تجلس امرأة عجوز على رأس منضدة كبيرة، وحولها أبناؤها الذكور والإناث، وأحفادها من بناتها فقط دون أحفادها من أولادها، ويتناولون جميعهم طعامًا طبخته النساء، ويناقشون مشكلةً ما، فيدلو كل منهم بدلوه، ولكن الرأي الأخير لسيدة المجلس. ما قرأته الآن ليس مشهدًا في إحدى الروايات أو الأفلام، إنما واقع يومي في بيت الزهور، حيث يعيش أفراد إحدى عائلات شعب الموسو، الشعب الذي تحكمه النساء.

شعب الموسو يسكنون الصين ويدينون بالدابا

يعيش شعب الموسو الذي يبلغ عدد أفراده قرابة 40 ألفًا في سلسلة من القرى المنتشرة حول بحيرة لوجو، في أحد الوديان الخصبة عند سفوح جبال الهيمالايا، بين مقاطعتي يونّان وسيشوان، جنوبي غرب الصين، بالقرب من الحدود مع ميانمار.

منطقة بحيرة لوجو حيث يعيش الموسو
منطقة بحيرة لوجو حيث يعيش الموسو. مصدر الصورة: بيكساباي

كانت ديانة الدابا القديمة الديانة الرئيسية لشعب الموسو، وفيها العديد من الآلهة، ولكن يعبد الناس بشكل رئيسي إلهةً أمًا تُدعى جيمو، وتُقيم في جبل محلي، وبعد أن رفضها وطردها محبو الأرواح، بكت وتكونت بحيرة لوجو من دموعها. ولكن مع انقراض الدابا، بدأ الناس يعتنقون الديانة البوذية التبتية، وانتشرت التماثيل البوذية في المنازل.

يعتمد شعب الموسو على زراعة محاصيلهم الخاصة للأكل، وبدأت أيضًا الزراعة التجارية للمحاصيل تتسلل إلى مجتمعهم.

المرأة تقود العائلة والميراث للنساء فقط

على عكس معظم المجتمعات البشرية، مسؤولية القيادة الأسرية ليست للرجل في شعب الموسو؛ إذ تدير النساء بشكل أساسي شؤون العائلة، بالإضافة لعملهن في الطبخ والتنظيف وتربية الأطفال وأعمال المزرعة، ويؤدي الرجال معظم الأعمال الشاقة مثل الصيد والحرث والبناء.

تتمتَّع الجدة بأعلى سلطة في الأسرة، ورغم مشاركة الجميع بآرائهم في القرارات العائلية الكبرى، فإن لها القول الفصل. وتكون ممتلكات العائلة للنساء، وتورَّث فقط للبنات.

وتعيش النساء البالغات في بيت يجمع أجيالًا متعاقبة، جميعهم مرتبطون بالدم وليس الزواج، وتبقى البنات الأطفال مع جداتهن حتى البلوغ، وحينما تبلغ الفتاة من العمر 13 عامًا، تحصل على غرفتها الخاصة في البيت، وحينها يمكنها أن تستقبل الراغبين في زواجها في غرفتها.

لا زواج تقليدي ولا طلاق

يتميز شعب الموسو بنوع غريب من الزواج، وهو «الزواج السيَّار»، وفيه يُسمح للمرأة باتخاذ العديد من الأزواج كما تشاء خلال حياتها.

إذا رغبَ شابٌ بالزواج من إحدى الفتيات فعليه أن يزور غرفتها ليلًا، فإن رفضته الفتاة يعود من حيث أتى، وإن قبلت به فيقضي معها الليلة، ويعود إلى منزل عائلته في الصباح التالي. وإذا دخلَ الشاب غرفة الفتاة وقبلت به، يُعلق قبعته على باب غرفتها إشارةً منه للرجال الآخرين بعدم الدخول.

نساء من شعب الموسو
نساء من شعب الموسو. مصدر الصورة: فليكر

ويمكن للفتاة أن تواعد أيَّ عدد تريده من الرجال قبل أن تستقر على رجل واحد، وإن شعرت فيما بعد أنها لم تعد تحبه، فيمكنها رفض زيارته، وإخباره بأن يتوقف عن زيارة غرفتها ليلًا. بعض العلاقات عابرة، لا تستمر أكثر من ليلة واحدة أو تنتهي مع بداية الحمل، ولكن في بعض الأحيان تدوم حياة العاشقين فترات طويلة أو مدى الحياة.

ويمكن للفتاة إن وجدت أن شريكها قد وقع في حب فتاة أخرى أن تحذره، وترسل له طردًا مليئًا بالفحم والفلفل وريش الدجاج، أو أنها تنهي العلاقة مباشرة.

ورغم أن الشائع الآن أن يكون للمرأة في شعب الموسو زوج واحد، فإن الشائع في الماضي أن يكون لها أكثر من عشيق، وما زال بإمكانها فعل ذلك دون وجود مانع أو مشكلة، وفي هذه الحالة، يكون أبناء الأم من أكثر من رجل من الموسو.

الأطفال لأمهاتهم

مجتمع الموسو من المجتمعات ذات الإقامة الأمومية، حيث تعيش المرأة بعد زواجها مع أمها، فيصبح البيت مكانًا لأجيال تجمع الجدة بابنتها وحفيدتها، وينظر البعض إلى شعب الموسو على أنه مجتمع للأمهات العازبات، اللاتي تلدن خارج إطار الزواج، ولكن أفراد الموسو أنفسهم يرفضون مفهوم الزواج بشكله المعروف، ويتبعون مفهومهم الخاص كما في تقاليدهم.

وعندما تنجب المرأة في شعب الموسو يُنسب الأطفال جميعهم إلى الأم وعائلتها، ويؤدي أخو المرأة وأخوالها دور الوالد. وفي شعب الموسو، يجلس الأبناء الذكور في بيوت أمهاتهم، ويكونون بمثابة آباء لأبناء أخواتهم، حتى في حال كان لهم أطفال، فأطفالهم يكونون في رعاية أمهم وخالاتهم وأخوالهم وجدتهم.

أطفال من شعب الموسو
أطفال من شعب الموسو. مصدر الصورة: فليكر

ولا مانع من أن يكون الأب أيضًا جزءًا من حياة أبنائه البيولوجيين، في حال أراد ذلك وإذا كان على علم بأنه والد الطفل، فمن الشائع نظرًا إلى تعدد العلاقات ألا تعرف نساء الموسو من يكون الوالد البيولوجي لأطفالهم.

ماذا لو لم تُنجب المرأة؟

تحظى الأمومة في مجتمعات الموسو بالتبجيل، ويُنظر إلى المرأة أنها كائن مكتمل بمجرد أن تُصبح أمًّا، وفقًا لما ذكرته إحدى شابات الموسو في تقرير منشور على صحيفة «الجارديان» البريطانية.

ولا يحقُّ في مجتمع الموسو أن ترفض المرأة الإنجاب أو أن تكون أمًّا، وإن كانت عاجزة عن الإنجاب أو تُنجب أولادًا ذكورًا فقط، تلجأ النساء إلى التبني من عائلة موسو أخرى لا تربطهم بها صلة، أو تتبنى من إحدى قريباتها من جهة أمها.

الحياة الحديثة تدخل على الموسو

بثَّت منصَّة «VICE» على قناتها في «يوتيوب» وثائقيًّا قصيرًا عن شعب الموسو. في الوثائقي يقول رجال الموسو إن الزواج السيَّار أفضل بالنسبة لهم، فهم ليسوا بحاجة للقيام بالكثير من المسؤوليات، حيث تدير المرأة كل شيء.

وبعد ارتفاع أعداد السائحين في التسعينيات من القرن الماضي بدأت ملامح حياة الموسو تتغيَّر، وبدأ هيكلهم الاجتماعي بالتآكل، واستحدثت وظائف جديدة، منها النادل وسائق الأجرة والدليل السياحي، وملاك وعاملون في دور الضيافة، وزادت فرصة الشباب العاملين في المجال في الاختلاط بالأجانب، وأصبحوا ينظرون إلى حياتهم على أنها قديمة، وفي الوقت الحالي، قرابة 80% من شباب الموسو يغادرون إلى المدن الكبرى للعمل، وبعضهم يتزوجون ويعيشون الحياة التقليدية.

في منطقة بحيرة لوجو، حيث يعيش الموسو، لا توجد إلا مدرسة إعدادية، أما المدرسة الثانوية بعيدة عن المنطقة، ويذهب بعض السكان إليها ويلتحقون بعدها بالتعليم الجامعي، ومنهم من يلتحق بالوظائف الحكومية.

رجال من شعب الموسو
رجال من شعب الموسو. مصدر الصورة: مركز بوليتسر

ووفقًا لتقرير «الجارديان»، فإن النساء في الستينيات والسبعينيات، والعديد من النساء في الأربعينيات، ما زلن يمارسن الزواج السيَّار، ولكن النساء الأقل عمرًا بدأن يتجهن للزواج بصورته التقليدية مع شخصٍ واحد، والعيش مع شركائهن وأطفالهن، بالإضافة إلى أقلية من الرجال والنساء يتزوجون خارج مجتمعهم ويبتعدون.

ومنذ عام 1975، بدأت الصين حملتها للحثِّ على حياة زوجية فردية، زوج واحد لزوجة واحدة، هذه الحملة ضد تقاليد شعب الموسو لإجبارهم على التخلي عن الزواج السيار، والبدء بممارسة الزواج على الطريقة الصينية وعيش الزوجين معًا، ووفقًا لتوقعات أحد أفراد الموسو الذين تخلوا عن الزواج السيار، واتجهوا للزواج على الطريقة العادية، فإنه يرى أن ثقافة الموسو لن تكون موجودة خلال 30 عامًا.

الآراء الخارجية عن ثقافة الموسو في الزواج

يذكرُ موقع «تشينا ديلي» حادثة نشر امرأة لمذكراتها، تتحدث فيها عن زيارتها لشعب الموسو وتجربتها للجنس بالزواج السيار، ويقول الموقع إن هذه التدوينات أثارت جدلًا واسعًا، إذ رأى البعض أن هذه الزائرة غير مؤهلة لخوض الزواج السيار، لأنها امرأة من المجتمع الحديث ولا تنتمي للموسو الذين يلتزمون بمبادئ شعبهم وثقافتهم، ويقومون بزواج السيار في إطار المجتمع الأمومي الذي يعيشون فيه.

وعلى العكس، أيد آخرون فكرة تجربة الزواج السيار، ورأوا أنها خيارًا جيدًا للشباب الذين لا يمكنهم تحمل تكاليف الخطبة والزواج، كما أنهم في هذه الحالة سيتركون الأطفال بكل متطلباتهم للأم وأسرتها، ولن يكونوا مطالبين بأي واجبات تجاههم.

منوعات

منذ شهر
6 أشياء ربما لا تعرفها عن شعب «الإسكيمو»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد