تلك الصورة القريبة من أسنان القرش، أو ذلك الفيلم الطويل عن الحياة اليومية لدب قطبي مفترس، أو من يقضي عامًا كاملًا بين أسرة من الحيوانات المفترسة، والاقتراب من الخطر والتضحية بالنفس، هذا ما يفعله مصورو البرية والطبيعة؛ حتى تصلك الأفلام الوثائقية التي تشاهدها في منزلك وأنت تشعر بالأمان.

في السطور القادمة سنحكي قصصَ خمسة من مصوري البرية الذين خاضوا مغامرات بعضها هدد حياتهم؛ ليخرج إلى الحياة مجموعة مميزة وعالمية من أفلام البرية.

1- غوردون بوكانان.. طعام للدب القطبي؟

كاد المصوّر غوردون بوكانان أن يكون طعامًا للدب القطبي، والذي كان يعمل على تصويره من أجل أحد الأفلام الوثائقية التابعة لشبكة الـ«بي بي سي»، ولذلك لم تكن البرودة القاسية همه الأول في ذاك الوقت.

«لم يكن أكبر دب في فصائل الدببة القطبية؛ ولكنه ما زال كبير الحجم وخطيرًا»، هكذا صرح غوردون وهو يتحدث عن تجربته مع الدب القطبي، والذي يُعرف عنه قدرته على قتل البشر، ومع أن الرعب كان واضحًا على صوت غوردون أثناء هجوم الدب القطبي عليه؛ إلا أنه واصل عمله وصوّر المشاهد معلقًا عليها بمعلومات عن هذا الدب الشرس.

شاهد الدب القطبي وهو يهجم على غوردون بين الثلوج.

أكد غوردون استعداده التام قبل بداية تصوير هذا الحيوان الخطير؛ من خلال مذاكرة كل ما يخص طباع الدب حتى يشعر بالثقة وهو قريب منه، ورغم التزامه بكتيب الإرشادات الخاص بتلك  الفصائل من الدببة؛ إلا أنه لم يكن مرحبًا به في هذا اليوم؛  حيث توتر الدب وبدأ يعلن عن انزعاجه من تواجد غوردون قريبًا منه بعدسة الكاميرا، حتى وإن كان – غوردون – في صندوق زجاجي عازل، ولكن هذا كان أول يوم في العمل فقط، وكان على غوردون التأقلم لأنه ما زال أمامه أيام طويلة من العمل بين الدببة القطبية بالنرويج.

شاهد غوردون وهو يُطعم أحد صغار الدب الأسود بعد أن تأقلم مع العائلة.

شغف غوردون واقترابه من الخطر لم ينحصر في تجربة واحدة، وقد تكون تجربة فيلم «The Bear Family and Me (عائلة الدببة وأنا)» هي الأخطر؛ حين كان على غوردون الاندماج مع عائلة من عائلات الدب الأسود لمدة عام كامل؛ حتى أصبح واحدًا منهم؛ من أجل إخراج هذا الفيلم بالشكل المثالي، والفيلم من إنتاج شبكة الـ«بي بي سي» في عام 2010.

شاهد غوردون وهو يصادق أحد الذئاب.

وأشار غوردون أن الأمر كان صعبًا في البداية، خاصة عندما ظن أنه يستطيع التعامل مع الدببة السوداء على كونها كائنات مشعرة أخرى تسير على أربع، ولكنه أكد أن الدب الأسود طباعه تختلف عن الكلاب والحيوانات الأليفة؛ له لغة جسدية مختلفة عن باقي الكائنات الحية، فعلى سبيل المثال: إذا تثاءب الدب؛ فهذا معناه أنه غضب، وإذا لعق شفتيه؛ فهذا معناه أنه يستعد للهجوم.

2- رايتشل بوتلر.. لا تسيء الظن بالقروش

«لست أنا بطلة هذه الأفلام؛ الحيوانات هم أبطال أفلامهم»، هذا ما صرحت به صانعة أفلام الطبيعة رايتشل بوتلر للإعلام، واهتمام رايتشل بالطبيعة يتمركز حول الحياة تحت البحار والمحيطات، ولذلك كانت من أحد المصورين المشاركين في فيلم «The Blue Planet الكوكب الأزرق»، والذي يعتبر من أهم الأفلام الوثائقية التي أنتجت عن الحياة البحرية.

شاهد الإعلان الترويجي لفيلم الكوكب الأزرق.

إذا كنت تعتقد أن تصوير الحياة البرية والاقتراب من الحيوانات فوق سطح الأرض؛ تجربة خطيرة ومغامرة غير مضمونة، فعليك أن تتخيل كيف يمكن لبيئة العمل أن تكون أصعب وأكثر إرهاقًا تحت سطح الماء، حيث الطبيعة التي لا تنتمي إليها، ومعدات الغطس التي تثقل الجسد، بالإضافة إلى المعدات المُخصصة للتصوير تحت الماء، تلك تجربة – كما وصفتها رايتشل – ليست بالهينة، ولكنها أيضًا تجربة تستحق المعاناة.

