ميرفت عوف 13
ميرفت عوف 13

922

في الطرقات الوعرة لمدينة بن قردان التونسية الحدودية مع ليبيا، رفض شاب تونسي الامتثال لإشارات الدورية العسكرية؛ فواصل القيادة بسرعة كبيرة. وحين وصل المنطقة العازلة على الحدود مع ليبيا، انقلبت سيارته واشتعلت فيها نيران المحروقات المهربة التي كان يحملها.

هذا مشهد حقيقي قد يتكرر بسبب استمرار عمليات تهريب الوقود وغيره من ليبيا إلى تونس، وبسبب مطاردة الأمن التونسي للعاملين في التهريب، ووصل الأمر لحد قول أحد السكان هناك: «أصبحنا نفكر في إنشاء مقبرة خاصة بشباب بنقردان الذين توفوا على الحدود برصاص الجيش»، وعلى أثر القرار الليبي بأخذ إجراءات وقائية صارمة ضد تهريب الوقود لتونس، تندلع منذ أكثر من شهر ونصف أزمة حدودية، إذ أخذ التجار وسكان المناطق الحدودية التونسية يغلقون معبرًا تونسيًا، ويمنعون دخول الليبيين إلى تونس احتجاجًا على وقف التهريب الذي أفرغ محطات الوقود في المدن الجنوبية التونسية من مخزونها، فيما تبقى الحكومة التونسية متخوفة من أزمة جديدة تزيد من مشاكلها الداخلية.

كيف تأثر الشارع التونسي بوقف التهريب من ليبيا؟

اصطفت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في مدينة قابس التونسية، ومرت ساعات وأيام على هذا الاصطفاف دون أمل في ملء خزانات الوقود؛ فتعطلت أعمال السكان التي تعتمد على المواصلات، فيما ضج أبناء المدينة المغتربون الذين قدموا لقضاء عطلة الصيف ومشاركة ذويهم الأفراح من «صيحات فزع» السيارات.

احتياج التونسيين للوقود يتزايد بعد إغلاق المعابر (المصدر: فرانس برس)

هذه المدينة كغيرها من مناطق الجنوب التونسي، جرجيس، ومدنين، وتطاوين، كانت تعتمد على البنزين المهرب من ليبيا، والذي شح دخوله بعد تشديد الجانب الليبي على المنافذ الحدودية، فقد قررت حكومة الوفاق الوطنيّ بطرابلس إغلاق معبر «ذهيبة – وازن» الحدودي بين البلدين للحفاظ على مقدرات الشعب الليبي كما قالت، وذلك بالتوازي مع تواصل إغلاق معبر «رأس جدير» من قبل تونسيين محتجين على القرار الليبي، ونقل عن رئيس «لجنة أزمة الوقود والغاز» الليبيّة، ميلاد الهجرسي قوله: إنه تم «رفض جميع الاتصالات المكثّفة التي جاءته من الجانب التونسي… لن نترك أرزاقنا وخيراتنا، ولن نفرّط فيها».

ويتسبب التهريب بشكل عام في خسارة الحكومة الليبية لمليار دينار سنويًا، أي ما يعادل 750 مليون دولار بسعر الصرف الرسمي، وفيما تشير التقديرات الرسمية الليبية إلى أن ما بين 30 إلى 40% من الوقود المكرر في ليبيا، أو المستورد من الخارج، يتعرض للتهريب والسرقة، فهناك ما يقارب من 25 مليون لتر بنزين يهرب يوميًا، يصل تونس وحدها أربعة ملايين لتر يوميًا من هذا البنزين، وهي كمية تغطي 40% من احتياجات السوق التونسي المحلية، ويستمر هذا الحال بسبب غياب الأمن في ليبيا بعد الثورة التي أفضت لإزالة حكم معمر القذافي في عام 2011؛ إذ لم يقتصر الأمر على مشاركة أفراد في عمليات التهريب، بل تدخلت ميليشيات مسلحة في عمليات التهريب لرفع مواردها وتوسيع نفوذها في الداخل الليبي.

كما أن التهريب من تونس إلى ليبيا ذو أثر سلبي كبير على تونس؛ إذ ينجم عن تهريب منتجات تونسية مدعومة مثل: السكر، والمعجنات الغذائية، والزيوت النباتية، والحليب، ضغط على الأسواق التونسية، هذه المواد التي ارتفعت نفقات دعمها خلال الأربع سنوات الأخيرة بنسبة 270%، يفاقم تهريبها من عجز الموازنات المالية للدولة الذي تفاقم إلى 3.7 مليارات دينار تونسي (1.6 مليار دولار) في عام 2016.

كيف يحيي التهريب من ليبيا اقتصاد الحدود التونسية؟

«أعرف عددًا كبيرًا من تجار البنزين، ومعظمهم من أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل، وهم يشتغلون في هذه التجارة الخطرة (التهريب) بسبب غياب فرص عمل دائمة»، هذا ما قاله التونسي ميلود اللافي، الذي يعيش في مدينة بنقردان القريبة من الحدود الشرقية مع ليبيا، ويضيف ميلود لـ«الأناضول»: «أعيش من التهريب، وابني سيعيش منه أيضًا».

أوعية بلاستكية لملء البنزين الليبي (المصدر: رويترز)

ميلود هو واحد من 20 ألف شخص عامل في شبكات التهريب داخل تونس يستخدمون بوابتين، هما رأس جدير وذهيبة، ويخوض هؤلاء رحلة يومية مدتها ست ساعات ذهابًا وإيابًا لتعبئة أوعية بلاستيكية بالبنزين، ثم العودة لبيعها للتجار داخل الأراضي التونسية، المهرب الواحد من هؤلاء قد جنى أرباح تقدر بـ150 دينارًا تونسيًا (يعادل 80 دولارًا)، فيما هناك من هو أكبر من عمل هؤلاء المهربين الصغار كما يسمون؛ إذ هناك فئة تعمل على نطاق كبير يعرفون بكبار المهربين، يستخدمون شاحنات كبيرة تضم عدة أوعية، سعة الواحدة منها ألف أو ألفا لتر، تتيح لهم جنى 80 ألف دولار يوميًا.

 وبالمجمل يعتاش قطاع عريض من سكان المناطق الحدودية التونسية من التهريب أو «الكونترا» كما تعرف باللهجة المحلية، حيث يعتبر التهريب مصدرًا أساسيًّا لقطاع واسع من سكان الذهيبة وبنقردان، فهم يعتبرون التهريب مهنة تؤمن حاجيات أسرهم في ظل ارتفاع معدلات البطالة في مدنهم، ويقتصر هذا العمل على الرجال؛ إذ ترفض المجتمعات الحدودية المحافظة عمل المرأة في التهريب، ناهيك عن خطورة العمل في هذا المجال الذي يتطلّب حضورًا ليليًا في مناطق جغرافية وعرة.

وقد أدى الفرق في الضغط الضريبيّ بين البلدين، واختلاف سياسة الدعم (تدعم ليبيا النفط بنحو 80%) إلى وجود كم من السلع المُهرّبة من ليبيا إلى تونس، أهمها النفط والمنتوجات الزراعية والأجهزة الكهربائية، والسجائر والخمور، والأجهزة المنزليّة، بالإضافة إلى المخدرات والأسلحة، والرائج في هذه الأيام هو تهريب المواشي بسبب اقتراب عيد الأضحى، فنسبة ما بين 20 – 25% من المواشي في الأسواق التونسية مهربة؛ مما يشكل خطرًا على الثروة الحيوانية في تونس، وتتيح الحدود البرية الممتدة بين تونس وليبيا على طول 480 كلم في جنوبها الشرقي فرصًا لتهريب هذه المواد بسهولة لحد ما، حيث يتمّ في أحيان كثيرة تحت أنظار أجهزة الدولة التي تخشى إثارة غضب الجنوبيين في حال فقدوا المنتجات المهربة.

عمليات تهريب البنزين بين تونس وليبيا (المصدر: cnn)

وتعود ظاهرة التهريب تلك إلى بداية الثمانينات، بعد قطع العلاقات التونسية الليبية بسبب أحداث «قفصة» المسلحة، وكبرت تلك الشبكات مع وصول الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي إلى السّلطة، وعودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، ومع الحظر الاقتصادي المضروب على ليبيا بين عامي 1992 و1999، وفي نهاية التسعينات أخذت ظاهرة تهريب البنزين تتفاقم، حتى قيل إن شبكات تابعة لعائلة بن علي الذين احتكروا معبر رأس جدير نشطوا في عمليات تهريب متنوعة.

لماذا تفشل الدولتان في المكافحة؟

«سعر لتر البنزين في ليبيا أرخص من سعر لتر الماء»، هذا ما قاله الخبير الاقتصادي محمد الورفلي، ولذلك ترى مصادر ليبية أن أفضل الطرق لوقف تهريب الوقود الليبي هو رفع الدعم عن المحروقات التي تتسبب بانخفاض سعره، والاستبدال به دعمًا نقديًا يصرف لليبين شهريًا.

أوعية لتهريب الوقود (المصدر: أخبار ليبيا)

الحكومة الليبية التي اتخذت القرار السابق بإغلاق المعابر مع تونس لوقف التهريب لن تتواني عن اتخاذ العديد من الإجراءات لمكافحة التهريب، ومن ذلك إطلاقها عملية خاصة في مايو (أيار) 2017، عرفت بـ«عاصفة المتوسط» لمكافحة تهريب الوقود عبر السواحل الليبية، أما على الجانب التونسي الذي تعد أزمته أكبر؛ جراء هذا التهريب غير الشرعي، فتسعى حكومته إلى مجابهة التهريب باستمرار، إلا أن نتائج هذا السعي متواضعة بحسب المراقبين، فبعد محاربة «الطّرابلسيّة»، أصهار بن علي الذين دعموا هذه الظاهرة إثر الثورة التونسية، برزت شبكات أخرى للتهريب، طورت أنشطتها في ظل ضعف دور أجهزة الدولة الأمنية، أو تواطؤها مع المهربين، كما أن أجهزة مكافحة التهريب التونسية تعاني من محدوديّة الإمكانيات البشرية واللوجستية، وطواقمها بحاجة لسيارات وشاحنات قادرة على سلك الطرقات الوعرة لملاحقة المهربين، وهي بحاجة أيضًا إلى معدات المتطورة، كالمناظير والرادار.

لكن أثر هذه الأزمة معقد الآن، ويتوقع أن يولد أزمات اجتماعية عنيفة في تونس؛ إذ إن الحكومة تخشى من تكرار توابع ما حدث في العام 2010، حين قرر الرئيس القذافي عدم اقتناء السلع المدعومة لغير الليبيين، وفرض ضريبة على السيارات التونسيّة المتوجهة إلى ليبيا؛ فوقع ما يشبه الانتفاضة في مدينة بن قردان، وبالفعل هناك الآن خطوات احتجاجية من قبل التونسيين تمثلت في قيام تجار وسكان القرى الحدودية بتعطيل حركة تنقل المسافرين الليبيين، للضغط على السلطات الليبية، والسماح لهم بتهريب السلع المدعومة، ويستمر التجار منذ أكثر من شهر ونصف بالاعتصام أمام معبر «رأس جدير»، ويمنعون عبور السيارات في الاتجاهين (باستثناء الحالات الصحيّة المستعجلة)، رافعين شعار «سيب نسيب»، الذي يعني مقايضة عودة عمل المعبر بحريّة مرور الوقود والسلع.

في المحصلة الحكومة التونسية التي لا تزال غير قادرة على تنفيذ البرامج التنمويّة في المناطق الحدودية بحاجة ماسة لإيجاد بديل للسكان عن التهريب، فارتفاع نسبة البطالة بالمحافظات الحدودية يمثّل بيئة خصبة لتركز شبكات التهريب المنظمة، وبالتالي استمرار الظاهرة.