على وقع هتافات «بيروت شيعية» احتفل أنصار «حزب الله اللبناني» بنتائج انتخابات نيابية جرت في لبنان يوم السادس من مايو (أيار) الحالي، فهذه النتائج الأولى من نوعها مكنت حزبهم وحلفاءه من حصد أكبر مقاعد في البرلمان، والبالغ عددها 128 مقعدًا، وذلك على حساب تراجع مقاعد ـ«تيار المستقبل»، المحسوب على سنة لبنان.

وبالرغم من أن قانون لبنان الانتخابي لن يسمح بتغيير نظام المحاصصة المعهود، إلا أن انعكاسات عدة على المستوى الداخلي والدولي، ستغير الخارطة السياسية مع لبنان بعد هذا الفوز، وسيحاول هذا التقريرـ أن يشرح ذلك، بعد أن تحدث «ساسة بوست» مع مجموعة من المحللين اللبنانين والعرب في السطور التالية.

حزب الله حقق هدفه.. «شعبية شرعية»

في أول انتخابات تعقد منذ عام 2009 في لبنان، تغيرت النتائج المعتادة لهذه الانتخابات، وخرجت النتائج الأولية خلال الساعات القليلة الماضية لتؤكد على أن «حزب الله اللبناني» هو المستفيد الأكبر مما أفرزته الانتخابات، بعد تمكنه مع حليفه رئيس البرلمان، «نبيه بري»، من حصد معظم مقاعد التيار الشيعي.

وبما أن النظام الانتخابي اللبناني قائم على المحاصصة الطائفية، فالمراكز المهمة تتم بناء على التمثيل الطائفي: فالرئاسة للطائفة المارونية. ورئاسة البرلمان للشيعة. ورئاسة الوزراء للسنة. ورغم أن فوز حزب الله لن يغير من هذا الترتيب، إلا أن هناك تغيرات أخرى سيفرضها فوز الحزب، والذي سيعمل بشكل عاجل على تأكيد قوته في القضايا التي تهمه.

وللوقوف على طبيعة هذه التغيرات تحدث «ساسة بوست» للمحلل السياسي «علي حيدر»، والذي أكد أن هذا الفوز رسالة للداخل اللبناني، ومحاولة لتحصين جبهة الحزب الداخلية، قبل أن يكون رسالة من الحزب لأطراف خارجية؛ فالحزب بالنتائج التي حققها، وبالوجوه التي دعهما، مثل: جميل السيد، وإيلي الفرزلي، يريد أن يقول: إن هذه الحاضنة الشعبية – التي يُشاع أن الحزب خسرها – ما زالت تعطيه التأييد والمبايعة حتى يكمل خط سيره، ويضيف: «حزب الله هو الحاكم في لبنان، وهو ليس بحاجة إلى نواب كي يحكم، لكن إجمالًا هناك رغبة قوية من الحزب أن يؤكد بأن التململ منه داخل الطائفة الشيعية ليس موجودًا، بل – بالعكس – أعطاه هؤلاء أصوات بكمية كبيرة جدًا، وأن خصوم الحزب في الجنوب لن تستطيع أن تحصل ما حصله».

ماذا تعرف عن المعارضة الشيعية ضد «حزب الله» في لبنان؟

ويمضى «حيدر» قائلًا: «لم يكن الحزب بحاجة لأكثر مما لديه من نواب سابقين، كما أسلفت؛ بدليل أن أحدًا من هؤلاء النواب أو غيرهم – من أقصى المعارضين للحزب، وصولًا لمن كان يطرح نفسه كبديل عن الحزب (المجتمع المدني) – لن يتطرق خلال الحملة الانتخابية لسلاح الحزب، أو لتدخله في الحرب السورية؛ فالجميع كان يسير تحت سقف اللعبة السياسة، والخطوط الحمراء التي رسمها حزب الله». وفيما يتعلق باحتمال مشاركة «حزب الله» بالحكومة اللبنانية بشكل أكبر من السابق، يوضح «حيدر» أن «خطاب نصر الله يقول إنه سيشارك، لكن الحزب يوقن أنه إذا شارك، فسيدفع الثمن، بدليل ما حصل مع حركة (حماس) في فلسطين، حين تحولت من حركة مقاومة إلى سلطة؛ مما يعني أن الحزب سيفقد الهامش الموجود بين السلطة والمقاومة».

أنصار حزب الله يحتفلون بالفوز (المصدر : رويترز)

ويتساءل «حيدر»: هل سيلغي الحزب هذا الهامش، ويصبح واضحًا في سيطرته السياسية، يجيب: «يجب علينا أن ننتظر تشكيل الحكومة، لكن أتوقع أن يكون الحزب أذكى من دخول هذه المعمعة، لكنه سيدفع بنوابه لممارسة القليل من الشد؛ لإظهار أن الحزب مهتم بالملف اللبناني الداخلي».

ويعتبر «حيدر» أن من مصلحة الحزب ألا يملك السلطة السياسية؛ حتى لا تتم محاسبته إذا استلمها. ولذلك يتوقع أن الحزب لن ينجز في الملف الداخلي اللبناني، ويوضح: «الحزب آخر همه أن ينجز في الداخل، بل همه أن يستخدم الشعبية الداخلية؛ ليؤكد على وجود توافق شعبي على سلاحه؛ وبالتالي يمتلك الشرعية الشعبية، حتى لو كانت صورية، ويمتلك السلطة التي أخذها بقوة السلاح».

ويتابع الخبير اللبناني القول: «الحجم الذي وصل له هذا الحزب أكبر من حجم لبنان؛ فهو يستلم الملف السياسي في العراق، وهو لاعب إقليمي بارز على الساحة السورية واليمنية، وهذا الفاعل القوى يريد شعبية شرعية في محله، لكن بالأساس الانتخابات تخص الداخل اللبناني، لتأكيد أن الحزب يملك القرار السياسي والأمني والعسكري في لبنان».

المجتمع الدولي.. هل هي إعادة خلق لتجربة «حماس» بلبنان؟

تزيد الديناميات الإقليمية الأبدية في منطقة الشرق الأوسط أمور لبنان تعقيدًا؛ فلبنان يرتبط بالمجتمع الدولي ارتباطًا كبيرًا؛ إذ إنه بلد يعتمد على المانحين الدوليين، وهو البلد الأكثر دينًا مقارنة مع الدخل القومي العام؛ لذلك كان لبنان حريصًا دائمًا على تجنب أن تكون الحكومة فيه تابعة لحزب الله؛ المصنف في غالبية الدول الغربية كـ«منظمة إرهابية».

مواطن لبناني ينتخب ( المصدر : الجزيرة)

لكن الغالبية التي حققها الحزب في الانتخابات الأخيرة قد تضع بلاد الأرز أمام تحدٍ جديد ناجم عن وصول الحزب للحكم في هذا البلد بهذه الصورة الكاسحة في النجاح. يقول أستاذ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في الجامعة اللبنانية، خالد العزي: «إن فوز حزب الله بعدد معين من المقاعد بالتحالف مع حلفائه، وبالتالي الفوز في المقاعد، لا يعني السيطرة على الدولة والسياسة اللبنانية، بالرغم من وجود سلاح يمتلكه؛ وذلك لأنه يوجد لدى القوى الأخرى كتل وازنة في البرلمان لا تزال تملك القدرة العمل على التوازن داخل مؤسسات الدولة».

«ذي أتلانتك»: اكتسح 26 مقعدًا من أصل 27.. ما سر انتصار حزب الله في الانتخابات؟

 ويوضح العزي: «بالتالي تركيب لبنان من مكونات طائفية ومذهبية لا يمكن لحزب الله السيطرة عليها ببساطة، دون الموافقة العربية والدولية على توكيل الحزب بهذه المهمة، بالرغم من الدعاية الإعلانية الانتخابية التي يمارسها حزب الله بين مناصريه لشد العصب بعملية الربح من خلال عدة مقاعد نيابية، وهذه حالة طبيعية؛ لأن التوازنات هي التي تفرض نفسها في قيادة الدولة».

«سعد الحريري» و«حسن نصر الله» (المصدر : أف ب)

ويؤكد «العزي» أن «التأثير الخارجي سيكون فقط من خلال العقوبات الجديدة القادمة على لبنان، وهذه الحالة لن تساعد حزب الله في التمرس بسياساته الحالية؛ لأن هذه الحالة ستكون مصيبة عليه وعلى أنصاره وعلى الكتل الأخرى»، ويتابع أستاذ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في الجامعة اللبنانية القول لـ«ساسة بوست»: « وبالتالي سيعمل الحزب أكثر على إظهار التعاون مع الكتل الأخرى من أجل تسيير وضع لبنان الاقتصادي والاجتماعي، ولكي يظهر حسن النية للمجتمع الدولي».

«اللوبي السعودي» في لبنان لن يستكين

«فرحة بيروت غصة في حلق السعودية»، هكذا عنونت وكالة «فارس» الإيرانية أخبارها على فوز حزب الله في الانتخابات اللبنانية على حساب «تيار المستقبل» الذي يقوده «الحريري»، رجل السعودية في لبنان ضد حزب الله وإيران.

الحريري مع الملك السعودي

لم يكن الخبر الوحيد الذي يظهر الشماتة في المملكة العربية السعودية؛ إذ كانت غالبية وسائل الإعلام الإيرانية على نفس المنوال، والذي أكد على أن فوز «التيار الشيعي» في لبنان سيمثل ضربة موجعة لخصوم طهران في المنطقة، كذلك تحدثت وسائل الإعلام اللبنانية عما أسمته بـ«الانكفاء السني» عن التصويت، ونقلت عن مقربين من تيار «المستقبل»، والمحسوب على سنة لبنان، قولهم إن ما حصل في مركز ثقل الحريري «انتحار جماعي».

وترجع هذه الخسارة – في نظر العديد من المحللين – إضافة إلى الانقسامات الداخلية في صفوف سنة «تيار المستقبل» إلى المواقف التي اتخذت من قبل السعودية: كإجبار الحريري على تقديم استقالته؛ وهو ما أدى إلى تراجع عدد المقاعد المؤيدة له في البرلمان.

بعد الفتنة بين المسيحيين والشيعة في لبنان.. فتش عن سفير السعودية «وليد اليعقوب»

يقول أستاذ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في الجامعة اللبنانية، خالد العزي: «إن السعودية لم تتدخل في الانتخابات اللبنانية، ولم تدفع أموالًا؛ وبالتالي خُرقت الكتلة السنية الانتخابية في لبنان لصالح حزب الله»، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «انتشار المال الانتخابي، والذي غاب هذا المال عن مناصري تيار المستقبل الذي أدى بدوره إلى ابتعاد الناس عن العادة القديمة التي كانت سائدة في العملية الانتخابية».

وبالرغم من أن هذه النتائج ستؤدي إلى خفض السعودية لتطلعاتها في لبنان، خاصة أن التحالف الشيعي الذي يضم حزب الله وحركة أمل، حصل نصف المقاعد البرلمانية؛ مما رجح كفة ميزان القوى لصالح إيران، لكن يتوقع المراقبون أن لا تنتهى معركة السعودية في لبنان؛ إذ سيعمل ما يسمى بـ«اللوبي السعودي» على التدخل في شؤون لبنان لمجابهة التدخل الإيراني، خاصة أن القانون الانتخابي الجديد يتيح انقسام البرلمان اللبناني إلى تحالفين: الأول بقيادة الحريري، والآخر تحت إشراف حزب الله.

رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري (المصدر : رويترز)

يقول الصحافي والباحث في العلوم السياسية، إسماعيل حمودي: «إن النتائج لن تكون ذات تداعيات كبيرة على داخل لبنان بحكم التقسيم الطائفي، فمع تراجع تيار المستقبل في بعض الدوائر الانتخابية، سيظل القوة الأساسية والممثل الرئيس للسنة؛ وهذا يعني أن تشكيل الحكومة ستكون من مسؤوليته»، وأضاف: «لكن الأهم أن النتائج لم تعاقب حزب الله، بل كانت لصالحه، ولصالح حلفائه داخل كل التيارات، وهو انتصار سياسي بدلالات كبيرة».

