الصداع يلازم الملايين يوميًّا، ولذلك يسكن حقيبتهم العقار المهدّئ الذي وُصف لهم دون استشارة طبيب. تلك الآلام المتواصلة في الرقبة أو الرأس أو الظهر، جعلت العقار الطبي شريكًا يوميًّا للكثيرين لا يفارقهم؛ بعد أن نصح به أحد الأصدقاء أو الأقارب، وأثنى على مفعوله السريع، بينما بعض النساء لا تتخلين عن نوع عقار مسكن بعينه أثناء فترة الطمث.

 ومع الوقت يتحوّل هذا العقار إلى أسلوب حياة لا يخلو منه بيت، ولا تستغنى حقيبة عنه، دون أن يعلم الكثيرون مدى خطورة استخدام هذا العقار بتلك الطريقة العشوائية، وآثاره الجانبية على أعضائهم الحيوية وصحتهم. في هذا التقرير نقدّم لك حقائق ومعلومات عن القاتل الذي يسكن حقيبتك: عقارك المُسكّن.

«بروفين».. هل كان صديق رحلة الدراسة؟

الضغط النفسي الذي يسبق الاختبارات، والضغط العصبي من الأسرة حينما تكون تلك الاختبارات مصيرية يتوقف عليها مسقبلك الدراسي بأكلمه، مثل اختبارات الثانوية العامة في النظام التعليمي بمصر، والذي يجعل الكثيرين يلجأون إلى هذه المسكّنات. تخبرنا «ر.س» أن مُسكّن البروفين تركيز 600 هو ما يساعدها على المذاكرة يوميًا؛ لأنه – من وجهة نظرها – يعالج جميع آلام جسدها، وتصبح مستعدة للمذاكرة بطاقة أكبر، وأكّدت أنها تتناول قرصين منه يوميًا.

Embed from Getty Images

هذا المسكن الذي تستخدمه صديقتنا استخدامًا يوميًا، تعتبر المادة الفعالة في تركيبته من أكثر المواد الفعالة المُسكنة التي تغزو العالم الآن، وسواء كان يُباع العقار باسم بروفين أو إيبوبروفين فهما ينتميان لنفس الأسرة الكيميائية، وفي دراسة أجراها الطبيب الأمريكي ديفيد كوفمان بجامعة بوسطن، والتي نشرتها في بداية العام «رويترز» أوضحت أن العديد من الأشخاص في العالم يعانون من الاستخدام الخاطئ للعقاقير المُسكّنة، وخاصة عقار البروفين.

من يستخدمونه لا يعرفون بأن له مخاطر صحية قد تهدّد حياة مستخدمها، كما أكّد ديفيد في تصريح لـ«رويترز»، مثل النزيف الداخلي والنوبات القلبية، مؤكّدًا أن تلك النوعية من العقاقير لا يجب أن تُباع دون وصفات طبية، في حين أن هذا العقار يمكن شراؤه بسهولة شديدة وبسعر زهيد من أي «صيدلية» في مختلف أنحاء العالم العربي.

ويرى الطبيب جونار جيسلاسون، مدير الأبحاث في مؤسسة القلب الدنماركية في كوبنهاجن،أن السبب وراء الاستخدام الخاطيء للمُسكنات يعود لأن الجرعة المُوصى بها من البداية لا توفر له ما يكفي من تخفيف الألم، فيكون أسهل على المريض تناول المزيد من الحبوب، بدلًا عن طلب المشورة المهنية.

تعاطي المُسكنات بكثرة ودون داعٍ لا ينتشر في الدول العربية فقط، بل إن الأمر منتشر عالميًا، ورغم أنه لا يمكن في معظم الدول الأوروبية شراء العقاقير الطبية بتلك السهولة كما يحدث في بعض الدول العربية، إلا أن المراهقين في عمر (ر.س) وجدوا طريقة في الولايات المتحدة الأمريكية للوصول للمسكنات عن طريق وصفات طبيّة قديمة لهم أو لأحد أقاربهم.

وفي دراسة أجراها المعهد الوطني لدراسة تعاطي المخدرات في أمريكا، والتي نُشرت العام الماضي، أكّدت أن معدل استخدام العقاقير المُسكنة في هذا العام، كان أكثر من معدل استخدام مخدر الكوكاكيين والهيروين والميثافين مجتمعة.

57 قرصًا يوميًا.. الترامادول في حياة الشاب المصري

يخبرنا «ب.و» البالغ من العمر 40 عامًا ويعيش أعزبًا في مصر أن عقار الترامادول الطبي لم يفارقه منذ 10 سنوات؛ فهو يضع له ميزانية شهرية من راتبه قد تصل إلى 1500 جنيه مصري؛ وهذا لأن العقار غير مصرّح به قانونيًا في مصر، ويضطر للجوء لأحد الباعة غير المُرخصين، والذي قرر رفع سعره في الفترة الأخيرة.

 وأكد لـ«ساسة بوست» أنه يتناول ما بين أربع إلى خمس حبوب يوميًا، وحينما سألناه عن الفارق الذي أحدثه هذا المُسكن بعد استخدامه لتلك الفترة الطويلة، كانت «البلادة» هي رده الوحيد؛ فهو لم يعد يشعر بتعاطف مع أي شخص، ومشاعره لم تعد حُرّة؛ فهي أسيرة لتلك المادة المُخدرة في العقار الذي لا يستطيع الاستغناء عنه؛ فقد يغضب ويثور دون سبب، وحينما تأتي اللحظة التي يتطلب منه أخذ موقف لا يجد الجهد لفعل ذلك.

في نهاية العام الماضي ألقت الشرطة المصرية القبض على سيدة بريطانية تُدعى لورا بلامر، وحُكم عليها بالسجن مدة ثلاث سنوات؛ بتهمة جلب وإحضار 300 قرص من أقراص الترامادول إلى مصر، وتلك الوقعة سلطت الضوء على هذا القاتل الذي يعيش مع المصريين يوميًا، خاصة الرجال منهم، وهذا وفقًا للإحصاءات، والتي تشير إلى أن 70% من مستخدمي العقار من الرجال.

Embed from Getty Images

ما يعاني منه صديقنا الذي شاركنا تجربته ليس حالة فردية؛ فقد شارك الشاب المصري «عبد الحميد» تجربته مع شبكة «بي بي سي» مؤكدًا أنه يتعاطى الترامادول منذ سن الثالثة عشرة، ليزيد في الجرعة؛ حتى وصل إلى تناول 57 قرصًا يوميًا من الترامادول في سنّ الرابعة والعشرين؛ لتكفي حاجة جسده من المادة الفعالة في هذا المُسكن، موضحًا أنه كاد يموت أكثر من مرة جراء الجرعة الزائدة من العقار.

ووفقاً لتقارير الصندوق المصري لمكافحة المخدرات ومعالجة الإدمان، فإن أكثر من 10% من مجموع سكّان مصر الحالي قد استخدموا المخدرات، وأوضح التقرير  أن مدمنًا واحدًا من بين ثلاثة مدنين على المسكنات؛ يتعاطون الترامادول باعتباره العقار المفضّل لديهم، وفي تصريح لشبكة «بي بي سي» أكّدت الإدارة المركزية للشؤون الصيدلانية في مصر أن الحكومة المصرية معترفة بمخاطر مسكنات الألم في مصر، وتدركه جيدًا، وتبذل جهودًا مكثفة للقضاء على المبيعات غير القانونية.

Embed from Getty Images

وربما ما لا يعرفه الكثير من مستخدمي هذا العقار المُسكن أن أعراضه الجانبية قد تُدمر صحتهم، ومن أهمها فقدان الشعور بالألم نهائيًّا، وهو أمر قد يظن البعض أنه جيّد، ولكنه في الحقيقة يعتبر خللًا في وظائف المخ، والذي يترتب عليه فيما بعد مخاطر أكبر، مثل الشعور بالبلادة الذي تحدث عنه صديقنا «ب.و»، أو يطلق عليه الأطباء «الانحدار المعرفي» أو الضعف الإدراكي، إلى جانب الشعور الدائم بالغثيان، والدوار، وخلل في عملية الإخراج، مثل الإسهال، أو الإمساك المزمن، وفقدان الشهية، وجفاف الحلق.

«البنادول».. هل هو صديق الإنسان؟

في البداية قد تظنّه إعلانًا تحفيزيًّا يخص حملات التنمية البشرية؛ لما تحويه كلماته من قوة، وسيطرة على النفس، مثل «اجتهد»، و «اتعب»، و«اختر أن تتحدى الألم»، ومع ظهور لاعب الكرة المصري عصام الحضري وهو يمارس الرياضة مع خلفية موسيقيّة حماسيّة تدعو للنشاط، قد تظّنه إعلانًا لإحدى العلامات التجارية الرياضية، أو حملة لمكافحة المخدرات، أو التحفيز على ممارسة الرياضة، ولكنك في النهاية تكتشف أنه إعلان لإحدى العقاقير الطبية، والتي تحظى بشعبية كبيرة في مصر والدول العربية، إنه عقار «بنادول».

في حديثها لـ«ساسة بوست» تقول «س.ر»: إن هذا العقار لا يفارق حقيبتها أبدًا، سواء كان المسكن العام منه، أو المتخصّص لنزلات البرد فقط، مؤكدة أن مواجهة الحياة، ويوم العمل الشاق، تكون صعبة بدونه؛ فهو الذي يمنحها الطاقة لإنجاز مهامها الوظيفية، وما لا تعرفه صديقتنا أن هذا المسكّن ليس صديقًا للإنسان، ولا يخلو من الآثار الجانبية السلبية، والتي تظهر على المدى الطويل من استخدامه.

Embed from Getty Images

في دراسة أجريت بين العامي 2011 و2013 بالولايات المتحدة الأمريكية، أكدت أن هناك ما يزيد عن 177 حالة تم إدخالها للمستشفى، بعد تعاطي جرعة زائدة من عقاقير صُنعت من نفس المادة الفعالة التي يُصنع منها البنادول، وتراوحت أعمار المرضى ما بين 18 عامًا و75 عامًا، وتعتبر تلك المادة الفعالة هي السبب الرئيسي للفشل الكبدي الحاد في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة؛ لأن الجرعة الزائدة منه تسبب التلف الكبدي؛ الأمر الذي يخبرك أن هذا المُسكن الذي يروج له إعلاميًا ينبغي استخدامه بحذر شديد؛ لأنه ليس صديقك كما تتخيل.

هل أنت مدمن لمسكنات الألم؟

ليست مبالغة؛ فإن كنت من مستهلكي مسكّنات الألم، فأنت مُعرّض للإدمان بالفعل. إذا كان استخدامك للمسكنات دون وعي، وتجاوز الحد الطبيعي الذي وضعه الأطباء، والمتمثّل في علامات معينة تُخبرك إذا كنت تعديت هذا الخط الفاصل بين الاستخدام الآمن والإدمان، فأنت معرّض للخطر. من أهم تلك العلامات هي الشعور النفسي المُلحّ لتناول المُسكّن دون الشعور بحاجة جسدية له، وصعوبة اتخاذ قرار عدم تعاطيه بعد أن يدرك الشخص أنه لا يحتاجه؛ فيختلق الجسم آلامًا نفسية ليبرر للشخص المدمن تعاطيه. وفي حالة العقار الذي لا يُصرف سوى بوصفة طبية؛ سيجد الشخص نفسه يلجأ لكل الحيل للوصول إليه حتى وإن ارتكب فعلًا غير قانوني، والعرض الأخطر هو تصالح الشخص مع وجود هذا العقار المُسكن في حياته باعتباره أمرًا مفروغًا منه.

وفي حالة التأكد من الاستعمال الخاطئ للعقار المسكن للمرحلة التي قد تصل للإدمان؛ ينصح الأطباء باللجوء إلى أحد المراكز الصحية المتخصصة في الإدمان، أو استشارة طبيب عن كيفية التعامل مع هذا الأمر؛ حتى يمكن التخلص من القاتل الذي يسكن حقيبتك.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!