رايتشل مع أحد القروش. مصدر الصورة موقع إيج كونفرس. 

بمجرد أن تغطس رايتشل في عمق المحيطات، ليست فقط الكائنات البحرية، أو المياه النقية هي ما يثير شغفها؛ بل أيضًا الأصوات تحت المياه تمنحها متعة وراحة نفسية، حتى إنها سجلت هذا الصوت وعرضته على بعض الجماهير في أحد اللقاءات المفتوحة معها.

«عند تصوير أول مشهد لي تحت المياه؛ كنت أشعر بالذعر، وإذا كان أحدهم قد أخبرني أني فيما بعد ستكون متعتي هي الاقتراب من القروش والأسماك الكبيرة؛ لقلت إنه مجرد مجنون»، هذا ما صرحت به رايتشل، ووضحت أنها مثل كل البشر؛ نشأت على الخوف من القروش، والأفلام السينمائية التي تروج الصورة الوحشية عنهم، وقدموها لها – كما أكدت – وكأنها كائنات تهدف للفتك بالإنسان، ولكن هذا الخوف زاد من شغفها تجاه تلك الكائنات الضخمة المهيبة، وربما كان هذا سبب دراستها للأحياء البحرية في البداية، ومن ثم أصبحت صانعة أفلام للحياة تحت سطح البحار والمحيطات.

رايتشل تحت سطح الماء. مصدر الصورة مدونات بي بي سي.

ما أكدته رايتشل من خلال قضاء عامين متواصلين تسبح فيهم مع أسماك القرش؛ أن القروش من أكثر الحيوانات التي أساء فهمها البشر، وهي لا تنوي أي شر لأي إنسان، وأكدت أنها لم تتعرض لأي أذى في أي مرة اقتربت فيها من قرش كبير، بل بالعكس عادة ما تكون تلك الحيوانات مذعورة بسبب وجود البشر في بيئتها الخاصة وهي لا تدرك نيتهم تجاهها، وإذا تخلصت من خوفها، فهي تظل خجولة بعض الشيء.

3- مارك ماسوين وتنين كومودو صاحب الأسنان الحادة

«جلب حياة البرية إلى شاشة تلفازك بالمنزل؛ يتطلب الكثير من العمل والموهبة» هذا هو رأي مصوّر أفلام البرية مارك ماسوين عن صناعة تلك النوعية من الأفلام الوثائقية، وشارك مارك في تصوير فيلم «Planet Earth (كوكب الأرض)»، وفيلم «Human Planet (كوكب  آدمي)»، وحصد العديد من الجوائز على إنجازاته في التقاط مقاطع نادرة من حياة البرية، وعُرف عن مارك في هذا المجال؛ قدرته المميزة على الاقتراب من حيوانات يصعب على الكثير تصويرها.

مارك وفريق عمله.

من أكثر المهام الصعبة التي نجح مارك في تنفيذها، هي تصوير تنين كومودو، وهو حيوان ينتمي لفصيلة الزواحف، ويتميز بشراسته وأسنانه الحادة مثل سكين تقطيع اللحوم، فعضة واحدة منها قادرة على قضم أحد أطراف الإنسان، كان غرض مارك – كما صرح – هو منح المشاهد متعة الترحال مع جميع الحيوانات مهما كانت خطورتها، وقد وصف تجربته مع تنين الكومودو بالتجربة الخطيرة؛ نظرًا لقدرة هذا الحيوان على الركض بسرعة متساوية مع سرعة الإنسان في الركض، فلولا أن هذا الحيوان لم يكن ينوي إيذاءهم؛ ما كانوا نجوا من أسنانه.

مارك بجوار تنين كومودو. مصدر الصورة موقع تربن ترافيل.

من التجارب التي أرهقت مارك – وفقًا لتصريحاته – هي المهمة التي كُلف بها لتصوير الشمبانزي في الكونغو، والمشكلة لم تكن في تصوير هذا الحيوان، بل كانت في العثور عليه، لمدة ثلاثة أيام انتظر فريق العمل ظهور الشمبانزي، ولم يكن الانتظار هو المشكلة الوحيدة، بل أحد فصائل النحل التي تتغذى على عرق الإنسان، وتعتبره شهيًا بسبب ملوحته، ومطاردة هذا النحل لهم – كما وصفها مارك – أصابتهم بالجنون المؤقت.

4- جون أيتشيسون.. تظنه ودودًا ويظنك طعامه

«تصوير حياة البرية لا يتطلب الشجاعة فقط؛ بل إن الصبر جزء مهم من تلك الوظيفة»، هكذا صرح مصوّر الحياة البرية جون أيتشيسون وهو مدير تصوير فيلم « Planet Earth (كوكب الأرض)»؛ واحد من أهم الأفلام الوثائقية التي اهتمت بتوثيق الحياة البرية لكوكب الأرض وقد حصد الفيلم ما يزيد عن خمس جوائز Primetime Emmy، والتي تُمنح للأعمال المميزة في مجال التلفزيون، وحصد جون وحده جائزة التليفزيون البريطاني لأحسن مصوّر في عام 2016.

على مدار 20 عامًا جاب جون العالم؛ بغرض تصوير الحياة البرية لأكثر من قناة وجهة منتجة، وفي تلك الرحلة الطويلة حول العالم؛ واجه جون العديد من الصعاب والمخاطر، وتعلم الكثير أيضًا عن الطبيعة، والتي ساهمت في تكوين شخصيته – كما أكد – فقد كان لحياة البرية تأثير كبير على نفسه، ولأن تلك الرحلة تستحق المشاركة، كتب جون كتاب « The Shark and the Albatross القرش والقطرس».

مصوّر الحياة البرية جون أيتشيسون. مصدر الصورة موقع بينترست.

والكتاب عبارة عن لقاءات المخرج مع الحياة البرية في جميع أنحاء العالم، وقد اختارته «الجارديان» واحدًا من أفضل كتب الطبيعة في قائمة كتب عام 2015، وبعض النقاد وصف هذا الكتاب بكونه «أغنية حب» لكل الأماكن التي تصادق جون مع كائناتها ومررها إلى باقي العالم من خلال عدسته، مثل الصين التي قدمها بشكل مختلف ومميز من خلال فيلمه «wild China الحياة البرية للصين».شاهد جزءًا من فيلم الحياة البرية للصين من هُنا.

وعلى عكس كل المصورين الشباب الذين أشاروا دومًا إلى أن تلك المهنة تحتاج الشجاعة أكثر من أي شيء آخر؛ فإن جون أكد من خلال كتابه أن الشجاعة وحدها لا تكفي؛ الصبر اللانهائي مهم جدًا، وقدرة جسد المصور على التأقلم في درجات الحرارة صعبة التحمل، والقدرة على تحمل البُعد عن الأسرة والأصدقاء لمدة قد تصل إلى عام كامل، وقوة النظر وسرعة التصرف، واحترام الحيوانات الشرسة والمهيبة، مؤكدًا «أن ما تظنه ودودًا؛ يظنك طعامه»، هذا الكتاب يعتبره الكثير من المصورين كتيبًا إرشاديًا لكل شخص يتمنى أن ينضم لهذه المهنة.

5- بول نيكلن.. وصورة الدُب الحزينة

الضغوط التي يتعرض لها فريق عمل أفلام البرية؛ لا تتوقف عند الضغوط المادية والجسدية، بل إن الضغط النفسي من أهم التحديات التي يواجهها مصورو البرية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي يمر بها كوكب الأرض، والتي تمارس قسوتها على الحيوانات قبل البشر، وهذا ما حدث في بداية الشهر الحالي ديسمبر (كانون الأول) حين انتشر مقطع فيديو لدب قطبي يموت جوعًا في كندا.

«وقف فريق العمل كاملًا؛ يبكي دون توقف بمجرد أن بدأنا تصوير هذا الدب المُحتضر» هذا ما صرح به المصوّر بول نيكلن عن تجربته في تصوير هذا الدب القطبي، مؤكدًا أن الدموع كانت تنهمر انهمارًا غزيرًا على وجهه؛ لما يعاني منه هذا الدب المُحتضر؛ بسبب التغيرات المناخية التي تمنعه من الوصول إلى طعام مناسب له. تلك اللقطات التي أطلق عليها الإعلام «محطمة للروح» .

المصور بول نيكلن في أحد الأماكن الباردة والتي اعتاد على التصوير فيها. مصدر الصورة موقع مينز.

بول من المصورين الذين اعتادوا التصوير في الأماكن شديدة البرودة، وأصيب من قبل – وفقًا لتصريحاته – بالـ«hypothermia انخفاض شديد في درجة حرارة الجسم»، ولكن هذا لم يوقفه من قبل عن عمله، ولم يؤثر على ثباته الانفعالي، ورغم قسوة ما يمكن أن يتعرض له مصور اعتاد الأماكن الثلجية؛ إلا أن رؤية هذا الدب وهو يتضور جوعًا ويبحث عن الطعام في المخلفات التي يقابلها في طريقه؛ كانت – كما أكد بول – الأقسى على الإطلاق.

المصادر

تحميل المزيد