ترجمة: الخليج الجديد 

إن أهم جوانب الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران في الوقت الراهن من وجهة النظر الاقتصادية هو أنه يمكن أن تجد احتياطيات إيران الضخمة من النفط الخام طريقها إلى بقية العالم. بمجرد أن تخفف أوروبا والولايات المتحدة من القيود والعقوبات، سيكون بمقدور إيران زيادة إنتاج النفط الخام والصادرات، والتي أدت إلى تراجع أسعار النفط العالمية إلى أبعد من ذلك.

ولكن هنا يكمن مربط الفرس؛ فهذا الأمر لا يمكن أن يحدث بكامله على الفور. ومن المرجح أن يستغرق ستة أشهر على الأقل قبل أن نرى أي تأثير كبير على النفط من هذه الصفقة، وربما لفترة أطول من ذلك.

حتى إذا سارت الامور وفقا للخطة، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لن يقوما برفع العقوبات على إيران حتى عام 2016 على أقرب تقدير. وعندما يحدث ذلك، يمكن لإيران أن تبدأ في نهاية المطاف بيع حوالي ما يقرب من 30 حتي 37 مليون برميل من النفط الذي تم تخزينه حاليا في صهاريج عائمة وواسعة قبالة سواحلها. ويمكن أن يدفع ذلك بأسعار النفط إلى أسفل بشكل متواضع.

ولكن بعد ذلك؛ فإنه قد يستغرق سنوات لإيران للحصول على الإنتاج من حقول النفط المشلولة بعد عودتها إلى مستويات ما قبل الجزاءات. وتملك البلاد احتياطيات النفط الهائلة، ولكن هذا لا يعني أنها قادرة على العودة بحلول الغد.

تمتلك إيران رابع أكبر احتياطيات للنفط في العالم، ولكن العقوبات شلت الإنتاج

وترقد إيران على نحو 158 مليار برميل من النفط الخام، رابع أكبر الاحتياطيات المؤكدة في العالم. ولكن بفضل عدد كبير من العقوبات من جانب الولايات المتحدة وأوروبا في السنوات الأخيرة، بهدف الضغط على إيران بسبب برنامجها النووي، انخفضت إنتاجية حقول النفط في البلاد إلى مستوى خطير، مدفوعة بنقص الاستثمارات.

ومرة أخرى في عام 2008، أنتجت إيران نحو 4 ملايين برميل من النفط يوميا. وبحلول شهر مايو/أيار عام 2015؛ كان قد تراجع إلى 2.8 مليون برميل يوميا. (ولتوضيح الصورة، يستخدم العالم بأسره نحو 90 مليون برميل من النفط يوميا، لذلك تبدو هذه الكمية معتبرى).

لدى إيران حاليا 30 مليون برميل من النفط المخزن في البحر

وعلاوة على ذلك، فإن إيران تواجه مشكلة في بيع النفط الذي لا تزال تضخه، وخاصة بعد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات في عام 2012 تمنع شركات التأمين من حماية السفن التي تحمل النفط الإيراني.

وانخفضت صادرات إيران من 2.6 مليون برميل يوميا في عام 2011 الى 1.4 مليون برميل يوميا في عام 2014، وتتجه المبيعات بشكل رئيسي إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا.

وقد دأبت إيران على تخزين الكثير من النفط الذي لا يمكن تصديره على ناقلات عائمة ضخمة قبالة سواحلها. وتشير معظم التقديرات أن لديها حوالي ما بين 30 – 37 مليون برميل في مخازنها، نصفها تقريبا نفط خام والباقي على هيئة مكثفات.

وهذا، من الناحية النظرية، ينبغي أن يكون الأثر الأول من وراء صفقة إيران. فحالما يتم رفع العقوبات، فإن هذا النفط المخزن يمكن بيعه. والسؤال الرئيسي هو كيف يتأتى لكل هذا أن يحدث بسرعة.

لن يتم رفع العقوبات قبل ستة أشهر على الأقل

لذلك الآن تأتي الصفقة النووية الأمريكية، والتي بمقتضاها تتخلى إيران عن الجزء الأكبر من برنامجها النووي في مقابل تخفيف العقوبات. ومن الناحية النظرية، يسمح هذا لإيران بزيادة صادرات النفط والإنتاج.

ولكنها سوف لن تكون كذلك على الأقل قبل ستة أشهر حي يتم رفع العقوبات بالصورة المأمولة عن طهران، وحتى هذا قد يكون متفائلا. ويوضح «ريتشارد نيفيو»، وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية شغل منصب خبير العقوبات الرائدة للفريق الأمريكي المفاوض مع إيران، الجدول الزمني هنا:

أولا: يتضمن الاتفاق إجراءات واسعة النطاق للتحقق من الدعم التشريعي المحلي والهيئات القانونية الأخرى لذلك. وفي نظام الولايات المتحدة؛ سوف يستغرق 30 – 60 يوما على الأقل، في الوقت الذي سيحتاج فيه الكونجرس للحصول على نص الاتفاق، وعقد جلسات استماع حول ذلك، وتقرير ما يجب القيام به.

وثانيا: فإن التنفيذ سوف يستغرق شهورا. قائمة الخطوات النووية الإيرانية طويلة، وكما هو مناسب بالنظر إلى الطرف الذي في حاجة إلى بناء معظم الثقة. لقد لاحظت منذ فترة طويلة أن إزالة وتخزين أجهزة الطرد المركزي سوف تكون الساري الأطول في خيمة التوقيت، ولا شيء في النص يعارض ذلك. وبناء على الجدول الزمني في الوثيقة، كل هذا العمل لن يبدأ حتى بعد 90 يوما من اليوم (نهاية أكتوبر / تشرين الأول)، وسوف يستغرق شهورا من تلك النقطة ليتحقق التنفيذ الكامل للتغييرات المتبقية للبرنامج النووي الإيراني.

ثالثا: لن تسير عملية تخفيف العقوبات حتى يتم الانتهاء من الخطوات النووية. وستكون هناك اجتماعات ورحلات عمل من قبل الشركات التجارية وشركات الاستثمار وشركات النفط، بل ومن المحتمل أن تنشط العقود المبرمة (التي لم توقع حتى يدخل الاتفاق حيز التنفيذ). ولكن، إذا كانت هذه الخطوات مضادة لخط العقوبات، فقد بدا من الواضح أن إدارة «أوباما» ستضطر للعمل. وخلاصة القول أن إيران لن ولم تتمكن من الحصول على أي مساعدات دون أن تنجز الجزء الخاص بها من الصفقة.

لذا لا ينبغي على إيران أن تتوقع تخفيف العقوبات حتى النصف الأول من 2016، وربما في وقت لاحق من ذلك، في حالة أن التنفيذ نتهى بعدم تورطها في أي إجراء لنزع الثقة أو نزاعات أخرى.

وحتى بعد رفع العقوبات، سيكون على إيران  أن تكافح من أجل زيادة الإنتاج

حالما يتم رفع العقوبات، فإنه سيكون لدى إيران العديد من الخيارات.

أولا: يمكنها البدء في بيع هذه الكمية من المخزن في ناقلات بحرية. وربما لا ترغب إيران في  تفريغ كل هذا المخزون في وقت واحد (حيث أن ذلك قد يسبب تهاوي الأسعار)، ولكن وكالة الطاقة الدولية تقدر أنه يمكن أن تبيع حوالي 180 ألف برميل يوميا لمدة ستة أشهر.

تلك المبيعات من شأنها أن ترفع إمدادات النفط العالمية بشكل متواضع، على الرغم من أنه من غير المرجح أن تنعكس أسواق النفط من تلقاء نفسها. (ومع ذلك، قد نرى دول أخرى تزيد من إنتاجها استجابة لهذه المبيعات، كما أنهم يناضلون للحفاظ على حصتهم في السوق. ومن شأن ذلك أن يدفع الأسعار إلى الانخفاض أكثر).

وبعد ذلك، سوف تحاول إيران على الأرجح تعزيز الإنتاج في بعض الحقول الحالية، على الرغم من أنه من غير الواضح مدى إمكانيته. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إيران سوف تكون قادرة على زيادة إنتاج النفط من مستواه الحالي البالغ 2.8 مليون برميل يوميا إلى نحو 3.5 مليون برميل يوميا «في غضون أشهر من رفع العقوبات».

ولكن «نيفيو» أعرب من جهته، عن تشككه أن إيران يمكنها أن تكثف الإنتاج بهذه السرعة. ويقول إن إيران تمتلك «حقول مستنزفة ومعدات عتيقة». وفور توقف الضخ في حقل، فليس من السهولة تبديل الوجه وتشغيله مرة أخرى. وحسب بعض التقديرات، فان إيران بحاجة إلى ما بين 50 إلى 100 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية لاستعادة الإنتاج مجددا ورفعه إلى مستويات ما قبل فرض العقوبات. ويمكن للأمر أن يستغرق سنوات.

وما هو أكثر من ذلك، على حسب قول «نيفيو»، أنه من المحتمل أن يكون المستثمرون الأجانب حذرين بشأن سرعة الدخول إلى إيران. «إيران نفسها بيئة صعبة للعمل فيها»، على حد قوله. «البيروقراطية الإيرانية هائلة وسوف يكون إنجازا حقيقيا إذا كانت الحكومة الإيرانية قادرة على التحرر من إغراء شركات النفط الدولية وغيرها لجعل العملية أقل إيلاما».

بالإضافة إلى ذلك، هناك دائما خطر بشأن احتمالية فشل الاتفاق النووي، ومن ثم عودة الولايات المتحدة وأوروبا لفرض العقوبات: «عودة العقوبات تمثل تهديدا حقيقيا، وسوف تُنصح الشركات بتصميم عقودها مع إيران نتيجة لذلك. الشركات والبنوك التي تطور العلاقات التجارية في إيران تحتاج إلى أن تكون على استعداد للإخلاء الفوري إذا تم الكشف عن غش إيراني».

خلاصة القول: تعتقد وكالة الطاقة الدولية أن إيران يمكن أن تعود إلى إنتاج 4 ملايين برميل من النفط يوميا، على المستوى الذي كانت عليه في عام 2008، بحلول نهاية هذا العقد. ويريد وزير النفط الإيراني «بيجان نامدار زانجانه» لبلاده أن تستأنف مركزها كثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية (البقعة المحتلة حاليا من قبل روسيا). ولكن هذا بعيدا عن التأكيد، ويمكن أن يكون هناك بسهولة سقطات على الطريق.

ما الذي يعنيه المزيد من النفط الإيراني بالنسبة للولايات المتحدة؟ انخفاض أسعار الغاز … ربما

إذا كان يمكن لإيران زيادة الإنتاج النفطي في السنوات المقبلة، فإن هذا من شأنه أن يضع ضغطا هبوطيا على أسعار النفط العالمية، والتي بدورها يمكن أن تكون مشكلة كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة.

وانخفضت أسعار النفط الخام العالمية بالفعل من 115 دولار للبرميل في يونيو/حزيران 2014 إلى حوالي 58 دولارا للبرميل. إن انهيار الأسعار، بدوره، دفع إلى خفض أسعار البنزين وجعل القيادة أرخص بالنسبة للأمريكيين، وتم توفير الكثير من المبالغ التي تُنفق على أمور أخرى.

على الجانب الآخر، قلص انخفاض الأسعار أيضا شركات النفط الامريكية العاملة في مناطق الصخر الزيتي عالي التكلفة مثل نورث داكوتا وتكساس. وخلال العام الماضي، كان هناك رد فعل واستجابة من معدات الحفر لانخفاض الأسعار تمثلت في خفض التكاليف وتحسين الكفاءة بشكل مطرد، واستقر إنتاج النفط في الولايات المتحدة بشكل مدهش. لكن المنافسة الطازجة من إيران ستجعل هذه المهمة أكثر صعوبة.

ويتردد أن قصة إيران من المرجح أن تتكشف على مدى عدة سنوات، إن ذلك لن يحدث على الفور. وهناك من يقول إن أسعار النفط لن تتراجع في اليوم التالي لإعلان الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران. تفسير واحد هو أن التجار كانوا يتوقعون التوصل إلى اتفاق لعدة شهور وبالتالي حددوا الأسعار. ولكن تفسير آخر هو أن الأمر سيستغرق وقتا أمام النفط الإيراني لكي يصل إلى السوق، وأنه لا شيء مضمون حتى الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد