قد يتبادر إلى ذهن المتابع لشؤون الشرق الأوسط كم الأسلحة الهائل المنتشر في مناطق الصراع، وخصوصًا في العراق وسوريا، وكيفية وصول أسلحة متطورة ونوعية إلى جماعات مسلحة كثيرًا ما وصفتها الولايات المتحدة بـ «الإرهابية» أو «الخارجة عن القانون» على أقل تقدير.

هنا تأتي المفاجأة، إذ كشفت معلومات حصلت عليها منظمة العفو الدولية في أواخر شهر مايو (أيار) من هذا العام بأن الجيش الأمريكي فشل في تتبع أثر أسلحة ومعدات عسكرية أرسلت للعراق تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار، وصدرت هذه المعلومات عن هيئة المراجعة في وزارة الدفاع الأمريكية، ونُزعت السرية عنها مؤخرًا، وحصلت المنظمة عليها استنادًا إلى قانون حرية المعلومات الأمريكي.

وكشفت المراجعة الحكومية لما بين سبتمبر (أيلول) 2016 وحتى الآن، أن وزارة الدفاع الأمريكية ليس لديها سجلات دقيقة ومحدَّثة عن أعداد ومواقع كمية هائلة من المعدات التي تدفقت على الكويت والعراق لإمداد الجيش العراقي بعد عام 2015.

وقد شملت عمليات نقل الأسلحة عشرات الآلاف من البنادق الهجومية، ومئات من قذائف الهاون، ومئات العربات المصفحة من طراز (هامفي)، وكان مقررًا أن تستخدم قواتُ الجيش العراقي هذه الأسلحة بما في ذلك قوات «الحشد الشعبي»، وأغلبها من «الشيعة» وقوات «البيشمركة» الكردية، وفقًا لما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية.

وبحسب صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، فإن عمليات نقل الأسلحة والمعدات هذه كانت جزءًا من صندوق العراق للتدريب والتجهيز، وهو برنامج خصص في البداية مبلغ 1.6 مليار دولار بموجب قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2015 لمساعدة القوات العراقية في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». ومن المقرر أن يقدم القانون عام 2017 مبلغ 919.5 مليون دولار للصندوق ذاته.

ويضيف تقرير الواشنطن بوست أنه وعلى الرغم من احتمال عدم وجود مشكلة في بعض ما أرسل كالدروع الواقية، إلا أنه ومع عدم وجود أية مساءلة بعد نقل الأسلحة والذخائر الأمريكية، فإن ذلك يثير مخاوف من نقل الأسلحة بطريقة غير مشروعة. ويبدو من ذلك أن الشرق الأوسط غارقٌ بالأسلحة والمعدات الأمريكية، ومع قرار الرئيس دونالد ترامب تجهيز القوات الكردية في سوريا بالمزيد من الأسلحة، فإنه من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تعلمت من أي من أخطاء الماضي أو الحاضر في المنطقة.

وفي تقرير لصحيفة النيويورك تايمز الأمريكية نشر في أواخر أبريل (نيسان) 2016 للصحافي الأمريكي C. J. Chivers بعنوان «كم عدد الأسلحة التي فقدت الولايات المتحدة أثرها في العراق وأفغانستان؟ مئات الآلاف»، جاء فيه أنه وبعد أكثر من أربع سنوات بقليل من سحب الولايات المتحدة جميع قواتها العسكرية من العراق، وبعد أقل من عامين على عودة عدد أقل من القوات الأمريكية إلى البلاد للمساعدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، فإن بيع الأسلحة الأمريكية المخصصة للجيش العراقي في السوق السوداء على أشده هذه الأيام مثل بنادق الـ(M4)، وغيرها، وهذا الحال يعد جزءًا من روتين العراق اليومي في مجال الاتجار بالأسلحة.

يقول البنتاغون إن هذه الفجوة في أرقام الأسلحة المصدرة والموجودة فعليًّا تعود جزئيًّا إلى أن الجيش الأمريكي كان يحاول في البداية الوقوف مع حكومتين «العراقية والأفغانية» كانتا تواجهان المصاعب، وقال مارك رايت المتحدث باسم البنتاغون فى رسالة بالبريد الإلكتروني حينها: «إن السرعة ضرورية في حشد قوات الأمن التابعة لهذه الدول وتجهيزها وتدريبها لمواجهة هذه التحديات الشديدة». ونتيجة لذلك، حدثت هفوات في تتبع بعض الأسلحة المنقولة.

وقال رايت أيضًا إن «إجراءات البنتاغون الحالية قد تحسنت، وأنه لضمان أن تستخدم المعدات فقط لأغراض مصَّرح بها، ومن قبل جهات مخولة، فإنه يتم جرد شحنة الأسلحة لدى وصولها إلى البلاد وتسجيل توزيع السلاح على الدولة الشريكة الأجنبية».

وقال طلحة عبد الرزاق الباحث الأمني في جامعة إكستر في مراسلة له مع قناة الجزيرة الإنجليزية: «إن تسرب الأسلحة حدث خلال إدارة أوباما، كما دعت جماعات مثل منظمة العفو الدولية مرارًا إلى معالجة إشكالية نقل الأسلحة غير المسؤول، إذ إن الأسلحة لم تصل لأيدي جماعات مثل تنظيم (داعش) فحسب؛ بل أيضًا إلى الجهاديين الشيعة الموالين لطهران».

أما باتريك ويلكن، الباحث بمنظمة العفو الدولية في شؤون حقوق الإنسان والحد من الأسلحة؛ فيقول: «إن المراجعة الأمريكية تقدم عرضًا يبعث على القلق لنظام الجيش الأمريكي الذي يتسم بالقصور، وقد ينطوي على الخطر، فيما يتعلق بالسيطرة على عمليات نقل أسلحة تُقدر بملايين الدولارات إلى منطقة شديدة الاشتعال».

وأضاف باتريك ويلكن أن هذه المراجعة تستدعي قراءةً جادة على وجه الخصوص، بالنظر إلى التاريخ الطويل من تسرب أسلحة أمريكية إلى جماعات مسلحة عديدة ترتكب فظائع في العراق، بما في ذلك الجماعة التي تُطلق على نفسها اسم تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

ووثقت أبحاث منظمة العفو الدولية وجود إهمال وتراخٍ في إجراءات المراقبة وحفظ السجلات في إطار التسلسل القيادي العراقي، وكان من شأن هذا كله أن يؤدي إلى وقوع أسلحة مصنَّعة في الولايات المتحدة، وغيرها من البلدان، في أيدي جماعات مسلحة عُرف عنها ارتكاب جرائم حرب، مثل تنظيم «الدولة الإسلامية»، والميليشيات شبه العسكرية، التي أصبحت حاليًا منضوية في الجيش العراقي.

وتهيب منظمة العفو الدولية بالسلطات الأمريكية أن تلتزم بأحكام القانون المعروف باسم «قانون ليهي»، الذي يحظر نقل معظم أنواع المساعدات العسكرية وبرامج التدريب الأمريكية، إلى الوحدات الأمنية والعسكرية والشُرطية الأجنبية التي تتوفر شبهات موثقة عن ضلوعها بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

في العراق.. واشنطن وصفقات السلاح المشبوهة

أكد ماجد الغراوي عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية العراقية أن أمريكا هي التي تتحمل عواقب اختفاء كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية في العراق، مبينًا أنها شرعت بالفساد بتعاملها مع أشخاص لا علاقة لهم بالأمر، على حد قوله.

وأضاف أن واشنطن عقدت تلك الصفقات المشبوهة، والتي تتجاوز قيمتها المليار دولار «خِلْسَة» مع بعض الدول لتبديد الأموال العراقية ونهب نفطه بحسب قوله، موضحًا أنه كان من المفترض على الولايات المتحدة أن تتعامل مع رئيس مجلس النواب ولجنة الأمن والدفاع لضمان سلامة نقل الأسلحة بصورة طبيعية.

ودعا الغراوي وزارة الدفاع الأمريكية إلى إرسال العقود والوثائق التي يتحدثون عنها، ومع من تعاقدوا معهم حتى تستطيع لجنة الأمن والدفاع متابعة الأمر مع وزارة الدفاع  العراقية، على حد قوله.

ولم يتطرق النائب إلى الأسلحة التي فقدها العراق منتصف عام 2014 حين اكتسح تنظيم الدولة «داعش» ثلث العراق خلال أيام، مسيطرًا بذلك على ترسانة عسكرية مهولة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد