فاطمة نادي 24
فاطمة نادي 24

2,066

بدأت البشرية في ممارسة الطب منذ 3 آلاف عام قبل الميلاد، ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن، مرَ الطب بمراحل عديدة بداية من الدجل والشعوذة، ونسبة بعض الأمراض إلى السحر والمس الشيطاني، وصولًا إلى اتباع منهج البحث والتجربة والتحليل، الذي نتجت منه التطورات الكبيرة التي نراها اليوم في شتى مجالات الطب.

ولا يمكن الحديث عن تاريخ الطب وتطوره، دون ذكر الطبيب اليوناني أبقراط، الذي يُطلق عليه لقب «أبو الطب»؛ نظرًا لإسهاماته الجليلة التي يمتد أثرها إلى اليوم في المجال الطبي. هذا فضلًا عن «قسم أبقراط» الشهير الذي ما زال حاضرًا بقوة في كثير من مدارس الطب وكلياتها في العالم، والذي تستخدمه مكونًا احتفاليًا لدى تخرج طلاب الطب وقبل بدء مزاولتِهم المهنة.

فمن هو هذا الطبيب، وما إنجازاته، وكيف أثرت إسهاماته في تحويل مسار الطب وتطوره؟

البداية في جزيرة كوس.. أبقراط يكسر احتكار عائلته للطب

ولد أبقراط فى جزيرة كوس باليونان عام 460 قبل الميلاد، لعائلة طبية يونانية شهيرة، هي أسرة أسكليبيوس. ويُعد أسكليبيوس شخصية يونانية قديمة، عُرف عند اليونان طبيبًا، لكنهم ما لبثوا أن جعلوه إلهًا رمزوا له بصولجان يلتف حوله ثعبان.

كان آل أسكليبيوس يتوارثون صناعة الطب، وكان الطب حكرًا على تلك العائلة، التي كان يُنظر إليها على أنها من نسل الآلهة. وظلّوا ينقلون الخبرات بالمخاطبة فيما بينهم، وإذا ما جرى تدوينها، يكون ذلك بشكل مقتضب، وبطريقة مُلغزة لا يفهمها إلا الأب وابنه.

وقد ورث أبقراط علوم الطب عن أبيه وجده، وأخذ يعمل على نشر صناعة الطب؛ وذلك بعد أن رأى قلة عدد نسله؛ فخاف على ضياع الصناعة واختفائها، وقرر تعليم الطب للمستحقين، ولكل راغب فيه. وأخذ يؤلف في الطب محاولًا نشره وتعميمه، وتعليمه حتى للغرباء عن العائلة المقدسة، شريطة أن يُحلّفهم بالأيمان والالتزام بعهد ووصية وضع ملامحها.

وبعد أن كانت العلوم الطبية حكرًا على عائلات محددة، يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، ويجب ألا يتعلمها أحد خارج نطاق العائلة. بدأ أبقراط بتعميم العلوم الطبية على كل من أراد التعلم، وكان أول طبيب اتخذ له تلاميذ يُعلمهم هذه العلوم خارج نطاق عائلته.

من السحر والشعوذة إلى الملاحظة الدقيقة والتفسير العلمي

قبل أبقراط كانت أساليب العلاج القديمة، تعتمد على السحر والشعوذة التي كان يُمارسها الكهنة فى المعابد، أما أبقراط فقد اعتمد في ممارسته للطب على الملاحظة الدقيقة لمكونات جسم الإنسان. وكان يؤمن أن لكل حالة مرضية تفسيرًا علميًّا لها عكس ما كان منتشرًا في عصره، وتعامل مع الجسم البشري باعتباره كتلة واحدة مترابطة.

ويُعد أول من وصف مرض الالتهاب الرئوي والصرع عند الأطفال، وأول من قال إن أساس الصحة هو الطعام الصحي، والهواء النقي، والنظافة، والراحة. بالإضافة إلى أنه كان أول طبيب يعتقد بأن الأفكار والمشاعر تأتي من الدماغ، وليس من القلب كما اعتقد آخرون في عصره.

كذلك، أشار إلى وجود اختلافات فردية في شدة أعراض المرض لدى المرضى، وأوضح أن بعض الأفراد يكون لديهم قدرة على التعافي من المرض أفضل من غيرهم. وقد ذاع صيته في عصره حتى كان يطلبه ملوك الأرض، وكانت تُطلب مشورته الطبية.

وبفضله خرج الطب من مرحلة بدائية كان فيها مجرد ممارسة عفوية، مرتبطة بمعتقدات وطقوس أسطورية، إلى مرحلة جديدة يستند فيها العلاج إلى معرفة عقلية نقدية، وعلى الخبرة المهنية. علاوة على أنه مهّد الطريق أمام الطب نحو الملاحظة العلمية، القائمة على المعاينة السريرية، وتقديم الأدوية، والبحث عن الأسباب الملموسة، بعيدًا عن حيّز الخرافات والشعوذة.

«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

مؤلفاته وإسهاماته في الأدب الطبي

لم يُطلق على أبقراط لقب «أبو الطب» من فراغ؛ بل جاء لغزارة إنتاجه الأدبي وتدوينه للطب في كتبه التي تتجاوز 70 كتابًا، وصف فيها العديد من الأمراض وطرق معالجتها بطريقة علمية، تستند إلى الملاحظة التفصيلية.

ترك أبقراط كثيرًا من المؤلفات الطبية سميت بـ«المدونة الأبقراطية»، وقد ظهرت في مكتبة الإسكندرية في أوائل القرن الثالث ق.م، وكان قد جمعها ورتبها الطبيب الفرنسي إميل ليتري في 10 مجلدات، في القرن التاسع عشر.

وشملت مؤلفات أبقراط التي دونها هو وتلاميذه مختلف فروع الطب، من أعراض الأمراض والأوبئة، إلى الحُميّات، وتكون الأجنّة، وعلاقة البيئة والتغذية بالصحة والتربية النفسية. وجعل أسلوبه في تأليف كتبه على ثلاث طرائق من طرق التعليم: الأولى الألغاز، والثانية الإيجاز والاختصار، والثالثة التصريح والتبيين.

أيضًا عرف المسلمون كتب أبقراط، وترجموا أغلبها إلى العربية في القرن الثالث والرابع الهجري، وشرحوا بعضها. بالإضافة إلى ذلك، كان أصحاب الصناعة الطبية منهم يُوصون بكتب أبقراط، ويُركزون على 12 منها لا غنى عنها لطالب الطب، وهي: كتاب الأجنة، والهواء والمياه والبلدان، وتقدمة المعرفة، والأمراض الحادة، وأوجاع النساء، والأمراض الوافدة، والغذاء، والكسر والجبر، وطبيعة الإنسان، إلى جانب قاطيطرون أو حانوت الطبيب.

وقد ذكر نماذج كثيرة من قصص مرضى عالجهم في كتابه المعروف بـ«إبيديميا» وتفسير انتشار الأمراض الوافدة. وفي كتاب «المرض المقدس» الاسم الذي كان يُطلق على الصرع، حاول أبقراط نفي القداسة المزعومة عن مرض الصرع، ورفض تقسيم الأمراض إلى طبيعية ومقدسة، وأوضح أن الصرع يرجع إلى أسباب طبيعية صرفة. أما نسبته إلى سبب إلهي نتيجة غضب الآلهة؛ فهو أمر يعكس جهل الناس وعجزهم عن فهمه، وتفسير سلوكيات المصاب الغريبة.

فضلًا عن ذلك، ترك أبقراط صورًا سريرية لداء السل، واستطاع أن يُسجل بدقة الملامح المألوفة التي تعلو سحنة المحتضر الذي يموت، ومن أعياه الإسهال. ولا يزال الأطباء إلى الآن، يستخدمون تلك الأعراض التي وصفها أبقراط في التشخيص، والتي أصبحت تُسمى «الوجوه الأبقراطية»، و«الأصابع الأبقراطية»، التي تُعد أعراضًا خاصة ببعض أمراض القلب المزمنة، التي تؤدي إلى تضخم مفاصل الأطراف.

قسم أبقراط وأخلاقيات العمل الطبي

لا يمكن الحديث عن أبقراط دون ذكر ريادته في تأسيسه أخلاقيات العمل الطبي، التي يتضمنها القسم الشهير المُسمى بقسم أبقراط، والذي يُؤديه خريجو كليات الطب حول العالم إلى اليوم، وإن كان بصياغات مختلفة تُلائم العصر، لكنها تحمل الروح القديمة نفسها.

يُوصي القسم طالب الطب بعهد أخلاقي من أبرز ما ورد فيه: ضرورة احترام المعلم ومساعدته، وتعميم الخبرات الطبية للأبناء، والابتعاد عن فعل الشر أو إلحاق الأذى بالناس، أو السعي نحو إجهاض الجنين. أيضًا يحثّ القسم كل مقبل على مهنة الطب على تقديم المساعدة للجميع، ذكورًا أو إناثًا، أحرارًا أو أرقاء دون تمييز. ويختتم القسم بكون الطبيب النموذجي لا يُفشي أبدًا أسرار مرضاه، ومن يُذيعها فقد أخلّ بفروض مهنته.

ولم يكتفِ أبقراط بهذه الوصايا، بل أضاف عدة وصايا أخرى، عبارة عن واجبات على الطبيب التقيّد بها: كالاحتفاظ بحسن المظهر، والنظافة، والتحلي بالهدوء والرصانة، والعمل على إشعار المريض بالثقة، وخلق جو من الطمأنينة خلال أداء المهمة الطبية.

على الجانب الآخر، يرى البعض أنه لا توجد حقائق تاريخية مؤكدة تنسب القسم إلى أبقراط، وأن القسم محض وثيقة من الأخلاقيات الطبية ظهرت بعد وفاته، وجرى تعديلها باستمرار على مر القرون. وربما قد عَمِد بعض المؤرخين إلى نسبة هذا القسم له، كما نسبوا مقولات أخرى له؛ لمنحه وزنًا أكثر وإعلاء شأنه بين الفلاسفة اليونانيين.

الأطباء ليسوا ملائكة الرحمة دومًا.. هكذا استخدموا البشر أحيانًا كـ«فئران تجارب»