هل رأيت من قبل بطلة لفيلم رومانسي زائدة الوزن؟ كم ممثل وممثلة ممتلئ الجسد ظهروا في الأعمال الدرامية للسخرية منهم فقط؟ وكيف يشعر الشخص البدين حين يشاهد تلك اللقطات سواء كان وحيدًا أو وسط الآخرين؟

كل تلك الأسئلة تطرأ إلى ذهنك حين تفكر في العنصرية التي قد يتعرض لها الشخص زائد الوزن، وتلك العنصرية ليست وهمًا ولا تتوقف عند السخرية أو التعليقات الجارحة، ولكن الأمر له أبعاد أكثر خطورة.

خلال مجموعة من الدراسات أجراها باحثون في جامعة تشابمان، وجامعة كاليفورنيا، أكدوا أن تغطية وسائل الإعلام للمفاهيم الخاصة بالسمنة، سواء من خلال الأعمال الدرامية أو البرامج التلفزيونية؛ قد عززت مفاهيم العنصرية لدى المجتمعات في أنحاء العالم، وغرست التمييز في عقول المشاهدين تجاة زائدي الوزن، مروجين عنهم كونهم كسالى، وغير أكفاء، وغير صالحين للعلاقات العاطفية أيضًا. وفي هذا التقرير سنحاول رصد تلك الظاهرة سواء من خلال التجارب الحيّة، أو الدراسات الأكاديمية.

 

في العمل والحب والشارع والمدرسة.. هكذا يعيش أصحاب الوزن الزائد

قالها لها «أحبك» فردت قائلة: «افقد الوزن أولًا؛ ربما أحبك»، هكذا أخبرنا الشاب حمدي الحنفي -29 عامًا- عن تجربته مع زيادة الوزن، مؤكدًا أن ما يتعرض له الشخص البدين في مصر – من وجهة نظره- هو عنصرية قاسية ومُطلقة، سواء من جهات العمل التي يسعى للعمل فيها، أو في العلاقات العاطفية، أو أثناء السير في الطرقات.

 

صورة للشاب المصري حمدي الحنفي

 

نشأ حمدي في إحدى المحافظات الريفية في مصر، حيث – كما حكى لنّا- يتربى الأطفال على عنصرية شديدة تجاه زائدي الوزن، فما تراه يحدث من الأطفال في مدارس المدينة، لا يقارن بما يحدث في المناطق الريفية بحسبه.

قضى حمدي طفولته وجسده يعاني من زيادة الوزن، وهذا جعله فريسة سهلة للأطفال في بلدته، ويمكنه تذكر صوتهم حتى الآن وهم يعلقون عليه ضاحكين «يا تخين.. يا تخين»، وقد يظن البعض أنه موقف تافه، أو مضحك كما تحاول السينما أن تصدره، ولكن على أرض الواقع – يخبرنا حمدي- يكون الأمر جارحًا بشدة؛ لدرجة قد تجعله يبكي يوميًا قبل النوم حين يتذكر تلك التعليقات القاسية.

أحمد حلمي في لقطة من فيلم إكس لارج

 

الأمر لم يتوقف عند مرحلة الطفولة – يؤكد حمدي لـ«ساسة بوست»-؛ حتى فترة قريبة كان يسمع تعليقات جارحة من أصدقائه مثل: «أنتَ مستحمل نفسك إزاي كده؟» أو «أتجوزك إزاي ده إنت تفطسني» ثم تضحك ظنًا منها أن الموقف فكاهيًّا، وهو في الواقع قد يدمر مشاعر الشخص زائد الوزن.

دائمًا ما يتذكر حمدي أحد مشاهد فيلم «إكس لارج» حين تقدم لخطبة حبيبته ورفضته قائلة إنه مجرد حالة بالنسبة لها؛ الأمر الذي وقع بشكل مماثل لحمدي حين عبّر عن حبه لفتاة أحلامه مؤكدًا أنه يريد الزواج منها، ولكنها رفضت بسبب وزنه، وبسبب وزنه فقط، لأنها طلبت منه أن يفقد الوزن ووقتها ستفكر، بمعنى أنها لم يكن لديها مشاكل مع طباعه أو شخصيته.

حمدي الحنفي بعد فقدان الوزن الزائد

ويؤكد حمدي أن تلك العنصرية التي تعرض لها بسببه وزنه الزائد، سواء من المقربين أو الغرباء؛ أثرت سلبيًا على ثقته في نفسه، ولذلك في يوم قرر ألا يكون تلك الفريسة مرة أخرى، ولم ينكر أنه في البداية حين قرر أن ينقص وزنه؛ كانت مجرد رغبة في الانتقام من الأشخاص الذين كانوا يلوحون بوزنه الزائد على كونه نقصًا في شخصه.

ولكن مع الوقت، ومن خلال مجهوده الشخصي دون أي تدخل جراحي؛ خسر العشرات من الكيلوجرامات؛ الأمر الذي جعل ثقته بنفسه تزيد، ولكنه الآن لا يهتم سوى بصحته وليس رأي الآخرين، فهو – يؤكد لـ«ساسة» بوست- لم يعد مهتمًا بآراء أشخاص يفكرون بتلك العنصرية.

«نيوزويك»: هل العنصرية مرض نفسي بحد ذاتها أم هي نتيجة اضطرابات نفسية أخرى؟

العنصرية ضد البدناء مقننة في أمريكا

«ما لا يعرفه البعض، أو لا يريدون الاعتراف به أن التمييز ضد البدناء في العمل قانوني»، هكذا صرحت المحامية والمذيعة التلفزيونية الأمريكية إريفا مارتن لجريدة «التايمز»، مؤكدة أن 49 ولاية في أمريكا تمنح الحق لصاحب العمل تقليل أجر أو أعمال الشخص وفقًا لوزنه الزائد، أو زيادة وزنه بعد تولي العمل.

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى قدرة رب العمل على إقالة الموظف زائد الوزن إذا حكم الأمر، وأوضحت إريفا في تصريحاتها أن الشيء الوحيد المُحرم على صاحب العمل ممارسته على موظفيه البدناء هو القتل، فهناك قوانين اتحادية تمنع أرباب العمل من قتل موظفينهم بناءً على العرق أو اللون، أو الدين أو الجنس.

ولكن تلك القوانين الفيدرالية التي تسعى لمحاربة التمييز، لا تقدم الحماية الكافية للعاملين ذوي الوزن الزائد، على الرغم من وجود الكثير من الأدلة على أن التمييز بالوزن ظاهرة لها وجود على أرض الواقع ويجب أن تُدرج ضمن القضايا العنصرية – تؤكد إريفا-.

وقد أوضحت إحدى الدراسات التي أجريت في العام 2008 تحت إشراف جامعة ييل أن 10% من النساء، و5% من الرجال قد عانوا من التمييز على أساس وزنهم، بما في ذلك عدم قبولهم في وظائف تؤهلهم كفاءتهم لها، بالإضافة إلى دراسة أخرى أجريت في العام 2014 تحت إشراف جامعة فاندربيلت أن النساء البدينات يحصلن على رواتب أقل من زملائهن الرجال.

 

ما أشارت إليه إريفا في تصريحاتها للـ«تايمز»؛ ألقى الضوء على العنصرية التي قد يتعرض لها زائدو الوزن، وليس في الولايات المتحدة فقط، ففي أحد التقارير التي نشرتها جريدة «الجارديان»، ذكرت فيها تجارب شخصية لزائدي الوزن في أماكن عملهم؛ شاركت لويز من إنجلترا تجربتها، مؤكدة أن وزنها الزائد كان من أهم العقبات التي وقفت في مجال عملها بإحدى شركات الاتصالات.

Embed from Getty Images

أوضحت لويز أن مهارتها المتطورة في عملها لم تغفر لها في نظر الآخرين دهونها الزائدة، فلم يكن يهتم أحدهم بتبليغها بمواعيد الاجتماعات المهمة، ولا يشاركونها المشاريع الإضافية داخل الشركة، الأمر الذي أثر سلبيًا على دخلها المالي.

ولكن حينما فقدت لويز الكثير من الوزن الزائد؛ بدأت الفُرص تطرق بابها، والدعوات تترك على مكتبها، وترقت في عملها من مديرة لستة أشخاص، لإدارة قسم كامل يتضمن 100 موظف، وفي النهاية تأكدت شكوكها حين صارحها زميل لها، موضحًا أنهم لم يجدوا فيها وجهة لائقة من قبل لتولي تلك الأعمال، أمام الآن فلم تعد «طير بدين» وفقًا لوصفه.

قصة لويز لا تعتبر حادثة فريدة، أو مبالغًا فيها، وهذا ما أظهرته دراسة أجراها عالم النفس ستيورات فلينت تحت إشراف جامعة شيفليد هالام البريطانية في العام 2016، والتي أكدت أن النساء البدينات فرصهم أقل في التوظيف أو يعملون عدد ساعات أطول بنفس أجر زملائهم، وهذا – وفقًا للدراسة– يعود للصورة الذهنية لدى العامة عن زائدي الوزن أنهم أقل قدرة وكفاءة جسديًا، وعاطفيًا أيضًا حين يأتي الأمر للزواج، وهذا يعود للصورة الذهنية التي يروّج لها إعلاميًا للشخص البدين، والتي تظهره على كونه كسولًا، وغير كفء، وغير جذاب، ولا يتمتع بالإرادة وقوة الشخصية.

على الجانب الآخر، اهتم بعض الباحثين في موقع التوظيف «فيري جوبوس» باستطلاع الجانب الآخر في تلك القضية، وهم أرباب العمل، وعملوا على استطلاع رأي تضمن 500 رب عمل في الولايات المتحدة الأمريكية، وعرض عليهم الباحثون امرأة بدينة وسألوا كل منهم عن رغبته في توظيفها بشركته، ولم يوافق سوى 15% فقط من المشاركين في الاستطلاع، ووصفها واحد من كل خمسة من المشاركين بكونها «كسولة»، وما يزيد عن 21% من المشاركين وصفوها بكونها تبدو «غير مهنية».

وهذا الأمر يراه البعض مثيرًا للقلق، نظرًا لأن نسبة النساء البالغات اللاتي يعانون من السمنة المفرطة في أمريكا قد وصلت إلى ما يزيد عن 38% وفقًا لبيانات الإدارة الأمريكية، بينما وصلت نسبة الرجال زائدي الوزن إلى حوالي 35% من تعداد الرجال في أمريكا.

تسونامي السمنة العالمية: كيف يؤثر على الاقتصاد؟

هل للبدناء مكان في الجنة؟!

من الخطايا السبع في الديانة المسيحية؛ «الشراهة» ولذلك بعض الكنائس في العالم؛ تنظر للبدناء على كونهم مذنبين، وتعتبر كنيسة «XXXChurch» التي تهتم بمعالجة الناس من إدمان مشاهدة الأفلام الإباحية، من الكنائس التي اشتهر عنها مؤخرًا نظرتها إلى الشخص البدين على أنه مذنب وليس له مكانًا في الجنة، وهذا بعد أن كتب  جريج جروس أحد مؤسسي الكنيسة الخيرية؛ مقالًا يتحدث فيه عن أمله في احتضان للبدناء بدلًا من توجيه أصابع الاتهام إليهم على كونهم  مذنبين، وذيل عنوان مقاله متسائلًا: «هل للبدناء والمثليين مكان في الجنة؟»، موجهًا كلامه لباقي زملائه في الكنيسة.

Embed from Getty Images

ولكن هذا التمييز والعنصرية ضد البدناء ليس بسبب المعتقدات الدينية فقط، بل إن تلك العنصرية منتشرة في أنحاء العالم، وبين جميع الثقافات على اختلافاتها، وقد صرح أستاذ علم النفس بجامعة بروكلي رودولفو ميندوزا، أن الأبحاث النفسية الحديثة أثبتت مؤخرًا أن العنصرية ضد البدناء انتشرت انتشارًا كبيرًا في العالم، مؤكدًا أن حتى بعض الآباء يفضلون الابن الرشيق عن الابن البدين، ويظهر هذا واضحًا في معاملتهم حتى وإن لم يكن تصرفًا واعيًا، الأمر الذي يساهم في تقليل تقدير الذات في نفس الطفل زائد الوزن.

 

أكد باحث علم النفس أدريل بولز المشرف على تلك الدراسة، في تصريح له لـ«رويترز» أن الأبحاث وضحت أن عنصرية الآباء ضد الطفل البدين؛ يعود إلى خوفهم الداخلي من عدم قدرتهم على النجاح في الحياة مثل باقي الأطفال الرشيقة، وأن أداءهم في الدراسة والعمل والحب لن يكون بالقدر الذي يدعو للفخر، موضحًا أن أغلب الآباء يقبلون على تلك التصرفات دون وعي منهم، وأن النظرية الداروينية راسخة في عقول البشر على نحو اجتماعي «البقاء للأصلح» وهي ما تسيطر على وجدانهم.

Embed from Getty Images

ولكن في المقابل، يرى أستاذ الطب النفسي بجامعة نورث وسترن دانيال كيرشنباوم، وصاحب أكثر من كتاب لمساعدة المراهقين والأطفال زائدي الوزن وكيفية التعامل معهم؛ أن تلك الدراسة السابق ذكرها يصعب وصفها بأنها مطابقة لحالة أغلب الآباء، وربما تكون حالات عنصرية الآباء ضد أبنائهم البدناء نادرة للغاية، وهذا وفقًا لما اختبره في التعامل مع أكثر من طفل ومراهق بدين.

 

العنصرية ضد البدناء تدمر صحتهم!

الضغط النفسي الذي يتعرض له البدناء في أنحاء العالم؛ لا يتوقف عند الأذى النفسي فقط، فالأمر قد يتطور إلى الأمراض الصحية والجسدية، وهذا ليس له علاقة بالأمراض المُصاحبة لزيادة الوزن، بل له علاقة بالأمراض الجسدية التي تطارد الشخص الواقع تحت توتر نفسي، والعواطف السلبية، وهذا وفقًا لدراسة أجريت في العام 2016، ونُشرت في مجلة «أوبيستي».

Embed from Getty Images

اشتملت الدراسة على 1150 من البالغين زائدي الوزن والذين يعانون من السمنة، وأكدت  أنجلينا سوتين أستاذ علم النفسي بجامعة ولاية فلوريدا، والمشرفة على الدراسة، أن المشاركين في الدراسة صرحوا عن تعرضهم للتمييز والعنصرية بسبب وزنهم، الأمر الذي أثر على حالتهم العاطفية والنفسية بالسلب.

وخلال الدراسة التي استمرت ثمانية أيام تحدث فيها الباحثون مع المشاركين عن تجاربهم السيئة في هذا الأمر، وبمقارنة مؤشراتهم الصحية قبل وبعد الدراسة، أظهرت المؤشرات أن فترة الثمانية أيام التي تذكروا فيها ما مروا به من عنصرية بسبب الوزن الزائد؛ قد أثرت بالسلب على صحتهم الجسدية.

 

كيف يؤثر شكلك في حياتك؟ هكذا تتغير تصرفاتنا وفقًا لمظهر الآخرين

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!