ثمّة صورة نمطية للبنان في الذهنية العربية تجعله أقرب إلى الغرب منه إلى الشرق، فالبلد الساحلي الصغير ذو الأربعة ملايين ونصف نسمة، تمتلك عاصمته أحياءً قد تكون ذات طبيعة «أكثر تحررًا» من كل عواصم الشرق مجتمعة، وبالنسبة للكثيرين فهم لا يعرفون عن لبنان إلا أنه موطن لأبرز مطربات الشرق إثارةً، وانفتاحًا مثل «هيفاء وهبي»، و«نانسي عجرم».

 

وبالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون عن لبنان إلا «هيفاء» و«نانسي»، ولا يتصورون في بيروت إلا حفلات الصخب، قد يبدو من العجيب أن تصل إلى مسامعهم أحاديث القمع الأمني المتكرر في البلاد، والتي تنافس في علوّها موسيقى الحفلات اليومية الصاخبة، وآخرها ما أشارت إليه منظمة «هيومن رايتس ووتش» عن مأساة أربعة عشر شخصًا كانوا قد شاركوا في احتجاجات قبل عامين، نددوا فيها بعجز الحكومة عن حل أزمة النفايات، هؤلاء الأشخاص يمثلون أمام محكمة عسكرية، قد تقضي بعقوبة تصل إلى ثلاث سنوات، المحكمة التي «لا يمكن الحصول فيها على محاكمة عادلة على الإطلاق» بحسب تعبير أحد المسؤولين في هيومن رايتس ووتش.

 

لم يكن فض الحكومة لاحتجاجات أزمة النفايات بالقوة، والانتقام من أبطال الحراك هو أول -أو آخر- مظاهر ما يمكن وصفه بظهور «الدولة الأمنية» في لبنان، إذ إن ثمة تاريخًا طويلًا من القمع الأمني في البلاد بحسب المراقبين، عبر عن نفسه أكثر ما عبر في الأنباء التي لا تتوقف عن حالات تعذيب تقوم بها القوات الأمنية والميليشيات بحق أبناء البلد وغربائها على السواء، وهو الأمر الذي تطرحه -بإيجاز- السطور التالية.

 

سجن رومية «الرهيب» وظهور «أبو غريب» جديد في لبنان

 

في «قضاء المتن» شرق العاصمة اللبنانية بيروت، وعلى بُعد كيلومترات قليلة من الفنادق شديدة الفخامة، والملاهي الليلية التي توصف بأنها الأكثر صخبًا في الشرق الأوسط بأكمله، يقبع سجن رومية الرهيب، أكبر السجون اللبنانية، وأعتاها على الإطلاق.

 

منتصف عام 2015، وفيما البلاد غارقة في أتون صراع سياسي واضطرابات أمنية، كان السجن محلًا لقضية كُبرى شغلت الرأي اللبناني والعالمي لوقت طويل، إذ سُرّبت تسجيلات تظهر أفرادًا من الأمن اللبناني، يعتدون بالضرب على مجموعة من السجناء الذين جردوا من أغلب ملابسهم، باستثناء الداخلية منها، وقد ذكرت مصادر حقوقية لاحقًا أن سجينًا فقد إحدى عينيه جراء التعذيب، كما أن معتقلًا آخر قد أُجبر على اغتصاب زميله في السجن.

https://www.youtube.com/watch?v=RPW9y0cLhV4

 

أثارت التسجيلات حينها جدلًا كبيرًا في الشارع اللبناني وعلى مواقع التواصل، وأعادت التساؤلات حول وضع حقوق الإنسان في البلاد، واندلعت احتجاجات في مناطق لبنانية عدة تندد بالحادث، وتطالب بإقالة وزير الداخلية نهاد المشنوق -ينتمي للتيار الحريري- الذي تلقى اتصالًا غاضبًا من زعيم تيار المستقبل سعد الحريري.

 

وسرعان ما خرج المشنوق إلى الإعلام ليوضح أن الحادثة قد حدثت قبل شهرين، عندما داهمت الشرطة السجن لإنهاء «أعمال شغب» اندلعت في مبنى كان يحتجز فيه «متشددون إسلاميون»، وأوضح المشنوق أن ستة من أفراد الشرطة -من أكثر من 500 شرطي داهموا السجن- لهم صلة بما حدث، وأضاف أن ضابطين أحيلا بالفعل لمحكمة عسكرية.

 

في الحقيقة لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُلفت فيها الأنظار إلى الانتهاكات الحقوقية داخل رومية، فالسجن الذي بُني ليستوعب 1500 شخص اكتظ منذ عام 2008 بثلاثة أضعاف طاقته تقريبًا، وكان قد شهد قبل شهور اشتباكات بين الموقوفين الإسلاميين، وقوات الأمن اللبنانية، وقد سبق لبعض أهالي المعتقلين وصف كيف تعرضوا لإهانات من العسكريين أثناء دخولهم السجن لزيارة ذويهم، و«آثار التعذيب والضرب واضحة على أجسادهم ووجوههم».

 

الأمم المتحدة تخبرك: التعذيب «عادة يومية» في لبنان

 

«التعذيب ممنهج في لبنان، وهو ممارسة متفشية تلجأ إليها القوات المسلحة والأجهزة لإنفاذ القانون لأغراض التحقيق، والإهمال المتعمد للضمانات القانونية للأشخاص مسلوبي الحرية».

 

كانت تلك هي تعبيرات اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب، التابعة للأمم المتحدة، في معرض تقريرها الذي أصدرته عام 2014، الذي تناول مدى التزام الدولة اللبنانية باتفاقية مناهضة التعذيب التي كانت من أوائل الدول التي وقعت عليها، ولأن هذا التقرير على قدر كبير من الأهمية والموثوقية، فإننا سنتناول سياقاته ومخرجاته بشيء من التفصيل.

 

بدأت القصة عام 2007، حين تمكن الجيش اللبناني من السيطرة على مخيم نهر البارد بعد اشتباكات عنيفة مع جماعة «فتح الإسلام»، في أسوأ اقتتال تشهده البلاد من نهاية الحرب الأهلية، بعدها بشهور تقدمت منظمة الكرامة لحقوق الإنسان خلال عام 2008 ببلاغ إلى لجنة مناهضة التعذيب يتضمن «اتهامات بالاستخدام المنظم للتعذيب -من قبل القوى الأمنية اللبنانية-، لا سيما فيما يتصل بأزمة نهر البارد».

ولأن ردود الحكومة اللبنانية لم ترضِ اللجنة، فقد قررت الأخيرة مباشرة تحقيقات سرية جرت بين عامي 2012- 2013، قامت خلالها بزيارة أماكن احتجاز متنوعة بالتعاون مع -بحدود معينة- الحكومة اللبنانية، التي رفضت في النهاية نشر نتائج التحقيقات، وعليه فقد كان ما نشرته اللجنة منها هو موجز فقط لما تم التوصل إليه.

وبحسب التقرير الذي استند إلى شهادات من تعرضوا للتعذيب سابقًا، أو من كانوا شهودًا على عملية التعذيب، بالإضافة إلى لقاءات مع مسؤولين رسميين، فإن «كل الجهات الأمنية» تقريبا متّهمة بالتعذيب، لا سيما قوى الأمن الداخلي والاستخبارات العسكرية، بل تحدث البعض عن عمليات تعذيب تمت بإشراف عناصر مسلحة تابعة لحركة أمل، أو حزب الله، وتتم العملية في مخافر الشرطة، أو في مراكز التحقيق والاحتجاز، وتقابل بإهمال أو تواطؤ من السلطة القضائية، وقد كان البعض خائفًا من التحدث للجنة خشية تعرضهم لأعمال انتقامية حال علم السلطات بذلك.

 

أشار التقرير أيضًا إلى وسائل التعذيب المستخدمة، نتحدث هنا عن عمليات ضرب، وتعليق للمحتجزين من المعصمين خلف الظهر «البلانكو»، والتعليق من الأرجل، والصعق بالكهرباء، وعصب العينين والرأس أثناء الاحتجاز، هذا بالإضافة إلى فحوصات كشف العذرية للنساء، أو الفحوصات الشرجية القسرية للرجال المتهمين بـ«الممارسات الجنسية الشاذة».

 

وتجدر الإشارة إلى أن الشهادات الواردة في التقرير الأممي السابق قد تقاطعت مع تقرير لاحق للخارجية الأمريكية تحدثت فيه عن عمليات تعذيب تقوم بها الدولة اللبنانية، وتشمل «الغمر في الماء البارد، وفترات طويلة من الحرمان من النوم، وإجبارهم على الوقوف لفترات طويلة، والتهديد باستخدام العنف ضد أقاربهم، والحرمان من الملابس، والمواد الغذائية، والمرحاض».

 

وبحسب الشهادات، فإن التعذيب ليس ممارسةً استثنائيةً، أو فرديةً -كما قالت الحكومة اللبنانية بعد ذلك-، بل هي عرف عادي اعتيادي لدى قوى الأمن اللبنانية، وقد بلغت نسبة الأشخاص الذين سجلوا تعرضهم للتعذيب نحو 45%، الأمر الذي يشير إلى مدى انتشار هذه الممارسات في الثقافة الأمنية اللبنانية، وهي ممارسة يتعرض لها السجناء السياسيون «الأمنيون»، والجنائيون على السواء.

 

عذاب مضاعف: ما الذي يعنيه أن تكون سوريًّا في لبنان؟

 

بناءً على ما تقدّم، إذا كان من المنطقي أن يخشى المواطن اللبناني من «احتمال» تعرضه للتعذيب حال وقوعه في قبضة قوات الأمن في بلاده، فإن على اللاجئين السوريين في لبنان أن يخشوا الممارسات نفسها أضعافًا مضاعفة، فبحسب تقرير الأمم المتحدة السابق، يُعتبر اللاجئون السوريون من أكثر الفئات تعرضًا للتعذيب في لبنان، وقد أفادت اللجنة أن «الأغلبية العظمى من السوريين الذين قابلتهم اللجنة تعرضوا للتعذيب».

وبحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، صدر في عام 2014، فإن فرقة تابعة للجيش اللبناني كانت قد اقتحمت عددًا من مخيمات اللجوء في عرسال، ونفذت حملات اعتقال شملت ما لا يقل عن 450 لاجئًا سوريًّا بينهم أطفال، كما قامت بعمليات للآخرين، وقد تعرض المعتقلون -بحسب تقرير الشبكة- للضرب والاعتقال والتنكيل، وامتدت تلك الممارسات إلى كبار السن، الأمر الذي أفضى ببعضهم إلى الموت.

 

وتتوسع الحكومة اللبنانية في اعتقال اللاجئين السوريين، بحجج مختلفة، مثل انتهاء صلاحية الإقامة، أو دخول البلاد خلسة، وتكتظ السجون اللبنانية بالآلاف من المعتقلين السوريين، والمسوغ الرسمي يكون جاهزًا دومًا: الخوف من تهديد هؤلاء للأمن العام في البلاد، ومن أبرز تلك القضايا ما أثير عن تعذيب المواطن السوري «ملاذ أسعد» من قبل الاستخبارات العسكرية اللبنانية؛ لسحب الاعترافات منه، ومن ثم إحالته بعدها إلى المحاكمة العسكرية.

 

لماذا يتحمل حزب الله «مسؤولية كبرى» عن التعذيب؟

 

بالتأكيد لا يتحمل حزب الله وحده مسؤولية انتشار ممارسات أو ثقافة التعذيب في لبنان، لكن تخصيصه بفقرة كاملة في هذا التقرير يعود إلى عدة اعتبارات تحملها خصوصية موقف الحزب، وموقعه في الخريطة السياسية اللبنانية.

 

أولاً: لدى الحزب نفوذ قوي وواسع في أجهزة الدولة اللبنانية، إذ يتنامى يومًا بعد يوم نفوذ الضباط الشيعة في الجيش والأمن، فضلًا عن قدرة الحزب على توجيه القضاء للانتقام من معارضيه انتقامًا رسميًّا، دون أن يظهر الحزب نفسه في الخلفية.

اقرأ أيضًا: 

سياسة

منذ سنتين
قبضة «حزب الله» الحديدية ضد معارضيه في لبنان
4700
فريق العمل

ثانيًا: في بعض الوقائع، تم تسجيل انتهاكات وحالات تعذيب كانت قوات حزب الله هي الفاعل الرئيسي المباشر فيها، وهذا ما أشرنا إليه سابقًا في تقرير اللجنة الدولية لمناهضة التعذيب، حين تحدث البعض عن عمليات تعذيب تمت بإشراف عناصر مسلحة تابعة لحركة أمل، أو حزب الله، قبل أن يُنقل الموقوفون بعد ذلك إلى أجهزة الأمن الرسمية.

 

ثالثًا: أدى تدخل حزب الله في الحرب السورية وموقفه، إلى شحن شرائح واسعة من المجتمع والطبقة السياسية اللبنانية وتجييشها ضد اللاجئين، وهو ما شكل أرضًا خصبة لقبول ممارسات التعذيب والانتهاكات بحق السوريين، إن لم يكن لصناعتها.

 

تحديث: حُذفت الصور من التقرير، كونها أتت من الأردن خطأً وليس من لبنان

عرض التعليقات
تحميل المزيد