ميرفت عوف 6
ميرفت عوف 6

4,701

في معارك درعا الأخيرة، ارتدى عناصر من الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، وعناصر من حزب الله اللبناني الزي الرسمي لجيش النظام السوري، وخاضوا المعركة بهذا الزي في محاولة لتضليل قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل (قوة أندوف).

هذه المراوغة لم تمر على إسرائيل التي بدأت تظهر موقفًا جديدًا لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، يتمثل في قبولها بل تفضليها أن يبقي رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وقواته في السلطة وعلى الحدود معها مقابل إخراج القوات الإيرانية من سوريا، وتعود هذه التحركات في هذا الوقت بالتحديد لتقدير المنظومة الأمنية الإسرائيلية بأن النظام السوري بمساعدة حلفائه سيستعيد السيطرة على معظم الأراضي السورية بحلول نهاية عام 2018، ويتمخض هذا الوضع عن التغييرات الإقليمية والدولية التي أحاطت بالقضية السورية، وأهمها وقف دعم المعارضة السورية.

إسرائيل.. الأكثر انفتاحًا تجاه الأسد

«لم تكن لدى إسرائيل مشكلة مع أنظمة الأسد، فطوال 40 عامًا لم تطلق رصاصة في هضبة الجولان، والأمر المهم هو الحفاظ على حريتنا في العمل ضد أية جهة تعمل ضدنا»، هذا ما قاله رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موسكو بعد تلبيته دعوة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لمشاهدة مباراة نصف النهائي في كأس العالم.

بوتين ونتنياهو

وفيما كان الهدف الرئيس من هذه الزيارة بحث المخاوف الإسرائيلية من التمدد العسكري الإيراني في سوريا، يتحدث الإسرائيليون عن احتمال أن صفقة بقاء الأسد قد تمت، على الأقل بين نتنياهو وبوتين. تقول المراسلة السياسية في صحيفة هآرتس، نوعا لانداو: «يبدو أن الصفقة الآخذة في التبلور في السنوات الأخيرة بين روسيا وإسرائيل أوضح الآن أكثر من أي وقت مضى: بوتين لا يمنع حرية عمل إسرائيل في سوريا، ويبعد عن الحدود الشمالية النفوذ الإيراني. وإسرائيل من ناحيتها لا تعيق عودة الأسد بهدوء إلى الحكم».

وتتابع لانداو القول في مقالها «بـقـاء الأسـد مـقـابـل إبـعـاد إيــران»: «الروس أبعدوا فعليًّا الوجود الإيراني من جنوب سوريا، (عشرات الكيلومترات)، لكن إسرائيل ما زالت تطلب انسحابًا كاملًا. إضافة إلى ذلك، إسرائيل تريد أن يحافظ الأسد على اتفاقات الفصل على الحدود، وأن يعود الوضع بين الدولتين إلى ما كان عليه».

«نيويورك تايمز»: لماذا قد تكون 2018 عام الحرب بين إسرائيل وإيران؟

وفي وقت كانت فيه إسرائيل لا تكف عن الحديث عن مخاوفها من تجاوز إيران الخطوط الحمراء بتدخلها المتزايد في سوريا، الأمر الذي دفعها إلى مواصلة قصف ما تعتبره مواقع إيرانية في سوريا، بدا أن هذه السياسة غير فعالة بالنسبة لإسرائيل، ولم تحقق أهدافها بممارسة أقصى الضغوط على رئيس النظام السوري لدفعه نحو طرد إيران من أراضيه، ولذلك أخذت التصريحات الإسرائيلية تنتهج دعوات واضحة تؤكد أن إسرائيل ستعمل على إبقاء الأسد في السلطة في حال إقدامه على طرد القوات الإيرانية، فقد وصل أمر هذه التصريحات التي تبنت نهجًا أكثر انفتاحًا تجاه الأسد، إلى حد أن وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، لم يستبعد في العاشر من هذا الشهر احتمال إقامة بلاده علاقة مع النظام السوري، كما قال الصحافي والمحلل السياسي، إيدي كوهين: «نحن لا عداوة ولا خلاف بيننا وبين الأسد، ونحن لن نتنازل عن الجولان. كما أننا لا نمانع أن يبقى بشار، وأن يحمي حدودنا كما كان في السابق».

وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان (المصدر: BBC)

وبالعودة إلى ما قبل تلك التصريحات، يبدو أن الحديث عن سياسة إسرائيلية جديدة بقبول بقاء الأسد هو «انطباع مضلل»، كما يصفه الباحث الفلسطيني، ماجد عزام، ويضيف: «تل أبيب لا تقبل فقط حكم الأسد، إنما هي بحالة هلع من إمكانية نجاح الثوار في إطاحته واشتعال حرب أهلية بينهم، علمًا بأن هذا ليس السبب الحقيقي، وإنما المعلن فقط كون تل أبيب تخشى من زوال حرس الحدود الأسدي والنظام الاستبدادي الذي صادر قدرات البلد»، ويشير عزام إلى «سعي تل أبيب مع موسكو أساسًا لمقايضة بقاء النظام بإخراج إيران من سوريا، ومنع انتشارها أو الميليشيات التابعة لها في المناطق المتاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة، وكعادتها حاولت الحصول على ثمن أكثر من مرة لبضاعة كانت قد حصلت على ثمنها مسبقًا من النظام الذي تحوّل إلى حارس للحدود رسميًّا منذ اتفاقية فك الاشتباك المريبة في عام 1974، التي ما زال بعض بنودها سريًّا حتى الآن».

السعودية والإمارات يدبران مقايضة.. أوكرانيا مقابل إيران

قبل يومين نقلت روسيا إلى لأسد رسالة أمريكية مفادها أن واشنطن مستعدة أن تنسحب كليًّا وبسرعة من معبر التنف، وتترك شمال شرقي سوريا في الحسكة ودير الزور؛ شرط أن تلتزم روسيا والنظام السوري بضمان انسحاب كامل القوات الإيرانية من سوريا.

بوتين مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان (المصدر: سبوتنيك)

جاء رد الأسد على هذه الرسالة التي تحمل في طياتها أهدافًا إسرائيلية بالدرجة الأولى بالقول: «إن إيران دخلت إلى سوريا بطلب مباشر من الحكومة المركزية، وستخرج من بلاد الشام بطلب من الحكومة نفسها فقط عند القضاء على الإرهاب، أما الأمريكيون فقد دخلوا من دون إذن، واحتلوا جزءًا من أراضينا، وسنعمل على إخراجهم منها. ولن تعطيكم سوريا بالسلم ما لم تحصلوا عليه خلال سبع سنوات حرب».

لم يكن هذا العرض الوحيد، فمحاولات الوصول إلى صفقة مع النظام لإخراج إيران من سوريا قائمة منذ وقت، وتدخلت فيها السعودية والإمارات، فقد كشفت مجلة «ذا نيويوركر» الأمريكية، عن اقتراح سعودي إماراتي إسرائيلي يقضى بإقناع واشنطن أن تُلغي العقوبات التي فرضتها على روسيا قبل أربعة أعوامٍ بسبب الحرب في أوكرانيا واحتلال جزيرة القرم، مُقابل أن تعمل موسكو على إخراج القوات العسكرية الإيرانية من سوريا.

وأكد تقرير المجلة أنه ليس إسرائيل فقط المعنية بتحسين العلاقات الأمريكية الروسية لتحقيق هذا الهدف، بل إن كلًّا من السعودية والإمارات قد شجعتا على التقارب بين البلدين، وحاول هؤلاء الشركاء إحياء فكرة صفقة قديمة تتحدث عن رفع العقوبات عن موسكو بخصوص تدخلها في أوكرانيا، مقابل أن تسعى موسكو لإخراج إيران من سوريا، وحسب المجلة فإن: «فكرة مقايضة أوكرانيا بسوريا أُثيرت مرة أخرى بعد تولّي ترامب منصبه، وذلك من قبل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، خلال عشاء خاص، في مارس (آذار) 2017، شمل العديد من الضيوف الآخرين».

نتنياهو مع ضباط رفيعين في جولة بالحدود الشمالية في مرتفعات الجولان (المصدر: تايمز أوف إسرائيل)

ويضيف التقرير أنه «في سبيل إغراء بوتين بالدخول في شراكة مع دول الخليج بدلًا من إيران، فقد بدأت الإمارات والسعودية بإنفاق المليارات من الدولارات على استثمارات في روسيا، كما قامت بتنظيم لقاءات عالية المستوى في موسكو وأبوظبي والرياض وسيشلز»، وتضيف المجلة أن «محمد بن زايد كان يرى أن تحريض بوتين على إيران سيتطلب رفع العقوبات المفروضة على موسكو، وهو تنازل يحتاج إلى دعم الرئيس الأمريكي».

الأسد يفضل التحرر من عناق الأسد الإيراني

«العلاقة بين بشار ونتنياهو حب دفين لا يعلمه إلا بوتين»، هذا ما قاله ذلك الباحث في مركز بيغن- السادات بجامعة تل أبيب، إيدي كوهين، لكن مقدار هذا الحب قد تعلمه أيضًا إيران، الذي ذهب منها إلى موسكو، وبالتزامن مع زيارة نتنياهو، مستشار المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، لنقل رسالة من خامنئي إلى بوتين.

الأسد مع الزعيم الإيراني، آية الله علي خامنئي (المصدر: منتدى فكرة)

قال ولايتي: «الذين يقولون إن روسيا تريد من إيران الخروج من سوريا؛ هدفهم ضرب الوحدة القائمة بين موسكو وطهران»، لكن قرأت هذه الزيارة ضمن محاولات إيران لتبديد الغموض الروسي بشأن ما يحاك لإخراجها من سوريا، فرغم أنه لا تزال قدرة النظام السوري على اتخاذ إجراءات ضد إرادة طهران مقيدة بالنفوذ العسكري والاقتصادي الإيراني في أراضيه، ورغم أن إيران تمنح الأسد درجة من الحماية ضد الأطماع الروسية، فالأسد يدرك أن تواجد قوات إيرانية في سوريا قد يتحول عليه من ذخر إلى عبء، مع احتمالية توسع المواجهة بين الطرفين في سوريا، وهو ما يعرض مستقبله للخطر.

يقول الكاتب الإسرائيلي في صحيفة «إسرائيل اليوم»، أفرايم كام: إن «النظام كفيل بتقدير أنه من الأفضل له أن يتحرر من التعلق بقوات أجنبية، ويبني استقراره ذاتيًّا، فضلًا عن أن إسرائيل تبدي استعداداها للتسليم باستمرار حكم الأسد، إذا ما أخرج القوات المرتبطة بإيران من سوريا»، ويبين الكاتب أنه «إذا توصل نظام الأسد وروسيا إلى تفاهم يقضي بإبعاد القوات التابعة لإيران عن الحدود مع إسرائيل، ستضطر إيران إلى أن تنفذ ذلك رغم نواياها المعلنة لمواصلة التواجد في هذه الجبهة».

كما يملك نتنياهو ورقةً مهمةً هي ورقة العقوبات الأمريكية على طهران، التي قد تجعل الأخيرة أكثر مرونة في تقديم التنازلات حفاظًا على نظامها الحاكم، مع التأكيد أن إيران لن تكون مطالبة في هذه المرحلة على الأقل بإخراج عموم قواتها من سوريا، بل سيكتفي بإبعادها عن حدود الاحتلال لتقليص المواجهة بين الطرفين.

هل تستطيع روسيا إخراج إيران؟

«الحل بيد روسيا»، جملة كررها العديد من المحللين، لعدة أسباب، منها أن موسكو يهمها بشدة الآن إعلان انتصار الأسد وتحقيق الاستقرار في سوريا بطريقة تجلب لبوتين السمعة الدولية، كما تريد موسكو تعزيز قبضتها على قاعدتها البحرية في طرطوس وقاعدتها الجوية في حميميم اللتين تمكنانها من دعم العمليات العسكرية المستقبلية في الشرق الأوسط.

بوتين وولايتي في موسكو (المصدر: أ.ب)

الأسباب السابقة قرأت بوصفها دافعًا لأن يكون بوتين هو صاحب المبادرة لعقد لقاء مع نتنياهو،فبلوغ تسوية سياسية نهائية في سوريا أمر من السهل أن تعرقله إسرائيل ما لم تضمن مصالحها، فروسيا لم تحرك ساكنًا تجاه الضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية في سوريا، رغم أنها تمتلك قاعدة جوية بها أجهزة راداد وصواريخ أرض جو تمكنها من التصدي لهذه الضربات.

يقول العميد سابق في مديرية المخابرات العامة الأردنية، عمر الرداد: «يرى الكثير من المحللين أن نشوب أي خلاف بين إيران وروسيا لن يصب في مصلحة الأخيرة التي ليس لديها الكثير من الحلفاء في المنطقة، إضافة إلى أن التواجد العسكري الروسي في سوريا لم يكن ليستقر دون وجود القوات الإيرانية على الأرض. ومع ذلك، وفي سياق أهداف روسيا في سوريا، فإن الاتفاق بين روسيا وإسرائيل لا يثير الدهشة، خاصة أن إيران تشكل خطرًا على استراتيجية روسيا في سوريا على المستويين العسكري والسياسي؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه روسيا لإنجاز تسوية في سوريا في إطار دولة علمانية وفيدرالية، مع الاحتفاظ بقواعدها العسكرية الساحلية، تتطلع إيران لإنجاز تسوية في سوريا تؤكد دورها الإقليمي في إطار مشروع أيديولوجي قومي فارسي ودولة طائفية».

ويوضح الرداد: «وبالتالي، من غير المتوقع أن تعمل روسيا على إزاحة إيران من المشهد السوري بشكل كامل. وبدلًا من ذلك، ستمارس روسيا المزيد من الضغوط على إيران بغية تحجيم نفوذها في سوريا، وهكذا أرسل توقف الدفاعات الروسية عن مواجهة الغارات الإسرائيلية، رسالة إلى إيران مفادها أنه بالرغم من تواجدها العسكري في سوريا إلا أن هذا التواجد بدون غطاء روسي سيبقى عرضة لمخاطر الاستهداف».

ويتضح مما سبق أن مصير سوريا «بعد نصر الأسد، يتقرر على طاولة مفاوضات بين محتلين اثنين ينسقان في ما بينهما لإخراج محتل ثالث، مما يشير إلى أن محنة الشعب السوري مستمرة بأشكال جديدة مختلفة، قد لا تكون أقل قتلًا ودمارًا مما هي عليه الآن» كما يقول الكاتب بسام مقداد.