العقاقير الطبية أصبحت جزءًا لا ينفصل عن حياتنا؛ فالبعض منّا لديه علّة ما تحتاج للحبوب طوال الوقت، سواء كنت تعاني الأرق، أو عسر الهضم، أو الصداع المزمن، وغيرها من أمراض العصر.

 ولكن إلى أي مدى يحتاج جسدنا بالفعل لتلك العقاقير؟ وهل عقلنا يوهمنا بحاجتنا إليها؟ تلك الأسئلة قد تظهر في عقلك حينما تتعرف على عقار الـ«بلاسيبو»، والذي يخبرك الكثير عن علاقة العقل بالجسد، وقدرة الجسد على شفاء نفسه، وهو أمر ليس مستحيلًا أو خياليًا؛ فالجسد البشري مُصمّم لشفاء نفسه؛ بدليل الجروح التي تلتئم من نفسها.

ما هو «البلاسيبو»؟

كلمة «بلاسيبو» مشتقة من كلمة لاتينية معناها باللغة الإنجليزية «I shall please»، ويكون على شكل الأقراص المعتادة، وله نفس الطعم والرائحة، ولكنه على عكس باقي العقاقير لا يحتوي على أي تركيبات دوائية؛ فهو يُصنّع من السكّر والبكتيريا الجيدة، ولذلك يطلق عليه بعض الأطباء «حبوب السكر».

Embed from Getty Images

يُستخدم البلاسيبو في المراحل التجريبية للعقاقير الطبية المُصنعة حديثًا؛ حينما يستعين الأطباء بمجموعة من المرضى للتطوّع وتعاطي هذا العقار التجريبي، ويقسّم الطبيب المشرف على التجربة المجموعة العلاجية إلى مجموعتين: المجموعة الأولى تحصل على العقار الجديد، والمجموعة الثانية تحصل على الـ«بلاسيبو» دون أن يدري أي من المرضى إذا كانت يتعاطى العقار الأصلي أو عقار البلاسيبو.

«تهانينا لقد شُفيت».. خدعة البلاسيبو للعقل

حينما أجريت التجارب الدوائية بالاستعانة بالبلاسيبو، لاحظ الأطباء أن المرضى الذين يتعاطون البلاسيبو تحدث لهم تغيرات جسدية نظرًا لظنهم أن الدواء حقيقي؛ وبعضهم تحسن قليلًا من آثار المرض الذي يعاني منه، بينما البعض الآخر أصابته الأعراض الجانبية المذكورة في كُتيّب الإرشادات الذي يُصرف لهم حينما يتعاطون العقار الوهمي، ومن هُنا جاء التعبير الطبي: «تأثير البلاسيبو». والذي يعني أن المريض يتعرض لتغييرات جسدية لمجرد ظنّه بأنه سيتعرض لتغييرات جسدية.

Embed from Getty Images

هذا النوع من العلاج النفسي يستخدمه بعض الأطباء لعلاج الأمراض الجسدية الناتجة عن أسباب نفسية مثل: الصداع، والدوار، والقولون العصبي، والأرق وغيرها من الأمراض التي تصيب جسد المريض النفسي، ويظن أنه يعاني من مرض خطير.

معلومات المريض عن الطب.. قد تساعد في مضاعفة تأثير البلاسيبو

إذا كان المريض يُدرك أن العلاج بالحقن تأثيره أسرع وأكثر فعالية من الحبوب، فهل حقن البلاسيبو سيكون تأثيرها أسرع على المريض؟

هذا السؤال طرحه الأطباء بعد اكتشاف تأثير البلاسيبو الفعّال، وأجريب دراسات منذ أكثر من 50 عامًا لاكتشاف إجابة هذا السؤال، حينما قارنت الاختبارات بين مرضى تعاطوا البلاسيبو على شكل حبوب، وآخرين تعاطوه بالحقن. واكتشفوا في النهاية أن المريض الذي تعاطى البلاسيبو بالحقن تعافى من المرض أسرع من المريض الذي تعاطى حبوب البلاسيبو؛ ومن هُنا أدرك الأطباء أن مدى معرفة المريض بالطرق العلاجية والطب يكون له تأثير معيّن، سواء سلبيًا أو إيجابيًا في رحلة علاجه.

هل يعالج البلاسيبو تأخّر الحمل؟

البعض يرى أن الزواج دون الأطفال يعتبر مشروعًا غير مكتمل، ولذلك قد ينفق الزوجان أموالًا طائلة من أجل علاج تأخر الحمل، أو لغرض زيادة الخصوبة لدى المرأة، فهل يمكن للبلاسيبو أن يتدخل في هذا الأمر ويحل تلك المشكلة الطبية التي لا زالت تعاني منها العديد من النساء في العالم؟

Embed from Getty Images

إحدى الدراسات الأمريكية أجريت على مجموعة اختبار مكونة من 55 امرأة مصابات بمتلازمة المبيض المتعدد الكيسات، وعلى مدار ستة أشهر تعاطت 33 امرأة من المشاركات الدواء الوهمي – بلاسيبو – بينما تعاطت 32 امرأة العقار الطبي الذي يعمل على زيادة الخصوبة، وفي النهاية اكتشف الأطباء أن المجموعة التي استخدمت البلاسيبو تمكّن خمس منهن من الحمل، بينما المجموعة الأخرى التي تعاطت العقار الأصلي، تمكّن سبع منهن من الحمل، ووجد الأطباء أن الفارق ليس كبيرًا كما تخيلوا، وأن البلاسيبو لديه القدرة على علاج مشاكل الخصوبة أيضًا.

الثمن الذي تدفعه في العلاج يحدد نسبة شفائك

العلامة التجارية للسلعة لها تأثير فعّال على مدى جودتها في عين المستهلك، وقد تجد أحد المستهلكين مصرًّا على استخدام نفس السلعة، على الرغم من كل النصائح التي يتلقها عن سلعة جديدة أفضل، ولكنها تُطرح في الأسواق بعلامة تجارية أخرى جديدة لم تكسب ثقته بعد، والطب تأكد أن تلك النظرية لا تستثني العقاقير والعلاج.

والثمن المدفوع للسلعة يحدد شعور المستهلك تجاهها، وتلك خدعة يدركها كل تجاري ناجح، فكلما ارتفع سعر السلعة يشعر المستهلك بالثقة تجاهها، وقد لا يشتري مستهلك إحدى السلع التي أعجبته بسبب سعرها الزهيد؛ شكًا منه أنها ليس بجودة عالية، ولكن هل تنطبق تلك النظرية على العقاقير الطبية أيضًا؟

Embed from Getty Images

شغل هذا الأمر مجموعة من الباحثين بجامعة سينسيناتي، وأجروا تجربة على 12 شخصًا مصابين بمرض باركنسون، وأعطوا المجموعة العلاج الوهمي «بلاسيبو»، وبعد ذلك قسّموا المجموعة إلى مجموعتين، وأخبروا المجموعة الأولى تكلفة العقار الحقيقية، ولكن المجموعة الأخرى ضوعف لها الثمن زيادة عن 10 أضعاف، وأخبروا المجموعة أن هذا العقار باهظ الثمن.

Embed from Getty Images

المجموعة الأولى، والتي عرفت الثمن الأرخص للعقار أظهرت نسبة شفاء وصلت إلى 58%، ولكن المجموعة التي علمت أن العقار باهظ الثمن تحسنوا بنسبة 67%؛ ولذلك أدرك الأطباء القائمون على التجربة أن ثمن العقار الذي تتعطاه قد يعمل طرديًا مع نسبة شفائك.

العلاج الوهمي لم يعد متقصرًا على الحبوب والحقن فقط

قد تجد الأمر معقولًا حينما يخبرك العلم أن ألم رأسك قد يُشفى بعد تناولك قرصًا من البلاسيبو، أو أمعاءك ستكفّ عن التوتر بهذا العلاج الوهمي، ولكن هل تصدق أن الغضروف الممزق لأحد المرضى قد يُشفى بعملية جراحية وهمية؟

Embed from Getty Images

في فنلندا أجرى الأطباء تلك التجربة على مرضى التمزق الغضروفي، وتلقى نصف المرضى العلاج الجراحي بالفعل، بينما خُدر النصف الآخر وصنع له الأطباء جروحًا فقط؛ ليصدقوا أنهم مرّوا بالعملية الجراحية، والنتيجة كانت ناجحة؛ حينما وجد الأطباء أن كل المرضى تحسّنوا صحيًا، ولكن الأطباء يؤكدون أن هذا العلاج الوهمي قد لا يصلح في العمليات الجراحية الخطيرة والعاجلة.

معرفتك بالأمر لن تلغي قدرته على العلاج

قد تظن أن الخدعة فقدت قيمتها حينما قرأت هذا التقرير، أو حينما قرر الأطباء الحديث بشفافية عن فعالية هذا العلاج الوهمي المسمى «بلاسيبو»، ولكن الخبر الجيد هو تأكيد الطب أن معرفة المريض بتأثير البلاسيبو لا يمنع فرص فعاليته مع هذا المريض في شفاء المرض أو تقليل حدته.

Embed from Getty Images

أجرى مجموعة من الباحثين بجامعة هارفورد دراسة على 80 مريضًا يعانون من متلازمة القولون العصبي، وقسموا المجموعة إلى قسمين: القسم الأول لم يتناول شيئًا على الإطلاق، بينما القسم الآخر وضّح لهم الأطباء أنهم سيتعاطون عقار البلاسيبو الوهمي، وفي نهاية الدراسة وجد القائمون عليها أن المجموعة التي تناولت البلاسيبو وهي تعرف أنه مجرد حبوب من السكر تحسنت حالتهم الصحية عن المجموعة التي لم تتعاط شيئًا.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!