6,384

منذ فاز عمران خان في الانتخابات البرلمانية الباكستانية في يوليو (تموز) الماضي، حتى باتت كل الأنظار تتّجه إليه باعتباره رئيس الوزراء القادم، وبالرغم من أنه كان واحدًا من مئات المرشّحين الذين فازوا في الانتخابات، إلا أنّ الشرطة الباكستانية كانت أيضًا على قناعة تامة بأنه الرجل الذي تنتظره البلاد؛ لذا سارعت بإغلاق كل الطرق المؤدية إلى منزله، وفرضت حراسة مُشددة كما لو كان رئيسًا للوزراء بالفعل، من قبل حتى أن يؤدى اليمين الدستورية، لكنّ الصورة في الخارج لم تكن واضحةً مثلما كانت في الشارع الباكستاني.

الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية كانت لديهم تساؤلات حول عمران خان الذي وعد بتغيير السياسة الخارجية لبلاده، فهو من جهة وعد بإنشاء «دولة تُشبه المدينة المنورة» على غرار إسلامي، كما أنه هاجم الولايات المتحدة بعدما وصفت جماعة «طالبان» بالمتشددين، وحتى بعدما زار وزير الخارجية الأمريكي إسلام آباد، لم تُسهم الزيارة في تخفيف توتر العلاقات بين البلدين، وإسرائيل أيضًا نفسها تتساءل حول الدولة النووية المُسلمة التي تُناصبها العداء، أمّا السعودية فتبدو الخاسر الأكبر، فمنذ فقدت رئيس الوزراء السابق نواز شريف المسجون حاليًا بقضايا فساد، خسرت معه كل سياساتها الراسخة منذ سنوات، والتي وعد خان بتغييرها، وأبرزها فتح صفحة جديدة مع طهران، والانسحاب من حرب اليمن.

هذا التقرير يوضح لك لماذا تقاربت السعودية مع باكستان، وهل يمكن لهذا التحالف أن تفسده متغيرات الأيام القادمة؟

ليست إمارة سنية.. إسلام آباد ترغب في الاستقلال السياسي

كان وزير الإعلام السعودي حاضرًا منذ الساعات الأولى التي أدّى فيها عمران خان اليمين الدستورية، في إشارة رمزية للمعركة التي بدأت بين السعودية وإيران في التنافس على النفوذ مع الحكومة الجديدة، وسبق لرئيس الوزراء الباكستاني أنّ صرح بأنه يريد تحسين العلاقات مع الجار الإيراني الذي يشترك معه في حدود تتجاوز 900 كيلو مترًا، ولا ينسى عُمران خان أنّ 30% من الشعب الباكستاني الذين يُمثلون الشيعة في البلاد قد صوّتوا له في الانتخابات ضد رئيس الوزراء السابق نواز شريف: حليف السعودية المسجون حاليًا بتهم الفساد.

Embed from Getty Images

زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى نواز الشريف رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك

وبحسب ما نشره موقع «تايمز إسلام آباد»، فإن أوّل زيارة خارجية لعمران خان ستكون طهران، ثم تليها المملكة السعودية؛ ما يعني أن استراتيجية التوازن وأداة ضبط السياسة الخارجية الباكستانية قد دخلت للتو مرحلة التنفيذ، في رسالة مفادها بأن «إسلام آباد» لن تكون تلك الإمارة السعودية البعيدة التي ظلت تابعة سياسيًا منذ سنوات.

الرياض نفسها لم تتفاجأ بوقع السياسة الجديدة؛ فصحيفة عكاظ السعودية كانت قد وصفت رئيس الوزراء عقب فوزه في الانتخابات بأنه «مندوب قُم في إسلام آباد، وأنّ خان طالما هاجم السعودية داخل البرلمان». وبعدما وصل الرجل غير المرغوب فيه إلى رأس السُلطة التنفيذية؛ كان زعيم اللجنة الثورية للحوثيين يبارك له، ويدعوه للانسحاب من التحالف العربي، أيضًا الرئيس الإيراني هو الآخر عرض فتح صفحة جديدة لإنهاء كافة الخلافات، وهو ما بدا بأن الرياح الجديدة التي تهب على باكستان قادمةً من صنعاء – عاصمة الحوثيين – وطهران ستعصف بالسعودية لاحقًا.

