل كانت قليلة في الثلاثة أيام الأولى، وكانت إقامتها في بيت السيدة نفسها، إلى أن أخبرتها أنها ستنتقل إلى العيش في المصنع، لم يكن مسموحًا لها بالخروج من المصنع، أو التحدث إلى أي شخص، وأصبحت ساعات العمل تتعدى 18 ساعة يوميًا، ومن ثم بدأوا تهديدها بالشرطة والسجن؛ بسبب وضعها غير القانوني في البلاد، وعن هذا تقول «مولينا»: «هنا أدركت أنني أصبحت عبدة».

تمكنت مولينا من الهرب بعد شهورٍ، كانت تجبر فيها على ملازمة المصنع ليل نهار، بلا فرصة حتى للاستحمام، إذ لم يكن هناك مكان مناسب لتنظيف النفس، وبعد تمكنها من الخروج لمئات الأمتار بعيدًا عن محبسها، تمكنت من عمل مكالمة هاتفية ساعدها فيها أحد المارة، واحتمت في منزل صديقة لها تعيش بالولايات المتحدة.

نجت مولينا بحياتها، إلا أن العمل القسري الذي يرزح فيه غيرها لم ينته، ففي القرن الحادي والعشرين أصبح اللاجئون والمهاجرون غير الشرعيين الأيدي العاملة الأنسب؛ ليحيوا تحت وطأة عبودية شبيهة بتلك التي كانت مقننة في القرن الثامن عشر؛ إذ كان يتم استغلال شعوب الدول الإفريقية الأفقر حينذاك كأيدٍ عاملة في المزارع ومناجم استخراج الفحم.