«على أية حال الشمس هي مركز كل شيء»، تُعد هذه المقولة التي تبدو لنا اليوم أمرًا من المُسلّمات من أشهر أقوال نيكولاس كوبرنيكوس، عالم الفلك البولندي صاحب نظرية «مركزية الشمس» التي كانت محط جدل كبير حين عرضها؛ ودفعت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إلى حظر تداول مؤلفاته.

كان كوبرنيكوس يخشى أن يسخر الناس من أعماله، وفشل كتابه الثاني في بيع أكثر من 400 نسخة عند نشره، على الرغم من أنه يُعد الآن من أهم كتب علم الفلك. فما هي قصة هذا العالِم، وما هي إنجازاته ومؤلفاته، وكيف ساهمت أفكاره وكتاباته في تغيير نظرة العالم إلى الكون؟

البداية في تورون البولندية.. ليصبح كاهنًا في الكنيسة

وُلد كوبرنيكوس في 19 فبراير (شباط) عام 1437 في مدينة تورون البولندية على حدود مقاطعة بروسيا الألمانية، وكان الولد الرابع والأصغر لعائلة من التجار؛ إذ كان والده يعمل تاجرًا للنحاس في تورون، وكانت والدته تنحدر من عائلة تجارية رائدة.

وبعد وفاة والده في وقت ما بين عامي 1483 و1485 تولّى خاله لوكاس واتزنرود – الذي كان على وشك أن يُصبح أسقفًا لكنيسة فارميا – شؤون تربيته، وأخذ على عاتقه مهمة تعليمه، وحرص على أن يتلّقى كوبرنيكوس أفضل تعليم؛ من أجل إعداده ليُصبح كاهنًا في الكنيسة.

السفر إلى إيطاليا.. الشغف بالرياضيات أكثر من الإنجيل

سافر كوبرنيكوس إلى إيطاليا في سن 18 عامًا للالتحاق بالجامعة؛ حيث كان من المفترض أن يدرس قوانين وتشريعات الكنيسة الكاثوليكية، ويحصل على شهادة الدكتوراة كما فعل خاله من قبل، ثم يعود إلى موطنه ليصبح كاهنًا بالكنيسة كما كان يأمل خاله. ومع ذلك قضى كوبرنيكوس معظم وقته في دراسة الرياضيات وعلم الفلك.

وفي عام 1491 بدأ كوبرنيكوس في ارتياد جامعة كراكاو؛ حيث درس الرسم، والرياضيات، وعلم الفلك والتنجيم. بدأ كذلك اهتمامه بالكون يظهر بوضوح، وأخذ يجمع الكتب حول هذا المجال، ونتيجة لتأثير خاله غادر كوبرنيكوس قبل الانتهاء من دراساته تلك والحصول على شهادة، وعاد ليُصبح كاهنًا في كنيسة فارميا، لكنه طلب العودة إلى إيطاليا لدراسة الطب، وإكمال شهادة الدكتوراه في القانون الكنسي.

(بورتريه لنيكولاس كوبرنيكوس من أرشيف التاريخ العالمي)

وفي عام 1496 سافر كوبرنيكوس إلى إيطاليا لاستئناف دراسته في جامعة بولونيا التي حصل منها خاله على درجة الدكتوراه في القانون الكنسي، وسجّل في أحد البرامج الدينية في الجامعة. وهناك التقى عالم الفلك دومينيكو ماريا نوفارا، وتبادل الاثنان الأفكار والنظريات حول علم الفلك، ثمّ أصبحا بعد ذلك زملاء في السكن. وكان لدومينيك الفضل في تشجيع اهتمام كوبرنيكوس بعلوم الجغرافيا والفلك.

وفي عام 1501 بدأ كوبرنيكوس دراسة الطب في جامعة بادوا، لكنه لم يكمل دراسته ولم ينل الشهادة؛ بسبب اضطراره للعودة وشغل منصبه في الكنيسة. ثم في عام 1503 ارتاد جامعة فيرارا، وخضع للامتحانات اللازمة لنيل درجة الدكتوراه في القوانين الكنسية. ولاحقًا عاد إلى بولندا ليتولّى من جديد منصبه كاهنًا في الكنيسة، وانضمّ إلى خاله للعيش في القصر الأسقفيّ، وعاش السنوات اللاحقة يعتني بخاله المريض ويخوض في علم الفلك.

وبالإضافة إلى كونه فلكيًا، كان كوبرنيكوس فيزيائيًا، ومترجمًا، ودبلوماسيًا، رغم أنه لم يحمل شهادةً في هذه المجالات. وكان أيضًا يتحدث خمس لغاتٍ هي: اللاتينية، والإيطالية، والألمانية، والبولندية، واليونانية.

مركزية الشمس تُزلزل المجتمع العلمي وتُناقض عقيدة الكنيسة الكاثوليكية

قد تبدو لنا فكرة أن الشمس هي مركز مجموعتنا الشمسية التي تدور حولها الأرض وبقية الكواكب، فكرة بسيطة ومنطقية ومُسلّم بها، لكن الأمر لم يكن كذلك في بداية القرن السادس عشر خلال عصر كوبرنيكوس؛ إذ كانت الفكرة السائدة آنذاك أن الأرض هي مركز الكون التي تدور حولها بقية الأجرام السماوية.

4 أفكار ثورية غيرت العالم.. كيف أثرت الكشوف العلمية في تفكير البشر؟

في زمن كوبرنيكوس، كان يؤمن معظم علماء الفلك بالنظرية التي وضعها عالم الفلكي اليوناني بطليموس قبل أكثر من 1000 عام، والتي قال فيها: إن الأرض هي مركز الكون، وأنها لا تتحرك، في حين يدور حولها بقية الأجرام السماوية الأخرى في أنماط حركية معقدة.
وعندما درس كوبرنيكوس حركات الكواكب شعر أن نظرية بطليموس غير صحيحة؛ واستنتج أن منظومة بطليموس المكونة من الدوائر وفلك التدوير لا تستطيع أن تفسر حركات الأرض المرصودة باعتبارها مركز الكون، وخلص في النهاية إلى أن الشمس هي التي يجب أن تكون مركز الكون، وأن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حولها.

يبدو هذا المفهوم واضحًا اليوم، لكنه كان مزلزلًا وقتها، خاصة وأنه يتناقض مع عقيدة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي تقضي بأن الأرض هي أهم الأجرام السماوية؛ لذلك لم ينشر كوبرنيك نظريته خوفًا من العواقب الوخيمة، ولم تُنشر سوى بعد وفاته.

لم يتفق بعض العلماء الذين أتوا بعد كوبرنيك مع نظريته حول مركزية الشمس، وكان من أشهر من اختلف معه الفلكي الدنماركي تيخو براهي، الذي بنى وجهز مرصدًا كبيرًا واستخدمه في تقديم أرصاد للنجوم والكواكب فاقت كل الأعمال السابقة دقة وتفصيلًا. ومن الطريف أن أرصاده الفلكية تلك، مكنت تِلميذه كِبلر من إثبات حقيقة دوران الأرض فعلًا حول الشمس.

وبالرغم من الزلزلة التي أحدثتها نظرية كوبرنيكوس حول مركزية الشمس، والجدل الذي أُثير حولها، لم يكن كوبرنيكوس الفلكي الأول الذي افترض أن الشمس هي المركز؛ فقد سبقه إلى ذلك الفلكي أرسطرخس الساموسي في القرن الثالث قبل الميلاد، غير أن آراء بطليموس حول مركزية الأرض حلت محلها؛ لأنها كانت تتوافق مع معتقدات الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

لكن على الجانب الآخر كان نموذج كوبرنيكوس حول النظام الشمسي أكثر دقّةً وتفصيلًا من نموذج أرسطرخس، ويتفوق عليه من حيث فعاليته في تحديد مواقع الكواكب.

أفكاره وكتاباته الفلكية المثيرة للجدل

يعتقد العلماء أن كوبرنيكوس بدأ بتطوير نموذجه عن النظام الشمسي في عام 1508، وفي عام 1514 أتمّ كتابه الأول «تعليقات صغيرة»، الذي تضمّن 40 صفحةً تُلخّص نظريته حول تمركز الكواكب حول الشمس، والتي استندت إلى سبعة مبادئ عامة، وأشار إلى وجود صيغٍ رياضيةٍ تُثبت ذلك.

ومن بين هذه المبادئ العامة أن الشمس هي مركز دوران الكواكب، وجميع الكواكب الأخرى تدور حولها، وأنّ النجوم لا تتحرك وهي تبدو كذلك بسبب دوران الأرض حول نفسها، وأنّ حركة الأرض حول نفسها تجعلنا نرى الكواكب تتحرك في الاتجاه المعاكس.

(رسم بياني للنظام الشمسي وفقا لما تصوره عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس)

وفي عام 1532، أنهى نيكلاوس أول مخطوطة لكتابه الثاني «حول ثورات الفضاءات السماوية»، والذي أثبت فيه أن الكواكب تدور حول الشمس بدلًا عن الأرض، ووضع نموذج النظام الشمسي ومسار الكواكب، لكنه لم ينشر الكتاب حتى عام 1543، أي قبل شهرين فقط من وفاته.

وقد أثار كتابه الثاني كذلك كثيرًا من الجدل والانتقادات، واعتبره النقّاد فشل في تفسير انزياح موقع الأجرام السماوية عند رؤيتها عبر خطوط نظر مختلفة، إلى جانب أنهم وجدوا نقصًا في تفسير سبب دوران الأرض حول الشمس.

أما عن الكنيسة فلم تتهم الكتاب بالهرطقة على الفور؛ ربما لأنه أُضيفت إليه ملاحظة تقول إنه على الرغم من كون النظرية التي يطرحها الكتاب غير مألوفة، إلا أنها يمكنها مساعدة الفلكيين في حساباتهم مستقبلًا، فليس من المهم أن تكون صحيحة؛ الأهم أن تُقدم بعض الفائدة حقًا.

(بورتريه لكوبرنيكوس بعنوان «حديث مع الله» بريشة جان ماتيجو)

مع ذلك فقد اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أفكار كوبرنيكوس مجرد هرطقات تحاول قلب علم الفلك رأسًا على عقب، وحظَرت الكتاب في نهاية المطاف في عام 1616، وفيما بعد جرت إزالته من قائمة الكتب المحظورة.

ولم تكن الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة التي رفضت أفكار كوبرنيكوس؛ فبعدما نُشر كتابه الثاني في عام 1543، أعرب الزعيم الديني مارتن لوثر عن معارضته لنموذج نظام مركزية الشمس، قائلًا عن كوبرنيكوس: «هذا الأحمق يُريد قلب علم الفلك بأكمله رأسًا على عقب».

كيف دشَّن كوبرنيكوس الثورة العلمية وغيَّر نظر العالم إلى الكون؟

يعتقد بعض المؤرخين أن كوبرنيكوس أحد العلماء الذين دفعوا عجلة التاريخ إلى الأمام، وساهمت مؤلفاته في تغيير المسار العلمي الإنساني اللاحق، وتدشين الثورة العلمية التي أثمرت عن الثورة الصناعية الكبرى ابتداءً من القرن الثامن عشر؛ وذلك لما قدَّمه من إسهامات علمية كبرى في تاريخ العلم الحديث، والآثار الاجتماعية التي ترتبت على نظرياته واكتشافاته العلمية، التي أحدثت ثورة هزت أركان المجتمع العلمي، بعد نشر كتابه «حول ثورات الفضاءات السماوية».

لم يكن لدى كوبرنيكوس كثير من الأصدقاء، لكن هذا تغيَر عندما جاء جورج يواكيم ريتيكوس، عالم الرياضيات الألماني الذي كان قد سمع عن كوبرنيكوس، وقَدِم ليتعلم كل ما في وسعه عن أفكاره الجديدة. درس ريتيكوس مع كوبرنيكوس لمدة عامين، قرأ خلالها كتابه الثاني «حول ثورات الفضاءات السماوية» وكان متحمسًا بشكل هائل لنشر الكتاب، وأخبر كوبرنيكوس بأنه مدين للعالم بنشره.

أيضًا ساعد ريتيكوس كوبرنيكوس من خلال تقديم كتب جديدة له حول الرياضيات، والتي ساعدت كوبرنيكوس في حساباته النهائية لتحركات الأجسام السماوية. وفي الوقت نفسه سمح كوبرنيكوس لريتيكوس بنشر كتاب بعنوان: «التقرير الأول» (Narratio prima)، والذي قدَّم فيه ريتيكوس ملخصًا مبدئيًا لنظرية كوبرنيكوس حول مركزية الشمس. كذلك، أعطى كوبرنيكوس مخطوطة كتابه لريتيكوس؛ كي يجري  طباعته في ألمانيا.

وعلى مدى الخمسين سنة التالية اشتهرت كتاب كوبرنيكوس ولاقى انتشارًا كبيرًا في أنحاء أوروبا، وصدرت منه طبعة ثانية في عام 1566. وكان الشعور العام الذي ساد بين علماء الفلك الذين قرأوا كتاب كوبرنيكوس وفهموا ما فيه من ملاحظات ومعادلات رياضية أنه كان أفضل كتاب في الفلك منذ 1300 عام.

ويمكن القول إن كوبرنيكوس كان أول شخص يُحدد الترتيب الصحيح لكواكب النظام الشمسي، بعد أن أخطأ بطليموس في تصور الأرض في موضع أكثر قربًا إلى عطارد من الزهرة. ولكن على الجانب الآخر لم تُقدّم نظرية كوبرنيكوس وصفًا دقيقًا لحركات الكواكب؛ فمع أنه كان على صواب بأن الكواكب تدور حول الشمس، إلا أنه أخطأ في قول إنها تتبع مسارات دائرية.

ومع مرور الوقت، بدأت تلقى نظريته قبولًا في الأوساط العلمية، وتفتح الآفاق معها لقيام ثورة علمية خاصة على أيدي جاليليو جاليلي ويوهانس كيبلر. وقد أظهرت ملاحظات كيبلر المبنية على نتائج ملاحظات كوبرنيكوس فيما بعد أن الشمس تقع في مركز المجموعة الشمسي بالفعل، لكن الكواكب لا تتبع مدارات دائرية، بل تتحرك في مدارات بيضاوية الشكل.

وتوفي كوبرنيكوس في 24 مايو (آيار) عام 1543 إثر إصابته بسكتة دماغية عن عمر يناهز 70 عامًا. ويُقال إنه قُدّمت له نسخة مسبقة من كتابه الثاني الذي صدمت نظريته كثير من حساسيات عصره، وهزّت الثوابت الفكرية السائدة آنذاك وهو على فراش الموت، وقد ابتسم لها عند رؤيتها قبل أن يرحل عن عالمنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد