كم مرة زيّف الأطفال مرضهم بغرض الهروب من يوم دراسي طويل؟ أو زيّفت فتاة انتحارها بغرض استعطاف قلب حبيبها؟ وكم من مرة زيّفت أنت مرضك حتى تعتذر عن يوم عمل طويل؟

غالبًا ما تكون إجابة البعض عن هذه الأسئلة هي: كثيرًا، وهذا لأنه أمر شائع، ولكن حينما يزيد الأمر على ذاك الحد؛ فهو يتحول إلى مرض نفسي يُطلق عليه «متلازمة مانشهاوزن»، وتلك المتلازمة هي عبارة عن اضطراب يفتعل صاحبه ويتصنع المرض الجسدي أو العقلي بغرض استعطاف الآخرين أو الاحتيال عليهم، وسُميت تلك الحالة النفسية بهذا الاسم نسبة إلى شرطي ألماني اسمه بارون فون مونشهاوزن، والذي اشتهر عنه في القرن الثامن عشر أنه كان يزيف معظم أحداث حياته.

في هذا التقرير نطلعك على طبيعة تلك المتلازمة من خلال أربع قصص لأربعة يُعتقد أنهم مصابون بتلك المتلازمة.

1- بيلي جيبسون.. التي خدعت «آبل»

السرطان من الأمراض التي يسعى الإنسان إلى محاربتها الآن، ولكنه لم يكتشف طريقة الوقاية منه أو علاجه بسهولة، ولذلك كل نظرية جديدة عن علاج السرطان؛ تحظى باهتمام الملايين، خاصة المرضى منهم، أو من لهم عزيز مُصاب بالمرض، وهذا ما أدركته المدونة الأسترالية بيلي جيبسون واستغلته استغلالًا سيئًا، فهل هي مجرد محتالة أم مريضة بمتلازمة مانشهاوزن؟

بيلي جيبسون- مصدر الصورة هيرالد صن.

زيّفت بيلي جيبسون البالغة من العمر 20 عامًا مرضها بالسرطان، مستغلة مساحة المدونة الخاصة بها، وحصدت الكثير من القراءات التي تابعت المريضة الصغيرة التي لم يتبق لها في الحياة سوى أشهر قليلة، وقد حبكت بيلي الخدعة، ودوّنت تدوينات مزيفة عن رحلتها مع العلاج الكيميائي والعلاج بالأكسجين، ثم شعرت أن تلك اللعبة أصبحت مملة؛ ففكرت في فكرة أكثر تأثيرًا لتحصد المزيد من الاهتمام.

ادعت بيلي أنها ابتكرت نظامًا غذائيًّا ساعدها على تقليص حجم الورم، وأنه ساهم في شفائها شفاءً فعالًا أكثر من العلاج الكيميائي نفسه، وحصدت بيلي شهرة كبيرة واستضافتها البرامج، وأجرت معها الصحف حوارات، ثم تعاقدت معها شركة «آبل» بغرض إنشاء تطبيق يحتوي على نصائح تغذية وعلاج لمرض السرطان، وأطلقت «آبل» التطبيق في عام 2013 بعنوان «The Whole Pantry» ثمنه أربعة دولارات، ثم صدر عنه كتاب بالعنوان نفسه، وقد وصفت مجلة «Elle» بيلي بكونها من أكثر 300 امرأة مؤثرة في العالم.

لم يتوقف الأمر عند خداع بيلي للملايين بقدرتها على شفاء السرطان بالطعام، بل إن قصتها أصبحت أكثر تأثيرًا حينما جمعت ما يقرب من نصف مليون دولار من التبرعات؛ بغرض تمويل مشاريع تسعى للشفاء من السرطان بنظامها الغذائي، وبعد ثلاثة أعوام من الخداع انكشف أمر بيلي و قصتها المزيفة، وألقي القبض عليها ولم تُحسم قضيتها حتى الآن؛ نظرًا إلى اختفاء الأموال التي جمعتها بغرض خيري، والبعض يرى أن بيلي مجرد محتالة، ولكن آخرين لهم رأي مخالف.

بيلي جيبسون مطالبة بتسديد نصف مليون دولار جمعتها بالاحتيال- مصدر الصورة «لونجاتيفتي لايف»

يؤكد الأستاذ سايمون فيسيلي رئيس قسم الطب النفسي في جامعة كينجز كولدج بلندن: «سهولة الوصول إلى التعاطف العالمي، وحصد ملايين الزيارات من أنحاء العالم في ثوان، هو أمر لا يجب الاستهانة به؛ لأنه يعتبر إغراءً لكل من يسعى إلى حلم الشهرة دون مجهود، إلى جانب أن هذا العالم الافتراضي يعتبر تربة خصبة للعديد من الأمراض النفسية، وفي حالة بيلي فهو كان بوابتها لتمارس متلازمة مانشهاوزن بحرية، وأمام العالم كله».

وفي حوار مصور معها، أوضحت بيلي أن الإحساس بالذنب لا يسيطر عليها بعد كشف حقيقتها، بل هو الواقع الذي عليها أن تعيشه بعد أن أفاقت من تلك الكذبة، مؤكدة أن تلك الخدعة قد تحولت إلى حياتها الحقيقية سواء كانت أمام الكاميرات أو الجماهير أو بمفردها، فقد كانت –وفقًا لتصريحاتها- تحب هذه الحياة، وتحب المتعاطفين معها بحق.

2- ليزا هايدن: «ابني هو الطفل الأكثر مرضًا في بريطانيا»

«قاسية، ومتلاعبة، ومضللة» تلك هي الصفات التي وصف بها القاضي، ستيفن وايلدبلود، السيدة ليزا هايدن، والتي كانت تُحاكم أمامه بتهمة الاحتيال، وإساءة معاملة طفلها البالغ من العمر ثمانية أعوام، والذي قضى ستة أعوام منهم في رحلة علاج طويلة لمرض وهمي لا يعاني منه.

البحث عن التعاطف والمال دفع بيلي لتزييف مرضها والتجارة به على صفحات الإنترنت، وفي تلك الحالة لم تورط بيلي سوى نفسها في تلك الخدعة، ولكن الأمر يختلف تمامًا مع ليزا، والتي استغلت طفلها وهو عمره عام ونصف، وادعت إصابته بالعديد من الأمراض المزمنة مثل: السكري، والحساسية الغذائية، والشلل الدماغي، والتليف الكيسي، وقد اضطر الطفل للتحرك على كرسي متحرك، وإدخال أنابيب لإطعامه عبر بطنه؛ حتى ينفذ خطة أمه، بينما لم يكن يدرك الطفل أنه سليم معافى.

ليزا أثناء محاكمتها- مصدر الصورة الديلي ميل.

وصفت ليزا ابنها قائلة: «ابني هو الطفل الأكثر مرضًا في بريطانيا»؛ بغرض جذب التعاطف، وجمع أموال التبرعات أيضًا، وقد وصف المدعي العام في تلك القضية؛ الظروف التي وضعت بها ليزا ابنها بكونها تشبه التعذيب على مدار 24 ساعة.

سارة مونرو المُحامية المُدافعة عن ليزا في القضية التي نُظرت أمام القضاء البريطاني في عام 2010، اختارت أن تمثل موكلتها بناءً على كونها مريضة نفسية مُصابة بمتلازمة مونشهاوزن، ولكن القضايا التي كانت موجهة لليزا لم تقتصر على إساءة معاملة ابنها أيضًا، بل تضليل القضاء كان من التهم الموجهة إليها، بسبب ادعائها للتعرض للاعتداء الجنسي لتتجنب أحد اختبارات الدم التي كان من المفترض أن تُجرى لابنها للكشف عن مرض السكري.

3- آدم هوفير.. «اخطفني من فضلك»

«أرجوكم ساعدوني، لقد خُطفت في شاحنة وأنا لا أستطيع التحدث في الهاتف حتى لا يسمعونني، لقد هددوا بقتلي وقتل أسرتي أيضًا، أرجوكم أرجوكم اتصلوا بالنجدة، أنا لا أريد أن أموت»، تلك هي التدوينة التي كتبها المدافع عن حقوق المثليين الجنسيين في عام 2015، وساعد على نشر تلك التدوينة مشاركة تايلور أوكايلي الناشط الحقوقي لها على حسابه الخاص بـ«تويتر»، والذي يتابعه ما يقرب من 4 ملايين شخص؛ الأمر الذي جعل من اختطاف آدم قضية رأي عام.

آدم هوفر- مصدر الصورة دبليو إل دبليو

لم يستمر الأمر طويلًا حتى اكتشفت الشرطة الخدعة التي نظمها آدم، وكانت السبب في ذعر الكثير من المواطنين المتعاطفين معه، خاصة المثليين الجنسيين الذين شعروا بالخطر نظرًا إلى تهديد أحد المدافعين عنهم بالقتل، وألقت الشرطة القبض على آدم بعد أن وجدوه مختبئًا في سيارته وحاكموه بتهمة جنحة من الدرجة الأولى، وتهديد الأمن العام. وقد تعاطف البعض مع آدم مبررين موقفه بكونه مصابًا بمتلازمة مانشهاوزن، ولكن القضاء تعامل معه على كونه شخصًا عاقلًا.

4- جيسكا فيجا.. «عروس السرطان»

حفل الزفاف من الأحلام المُهمة لكل امرأة مهما كانت ميولها أو طبيعة حياتها، وقد تكلف زفافها مبالغ طائلة حتى يليق بأن يكون «ليلة العمر» كما يطلقون عليه، ولكن ماذا لو لم تتوفر للعروس أو شريكها المال الكافي لحفل الزفاف المنشود، وشهر العسل الذي حلمت به العروس؟

جيسكا فيجا في حفل زفافها- مصدر الصورة «سي إن إن».

الشابة الأمريكية جيسكا فيجا ابتكرت فكرة خارج الصندوق، وقررت تزييف مرضها بالسرطان، وأشاعت أنها لم يتبق لها سوى أربعة أشهر لتعيشها، وأنها تريد أن تتزوج ممن تحب؛ حتى تقضي آخر أيامها في الحياة وهي سعيدة؛ الأمر الذي لمس قلوب الكثير من حولها، سواء كانوا جيرانًا أم متابعين لها على مواقع التواصل الاجتماعي، وجمعت جيسكا تبرعات سمحت لها بإتمام زفافها، والسفر لقضاء شهر عسلها أيضًا.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=2SssljwlaWU” width=”800″ height=”450″ ]

لم يمر الكثير على حفل الزفاف حتى كُشفت خدعة جيسكا وألقي القبض عليها بتهمة الاحتيال، وبعد قضاء ثمانية أسابيع في السجن أمرت المحكمة جيسكا بإرجاع الأموال التي حصلت عليها بسبب خدعتها، والتي وصلت لما يقرب من 14 ألف دولار أمريكي، كما حكمت المحكمة عليها بـقضاء 300 ساعة في الخدمة المجتمعية، وأطلق الإعلام على جيسكا اسم «عروس السرطان».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!