ولطالما نظرت السعودية إلى باكستان باعتبارها إحدى إماراتها البعيدة التي تربطها معها علاقات وطيدة ومنخرطة بين الحكومة والشعب على كلا الجانبين؛ فمنذ استقلال باكستان عام 1947 وملوك السعودية حاضرون في المشهد بقوّة متشابكة بين جنرالات الجيش الذين لازالوا حاضرين في المشهد السياسي الباكستاني بشكل كبير، وبين الجماعات الجهادية المُسلحة بدءً بتوّسط الملك الراحل سعود بن عبد العزيز لإخراج «أبي الأعلى المودودي» زعيم الجماعة الإسلامية، وأحد أشهر مُنظري الفكر الجهادي حين سجنه العسكر عام 1953، ونهاية بتضامن السعودية مع رئيس الوزراء السابق نواز شريف حين انقلب عليه الجيش عام 1999، ليمكث في الرياض حتى عام 2007، وحين عاد مرة أخرى إلى السُلطة عام 2013، أصبح ورقة الرياض الرابحة في السيطرة على باكستان، وتعمّقت الروابط أكثر حين تزوجت إحدى بنات «نواز» بحفيد الملك فهد؛ لتمتزج سلالته لاحقًا بالعائلة المالكة في السعودية.

وعقب أحداث الثورة الإسلامية في طهران عام 1979، كانت المملكة السعودية هي أولى الدول التي اتخذت خُطوات جادة لردع الثورة؛ فالملك فهد استدعى كتيبة باكستانية لحماية القصر الملكي من أية أخطار، ثم اتجه الدعم السعودي السخي نحو المدارس الإسلامية في جنوب آسيا لنشر الفكر الوهابي وبناء المدارس الإسلامية والجوامع التي تهتم بمواجهة الأيديولوجيا الشيعية في باكستان، ويعتبر الرئيس الباكستاني الجنرال «ضياء الحق» الذي تزامنت رئاسته مع الثورة الإيرانية هو من خاض حملة «أسلمة» البلاد برعاية سعودية كاملة ضمن خُطة تقييد إيران.

الهوية الإسلامية التي تأسست باكستان على إثرها لم تجعلها تندفع بكامل قواها في اتجاه الرياض، بالرغم من التاريخ الحافل بالمساعدات المالية والدعم السياسي اللا محدود، فحتى أثر تلك السياسات لم ينفجر في وجه طهران وحسب، فالتفجيرات التي تشهدها العاصمة الباكستانية أو حتى تلك التي تستهدف إيران عبر الحدود المشتركة ينتسب منفذوها إلى المدارس التي موّلتها الرياض مباشرة، وفي الوقت الذي تحاول فيه السُلطة السياسية التقارب مع الجار الإيراني الذي تشترك معه في تعاملات تجارية بخلاف الحدود، كان البرلمان الباكستاني يصوّت بالإجماع ضد إرسال قوات إلى اليمن، كما أنه أيضًا رفع لافتة عدم الانحياز لأحد أطراف النزاع، بالإضافة إلى أنّ رئيس الوزراء المقرب من الرياض رفض الإنحياز لها خلال الأزمة القطرية.

جدير بالذكر أنّ باكستان دعمت السعودية مؤخرًا عندما قطعت الأخيرة علاقتها الدبلوماسية مع كندا، في إطار لعبة التوازنات الأخيرة التي باتت الشعار الرسمي حاليًا لعمران خان، ومن جهة أخرى كان السبب الرئيس لرفض البرلمان الباكستاني إرسال قوات لقتال الحوثيين، هو أن عدد الشيعة الباكستانيين يمثلون 35 مليون شيعي، من بينهم ضباط وجنود في الجيش، وهو ما يمكن أن يخلق أزمة طائفية كبيرة في البلاد.

تحالفٌ لا يُفسده الغضب.. الرياض مازالت متمسكة بإسلام آباد

قبل أن يؤدي عمران خان اليمين الدستورية، كان قد أسس لعلاقات جديدة لبلاده، فبينما أعلن أن العلاقات مع الولايات المتحدة ستقوم على «المنفعة المتبادلة ولن تنساق باكستان مرة أخرى خلف واشنطن»، أثنى على الصين التي اعتبرها مثالًا يُحتذى به تزامنًا مع رسائله الإيجابية التي أطلقها نحو إيران، وهو ما استدعى لقاءً عاجلًا لسفير المملكة مع «خان» الذي سُرعان ما صرح بأن المملكة هي الصديق الذي تثق به باكستان.

Embed from Getty Images

الجنرال الباكستاني رحيل شريف قائد التحالف الإسلامي لمواجهة الإرهاب

وبعيدًا عن رئيس الوزراء الباكستاني، فلا زالت العلاقة وطيدة بين المملكة وقادة الجيش الباكستاني الذي يتحكم فعليًا في مجريات اللعبة السياسية، وبحسب ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فالمؤسسة العسكرية ضغطت لفوز عُمران خان في الانتخابات التي شابتها مزاعم تزوير، إضافة إلى أنّ الجيش استهدف الخصوم ورؤوس المعارضة قبل الانتخابات، وبالرغم أنّ اختيار الجيش لم يتفق مع اختيار السعودية تمامًا، إلا أنّ الغضب لم يدفع الرياض لمعاقبة ساسة وجنرالات إسلام آباد.

ثمة أبعاد سياسية وعسكرية لتماهي الرياض في إخفاء غضبها؛ فالتحالف العربي الذي تقوده في اليمن والذي يواجه حاليًا هزائم عسكرية على الأرض سواء كان بتباطؤ قواته في حسم المعركة الممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، أو طول المعارك التي أظهر الحوثيون فيها استبسالًا لإطالة الحرب التي تُلقي بثقلها على السعودية التي تتحمل فاتورة مُرهقة، إضافة لاتهامات خارجية بجرائم حرب تزامنًا مع دعوات أوروبية بوضع التحالف على القوائم السوداء، ومنع تصدير السلاح إلى الدول المشاركة في الحرب؛ كلها أمور جعلت السعودية ترغب بشدة في إشراك الجيش الباكستاني لتعديل كفة الصراع.

وحين أعلنت المملكة عن تأسيس التحالف العسكري الإسلامي لمواجهة الإرهاب عام 2015 في محاولة لضمّ الدول التي رفضت الانضمام للتحالف العربي، في إشارة إلى باكستان وعُمان، قامت المملكة بتعيين رئيس الأركان الباكستانيّ المتقاعد، الجنرال راحيل شريف، قائدًا للتحالف، وهو ما بدا أنه محاولة للتقرب لقادة المؤسسة العسكرية الباكستانية الذين وافقوا بالفعل في فبراير (شباط) الماضي على إرسال نحو ألف جندي باكستاني في مهام داخل حدود المملكة، وتجدر الإشارة إلى أنّ الجيش الباكستاني يحتل المراكز الـ17 في قائمة أقوى الجيوش بحسب موقع «globalfirepower»، وتأمل السعودية التي استعانت به سابقًا في تأمين القصر الملكي عقب الثورة الإيرانية، في الاستفادة به في القضاء على الحوثيين، في ظل رفض مصر المشاركة بقوات برية في الحرب، بالإضافة إلى عودة لواء سوادني كامل في أواخر العام الماضي إلى بلاده في ظروف غامضة؛ وهو ما يجعل باكستان الورقة الوحيدة الرابحة لدى التحالف العربي.

باكستان أيضًا تتصدر العالم الإسلامي في كونها تمتلك ترسانة نووية، وهي إحدى الأسباب التي تجعل السعودية تعوّل عليها في طموح ولي العهد السعودي في حيازة قنبلة نووية، وهو الحُلم الذي طالما ردّده الملوك السعوديين واحدًا تلو الآخر للضغط على الولايات المتحدة كمسوغ في حال تمكنت إيران من حيازة سلاح نووي. وفي أغسطس (آب) الماضي، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن اكتمال جولة تطوير البنية الأساسية للبرنامج النووي السعودي، وفي حال قررت السعودية الانضمام للنادي النووي، فتبقى المشكلة في الحصول على موارد تخصيب اليورانيوم من جهة، والاعتماد على خبرة دولة نووية من جهة أخرى، وتتجه الأنظار إلى باكستان كونها دولة إسلامية تعهدت بحماية السعودية.

لكنّ الأزمة الكبرى أنّ إسلام آباد التي تتجه للانفتاح مع إيران لن تكون طرفًا في إضرارها، خاصة أنّ عُمران خان يأمل في استكمال خط أنابيب الغاز الإيراني الباكستاني، والتنسيق مع الرئيس الإيراني حسن روحاني في إنهاء الحرب في أفغانستان، وزيادة التبادلات التجارية، وهو ما يُلقي بثقله على المملكة.

ماذا سيخسر عُمران خان إذا تجاهل الرياض؟

لا يبدو حتى الآن أنّ عُمران خان سيقرر وحده الاتجاه نحو إيران أو إعادة العلاقات الطبيعية مع المملكة، فمعركة التوازنات وعملية الشد والجذب أكبر من أن يتحكم بها أحد؛ فباكستان تشترك جغرافيًا مع الهند وأفغانستان وإيران، بينما النفوذ السعودي يتوغل في الحكومة والمؤسسة العسكرية، إضافًة إلى قطاع واسع من الباكستانيين الذين يفوق أعداد العاملين بهم داخل أراضي المملكة أكثر من مليون نصف عامل، يمثلون بابًا كبيرًا لدعم الاقتصاد الباكستاني المتعثر من جهة، وورقة ضغط كبيرة في صالح المملكة قد تستخدمها مثلما حدث سابقًا مع السودان حين تقاربت مع طهران، فقامت السعودية في عام 2014 بإيقاف تحويلات الصرف لأكثر من 500 ألف سوداني مقيم في المملكة، بما يساوي قيمته سبعة مليارات ريال سعودي، وهي ضربة قد لا يتحملها «خان».

Embed from Getty Images

ويواجه الاقتصاد الباكستاني أزمة متعثّرة تتمثل في اختلال ميزان المدفوعات في التعاملات المالية مع الدول الأخرى؛ مما أثر بالسلب على عملتها التي انخفضت تزامنًا مع ارتفاع الديون، وفي يناير (كانون الثاني) الماضي قامت الولايات المتحدة بتعليق مساعدات عسكرية لباكستان بقيمة 255 مليون دولار، ومن ثم مساعدات أمنية بقيمة مليارَي دولار، ليس هذا فقط، فواشنطن أيضًا أوصت برفض الطلب الذي تقدمت به إسلام آباد إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، ويشترط الرئيس الأمريكي لحصول باكستان على القرض قطع علاقاتها مع طهران.

الضغوط الدولية إضافة للأزمة الاقتصادية دفعت باكستان للجوء إلى السعودية لاقتراض 4 مليار دولار من البنك الإسلامي للتنمية، المدعوم من السعودية في إطار محاولاتها للحصول على العملات الأجنبية، كما وقّعت الرياض معها عدة صفقات تجارية في إطار الخُطة الاقتصادية التي تتبناها المملكة «2030»؛ والدعم السعودي السخي لم يقتصر على الأموال فقط، فالسعودية أيضًا ساندت باكستان داخل منظمة التعاون الإسلامي في نزاعها مع الهند حول منطقة كشمير، لكنّ الرياض رغم تأييدها لباكستان تقاربت مع الهند في نفس الوقت كورقة ضغط على الساسة الباكستانيين، ولا يقل الصراع الباكستاني الهندي شدة عن الصراع السعودي الإيراني، لذا يأمل الملك السعودي أن يعامله حليفه نفس المعاملة ويبادله التأييد ذاته، وهي المعادلة الصعبة التي لم تتحق حتى الآن.

وبخلاف طلبات عُمران خان من السعودية المتمثلة الحفاظ على العمالة الباكستانية، ودعم الاقتصاد الداخلي، والضغط على الولايات المتحدة للحصول على قرض صندوق النقد، إضافة للدعم في مواجهة الهند، لا يبدو أن «خان» سيستطيع أن يحذو حذو سابقيه في نهج العلاقات والسياسة مع طهران، فحزبه الذي استطاع أن يتسلق رأس السُلطة في باكستان مدعوم بشريحة شيعية كبرى أوصلته للحُكم، كما أن قربه من طالبان وتفاهمه مع المؤسسة العسكرية يجعل السعودية رغم نفوذها الداخلي غير قادرة على دفع المؤسسات ضده.

أمّا عن طهران فتبدو الأكثر حظًا في معادلة «خان» السياسية؛ فتقاربه مع روسيا والصين سيتبعه بالضرورة إقامة علاقات متوازنة مع إيران التي ترتبط به بروابط سياسية وجغرافية واقتصادية في ظل عداءه الصريح للولايات المتحدة، ومع ذلك فسياسة التوزانات واللعب على حبال طهران ورياض يبدو أنها ستكون السياسة الأكثر استخدامًا من قبل رئيس الوزراء الباكستاني، لاعب الكركيت سابقًا الذي تحاول الرياض التقرب منه بصعوبة.