ويبين حمودي الذي عاد لتوه من لبنان إلى المغرب أنه «من بين إحدى دلالاته أن اللبنانيين باحتضانهم حزب الله، فهم يرفضون الأجندة السعودية في لبنان بسبب أنها إقصائية تجاه حزب الله، فقد فشلت السعودية في إلحاق هزيمة انتخابية بحزب الله.

ويتوقع «حمودي» أن يستمر الوضع الحالي بمعنى المواجهة السياسية الشاملة بتنسيق أوضح بين إسرائيل والسعودية في المرحلة القادمة، لكنه يستبعد أن تتطور المواجهة السياسية إلى حرب، بسبب مكسبين حققهما الحزب: انتصار سياسي في الانتخابات، والتطورات في سوريا.

«الحال كما هو عليه» مع إسرائيل

تنظر دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى لبنان كمركز تأثير ونقطة توتر لها مع إيران، يدعمها حزب الله اللبناني، ولذلك اهتم المسؤولون الإسرائيليون بنتائج الانتخابات اللبنانية، وكانوا أول من عقب على فوز حزب الله فيها.

ويتوقع المحللون الذين تحدث إليهم «ساسة بوست» أن حزب الله بعد حصده هذا الفوز لن يغير من سياساته تجاه إسرائيل، حتى لو حصل على نائب واحد، وهذا أيضًا ما يتفق عليه المحللون الإسرائيليون الذين اعتبروا أن هذه النتائج، وإن تخوفت منها الإدارة السياسية في إسرائيل، لكنها لن تحدث تغيرًا في الوضع القائم، ولن يكون لها تأثير على الجبهة الشمالية، طالما أن إسرائيل تقوم بجر إيران لحرب مفتوحة في سوريا، وهذا هو الأهم الآن.

ويوضح محلل الشؤون الأمنية في صحيفة «معاريف»، يوسي ميلمان، أن «ما كان هو ما سيكون، لقد عزز حزب الله وحلفاؤه من قوتهم قليلًا، لكن التوجهات التي ميزت المجتمع اللبناني ستبقى على ما هي عليه، وتوزيع النواب في البرلمان اللبناني وصلاحيات كل من الرئيس ورئيس الحكومة ستبقى محكومة بالقانون اللبناني من العام 1946، بإضافة التغييرات التي أضيفت على القانون، وهو تقاسم بين المسلمين والمسيحين والشيعة والدروز»، ويتابع القول: «بالاستناد إلى تقديرات للجهات الاستخبارية، فإن حزب الله لن يسارع بعد فوزه وإنجازاته الانتخابية إلى تسخين الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، لكن ينبغي عدم الركون إلى ذلك، ففي حال تلقى الحزب أوامر مغايرة من إيران، فمن شأنه أن يضطر للعمل ضد إسرائيل».

من جانبه، يوضح الصحافي والباحث في العلوم السياسية، إسماعيل حمودي، أن إسرائيل أيضًا فشلت في لبنان، مستشهدًا بتصريح أحد وزراء الحكومة الإسرائيلية، وعضو المجلس الأمني المصغر الذي قال بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، أن الحزب أصبح يساوي الدولة في لبنان (الحزب = الدولة)، وأن أي حرب مقبلة يجب أن لا تفرق بينهما، ويوضح لـ«ساسة بوست» أن هذا يكشف أن إسرائيل بدورها كانت تراهن على الانتخابات لمعاقبة حزب الله؛ فحدث العكس، ومعلوم أن إسرائيل كانت تراهن دائمًا على عزل حزب الله داخل لبنان، لكن عملية الاحتضان تؤكد أن هذا الرهان فشل، وهي صفعة قوية لها كذلك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد