ما الذي تفعله فرنسا في مالي؟ هذا السؤال أصبح يفرض نفسه على الفرنسيين أنفسهم، وليس فقط على الشعب المالي. إذ طرحته العديد من الصحف والمواقع الإخبارية الفرنسية، من بينها صحيفة لاكروا التي قالت في تقرير لها إن الجيش الفرنسي ورط نفسه في مستنقع مالي وبات غارق في حرب مستمرة منذ سبع سنوات ولا يعرف كيف يخرج منها حتى الآن.

وما زالت الأجواء الفرنسية تخيم عليها غيوم الجدل بشأن هذا التدخل الفرنسي، منذ مقتل 13 عسكريًا من الجيش الفرنسي (ستة ضباط، وستة مساعدين، وعريف) جراء تصادم مروحيتين خلال عملية قتالية ضد الجهاديين في مالي، حسبما أعلنت الرئاسة الفرنسية في 25 نوفمبر (تشرين الثاني).

وامتدت موجة الجدل حتى وصلت إلى أروقة الأجهزة الأمنية، إذ كشف تقرير «لاكروا» عن وجود الكثير من الشكوك التي بدأت تتسرب حتى بين ضباط الجيش الفرنسي بشأن قدرتهم على معالجة الوضع الأمني في مالي، الأمر الذي استدعى خروج رئيس أركان الجيش الفرنسي، فرانسوا ليكوينتر، ليعلن في إذاعة «RFI» الفرنسية أن «فرنسا لا تنوي الانسحاب من مالي، لكنها تحتاج إلى مزيد من دعم حلفائها؛ لأن استقرار الأمن في هذه المنطقة ينعكس على أمن فرنسا وأوروبا».

وفي تصريحات قديمة لرئيس أركان الجيش الفرنسي، أعادت صحيفة «لاكروا» التذكير بها قال ليكوينتر: «كنا متفائلين تفاؤلا مفرطًا، إذ تصورنا في عام 2013 أن كل شيء سيجري حله، وأن النصر على الجهاديين سيكون سريعًا، وسوف يترجم على الفور إلى نجاح سياسي، أما اليوم فالمنطقة كلها باتت مفتقدة إلى الاستقرار». فما هي حقيقة ما يحدث في مالي ودول الساحل؟

ماذا يفعل الجيش الفرنسي في مالي؟

القصة تعود إلى صبيحة يوم السابع عشر من يناير (كانون الثاني) عام 2012، حين أعلنت مجموعات جهادية على صلة بتنظيم القاعدة ومتمردي الطوارق من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» تمردا على السلطات، وشنت عدة هجمات مسلحة متزامنة أدت إلى سيطرتهم على شمال مالي، إثر وقوع انقلاب عسكري في العاصمة باماكو جنوبي البلاد.

وتمكنت الجماعات المسلحة من هزيمة الجيش المالي في شمال البلاد، حيث تقع المدن التاريخية «تمبكتو» و«جاو» و«كيدال»، بعدما تحالف الطوارق «الحركة الوطنية لتحرير أزواد» مع جماعات «أنصار الدين» التي تُعرف نفسها على أنها حركة سلفية، و«حركة التوحيد والجهاد» في غرب أفريقيا، و«القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

بعد الخسارة في العراق سيتجه لغرب إفريقيا.. لماذا سيكون «داعش» أقوى هناك؟ 

وبعد عام من ذلك التاريخ، وتحديدًا في الحادي عشر من يناير 2013، أطلقت فرنسا عملية عسكرية تحت اسم «سرفال» بهدف وقف تقدم الجهاديين في المدن الكبرى الواقعة شمالي مالي، التي كانت باريس تسميها بـ«السودان الفرنسي» أيام احتلالها لها.

وفي 31 يوليو (تموز) 2014 حلت محل «سرفال» عملية «برخان» بتكليف مباشر من الرئاسة الفرنسية بمحاربة المسلحين الإسلاميين هناك. وبالفعل حوّل الجيش الفرنسي مالي إلى ساحة معارك، دفاعًا عن استثمارات «سياحية ودبلوماسية واقتصادية» بقيمة 750 مليون يورو، ولذلك تسعى باريس لتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة وحماية مصالحها الجيوسياسية واحتواء التهديدات المسلحة.

وفي الوقت الراهن، تعد حملة «برخان» هي الحملة الخارجية الأكبر لقوات الجيش الفرنسي، والأكثر مجازفًة بمال فرنسا وسمعتها وجيشها، إذ نشرت فرنسا فيها 3 آلاف جندي من الجيش الفرنسي في البداية، إلا أنها لم تحقق أي تقدم، فرفعت باريس العدد إلى 4500 عسكري، غالبيتهم في قاعدة «غاو» (1700 عسكري) مع قاعدتين في كيدال وتيساليت (في الشمال الشرقي) على بعد 120 كم من الحدود الجزائرية، إضافة إلى قاعدتين في ميناكا وجوسي.

ولا يقتصر مسرح عمليات حملة «برخان» على المستعمرة الفرنسية السابقة فقط، بل يشمل خمس دول في منطقة الساحل هي: النيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا، فضلًا عن مالي، إذ يتسم الوضع السياسي في منطقة الساحل عامة بالهشاشة وتمتد صحاريها من موريتانيا غربًا إلى السودان شرقًا، وهو ما ساعد الجماعات الجهادية على أن تتخذ منها قاعدة تحرك لها، بينما يصعّب على القوات الفرنسية والدولية أن تتعامل معهم بهذه القوات قليلة العدد.

تجدر الإشارة إلى وجود قوات أخرى غير فرنسية تشارك في هذه المعارك الدائرة شمال مالي، إذ أرسلت الأمم المتحدة في الأول من يوليو 2013، قوة «مينوسما» التي تضم 16 ألف جندي من قوات تابعة لدول من آسيا وأوروبا وأفريقيا وكندا، ومؤخرًا خرج الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش ليعترف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة «لنكن صريحين، إننا نتراجع في مواجهة العنف والإرهاب».

مالي.. مستنقع استنزاف للجيش الفرنسي

بالرغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورث الصراع في مالي عندما تولى السلطة، إلا أنه بعد أقل من أسبوع من وصوله إلى قصر الإليزيه، كانت مالي هي وجهة أول زيارة خارجية له في 19 مايو (آيار) 2017، التقى خلالها الرئيس «إبراهيم أبوبكر كيتا»، وزار قاعدة «غاو» العسكرية التي يرابط فيها 1700 جندي فرنسي؛ ما يشير إلى أهمية ما يجري على أرضي مالي بالنسبة لرأس هرم السياسة الفرنسية.

وكان حادث تصادم مروحية «تيجر» بمروحية «كوغار» هجومية في 25 نوفمبر 2019 – الذي وقع أثناء قيام الجنود الفرنسيين بمطاردة المقاتلين – أكبر خسارة في الأرواح تكبدتها قوات الجيش الفرنسي منذ عام 1983، عندما قصف المسلحون ثكنات عسكرية متعددة الجنسيات في لبنان وأسفر عن مقتل 58 جنديًا فرنسيًا و214 أمريكيًا.

ومنذ تدخل فرنسا في مالي في عام 2013، قتل 41 جنديًا فرنسيًا على الأقل، بينهم 17 في عام 2019، لتتكبد فرنسا بذلك ثاني أكبر خسارة بشرية لها منذ حرب الجزائر، فيما قُتل أكثر من 200 جندي من دول إفريقية وقوات حفظ السلام الدولية خلال سبتمبر (أيلول) الماضي وحده، كما قتل عشرات آخرين خلال هجمات مماثلة في بوركينا فاسو المجاورة، الأمر الذي يكشف جانبًا من شراسة المعارك التي تجري، دون أن تنال تغطية إعلامية مناسبة لحجم الأحداث هناك.

خسائر بالجملة في الجيش الفرنسي

ومنذ مارس (آذار) من العام الجاري، قتل أكثر من 150 عنصرًا من القوات المسلحة المالية، معظمهم خلال هجمات كبيرة ضد قاعدة عسكرية في قرية «ديورا» وسط البلاد يوم 17 مارس، وفي هجوم آخر على معسكر للجيش في وسط بلدة «غيري» قرب الحدود مع موريتانيا في 21 أبريل (نيسان) 11 قتيلًا، وهجوم على قاعدة «بوليكيسي» العسكرية قرب الحدود مع بوركينا فاسو في 30 سبتمبر (أيلول) على الأقل 40 قتيلًا، وتسبب هجوم آخر في بلدة «إن ديليمان» في أول نوفمبر الماضي على الأقل 53 قتيلًا.

وفي بوركينا فاسو، قتل 204 جنديًا إثر هجمات نسبت إلى الجماعات الجهادية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، 24 منهم في «كوتوغو» في 19 أغسطس (آب) 2019.

من يقاتل من؟

بالرغم من وجود القوات الفرنسية والدولية طوال هذه السنوات السبع، ما زالت الجماعات الجهادية تكثف من عملياتها المسلحة ضد جيش مالي والقوات الفرنسية والدولية. بل توسعت هجمات هذه الحركات منذ عام 2015 حتى امتدت إلى وسط مالي وجنوبها وأيضًا دول الجوار، لاسيما بوركينا فاسو والنيجر.

في هذه المنطقة مترامية الأطراف، توجد على الأقل خمسة جيوش دولية ذات قدرات عملياتية ليست بالقليلة، تحارب جنبًا إلى جنب، تحت شعار «الحفاظ على أمن واستقرار» البلاد:

– هناك الفرنسيون التابعون لعملية «بارخان».

– وقوات خاصة أمريكية تابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» (800 جندي).

 – وقوات بعثة الأمم المتحدة «مينوسما».

– وقوات مجموعة دول الساحل الخمس التي تنسّق منذ عام 2014 بين القوات المسلحة لدول الشريط الساحلي والجيش المالي.

– بالإضافة إلى ذلك، ومنذ عام 2013، ساهم الاتحاد الأوروبي في إعادة تشكيل الجيش المالي، كما تتلقى القوة الفرنسية «برخان» دعمًا عبر مشاركة طائرات هليكوبتر بريطانية ومعدات من حلفاء أوروبيين آخرين وطائرات بدون طيار.

وتدعم القوات الفرنسية طائرات هليكوبتر وطائرات استطلاع أمريكية تقدم مراقبة إلى جانب الدعم الاستخباراتي، وطائرات من طراز ميراج 2000 تشارك بتقديم تعزيزات طارئة وقت الحاجة، ومع ذلك لا تزال الأزمة الأمنية تتعمق أكثر فأكثر في هذه المنطقة.

وبسبب صعوبة التضاريس والمناخ في منطقة الساحل، فكرت فرنسا في إنشاء قوات أفريقية من خمس دول، تسند إليها مهمة «محاربة الإرهاب» بالتنسيق مع قوات «برخان»، بينما أعلنت المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة عن المشاركة في هذه الحرب عبر مساهمات مالية بلغت 130 مليون دولار، لدعم القوات الفرنسية في مواجهة التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل.

وبالرغم من أن الدول الأوروبية الأخرى تقدم دعما لوجستيًا، ودول الخليج تقدم دعما ماليًا، إلا أن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي لها وجود عسكري دائم على الأرض في الساحل، وهو الوجود الذي تنتقده أحزاب اليمين واليسار على السواء، بسبب الخسائر البشرية والاقتصادية التي تتكبدها باريس دون أن تحقق أهداف الحملة حتى الآن.

ما هي الجماعات المسلحة في دول الساحل؟

العدو الذي تستهدفه هذه القوات مجتمعة فيبدو حتى الآن صعب التحديد، فهناك العديد من المجموعات المسلحة التي ربما تتفق أو تختلف مع بعضها البعض، حيث تتنوع عرقياتهم بين الطوارق والعرب والفولانيين (قبائل بدوية تنتشر في نحو 15 بلدًا أفريقيا)، كما تتنوع أفكارهم بين الجهاديّة والوطنية التي تهدف للاستقلال، كما توجد أيضًا مجموعات «لصوصيّة وإجرامية» هدفها سرقة المواشي والمزروعات للحصول على الغذاء.

وفي هذا الجزء من العالم، حيث الحدود مترامية الأطراف ومفتوحة نسبيًا بسبب عدم وجود نقاط حراسة قوية، ناهيك عن ضعف وجود السلطات والشرطة في المناطق النائية، كل ذلك ساعد على ازدهار الجماعات المسلحة وانتشارها في دول الساحل.

 كتيبة تحرير ماسينا

في المناطق الوسطى، يقود النشاط الجهادي الداعية الكاريزمي «أمادو كوفا» زعيم «كتيبة تحرير ماسينا»، المنضوية تحت لواء «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التي تُعتبر أبرز تحالف للجهاديين في منطقة الساحل الأفريقي.

ويتحدّر «كوفا» من عائلة فقيرة في منطقة موبتي في مالي، ويعمل منذ سنوات قليلة على جذب أفراد أقلية الفولان التي ينتمي لها، إلى جماعته. وفي مارس الماضي، ظهر «أمادو كوفا» في شريط مصور، متحدثا باللغتين العربية والإنجليزية، ليكذّب خبر مقتله الذي أعلنته فرنسا في نوفمبر الماضي.

وأعد مسلحو هذه الكتيبة سلسلة من الكمائن، ووسعوا أنشطتهم في جزء كبير من بوركينا فاسو وحتى اختطفوا سائحين من حديقة وطنية في شمال بنين، مما يؤكد أنهم يشكلون تهديدًا للدول المجاورة مثل كوت ديفوار وغانا.

ولاية غرب أفريقيا

هناك أيضًا «ولاية غرب أفريقيا»، التابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» وفرعها في غرب أفريقيا، وسارعت هذه الحركة بإعلان تبنيها حادث تحطم طائرتي الهليكوبتر الفرنسيتين في مالي أواخر نوفمبر الماضي، وقالت عبر مواقع تابعة للتنظيم، إن طائرتي الهليكوبتر «اصطدمتا بعد أن انسحبت إحداهما بسبب إطلاق أفراد الجماعة النار عليها».

غير أن الجيش الفرنسي كذّب هذه الأحداث، وقال رئيس أركان الجيش الفرنسي، فرانسوا ليكوينتر: إن «المروحيتين التابعتين للجيش الفرنسي اللتين سقطتا في مالي لم تتعرضا للنيران من قبل عناصر (داعش)».

تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب»

تأسّس هذا التنظيم في عام 1998 بالجزائر، وأعلن مسؤوليته عن معظم الهجمات التي استهدفت بعثة الأمم المتحدة «مينوسما» في الأشهر الأخيرة. ففي يونيو (حزيران) الماضي، تبنى التنظيم الهجوم المزدوج الذي خلّف 14 قتيلاً من قوات حفظ السلام في مدينة غاو شمالي مالي.

وانبثق هذا التنظيم عن «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» الجزائرية التي غيرت اسمها وأعلنت ولائها لتنظيم القاعدة، على يد «عبد المالك درودكال» الملقب بـ«أبي مصعب عبد الودود». ويقول التنظيم: إنه «يسعى لتحرير المغرب الإسلامي من الوجود الغربي والموالين له وحماية المنطقة من الأطماع الخارجية».

وبدأ التنظيم خطة لتوسيع نشاطه في منطقة الساحل الأفريقي وخاصًة بمنطقة شمال مالي في أكتوبر 2012. ثم تحالف مع حركة «التوحيد والجهاد» في غرب أفريقيا و«أنصار الدين» في نوفمبر 2012، وبعد انطلاق الحملة الفرنسية على التنظيمات المسلحة في مالي، تسلم الشيخ «إياد غالي» قيادة التنظيم، غير أنه شهد انشقاقا في سبتمبر عام 2014 بإعلان عدة كتائب مرتبطة به انشقاقها عنه ومبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية.

ولا توجد إحصائيات دقيقة لعدد مقاتلي الجماعة وأغلبهم من الجزائريين, فيما يتوزع الباقون على جنسيات مختلفة أبرزها موريتانيا وليبيا والمغرب وتونس ومالي ونيجيريا. وصنفته الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي حركة إرهابية.

حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا

برزت حركة «التوحيد والجهاد» في غرب إفريقيا في أواخر عام 2011، ومنذ ذلك الحين زادت شهرتها وخصوصًا في شمال مالي، وتحديدًا في الهضبة الصحراوية الشاسعة الممتدة من منطقة تساليت في أقصي شمال مالي إلى مدينة غاو حيث تفرض الحركة سيطرتها بلا منازع على عدد من القرى في تلك المنطقة.

وتتشكل حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا في الأساس من موريتانيين وماليين، وليس من الواضح ما هو تشكيل القيادة العليا للحركة، لكن يوصف «حماده ولد خيرو» على أنه زعيم هذه الحركة، بينما يوصف «عدنان أبو وليد صحرواي» بأنه المتحدث الرسمي باسم الحركة.

حركة «أنصار الدين»

هناك أيضا تنظيم «أنصار الدين»، وهي حركة مسلحة مرتبطة بـ«تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي»، وتأسس هذا التنظيم على يد الشيخ «إياد غالي» أحد قادة الطوارق، عام 2011، وفي الآونة الأخيرة بات تنظيم «أنصار الدين» يعتمد على «التحالف الوطني من أجل الحفاظ على الهوية الفولانية واستعادة العدالة»، وهي مجموعة مسلحة تشكلت مؤخرًا للدفاع عن حقوق شعوب الفولاني الأمر الذي ساعدها للعودة بقوة إلى واجهة المشهد في مالي، في ضوء تواتر هجماتها ضد أهداف عسكرية مالية، حتى أن بعض المحللين أجمعوا على أنها باتت تتمتع بـ«أسبقية» ميدانية على حساب «القاعدة».

الجماعات المسلحة.. بين التنسيق والتنافس

في بداية عام 2017، أعلنت مجموعة من هذه التنظيمات عن اندماجها في جماعة واحدة أطلقت عليها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، وهذه التنظيمات هي «كتائب ماسينا»، «المرابطون»، و«إمارة الصحراء»، و«أنصار الدين»، واختارت زعيم التنظيم الأخير الشيخ «إياد غالي» أميرًا لها، بحسب ما أورده الصحافي توماس جوسيلين في تحليله عبر صحيفة لونج وور الإلكترونية.

وفي حين يوجد تنافس واضح بين تنظيم «الدولة الإسلامية» وتنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي»، يتعاون التنظيم الأخير مع تنظيم «أنصار الدين»، وبات بينهما تنسيق ملحوظ في شن الهجمات المسلحة التي باتت تتوزع جبهتين، الأولى في وسط البلاد وتقودها «أنصار الدين»، والثاني في شمال البلاد بقيادة تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي» ضمن سياسة تقسيم الأدوار على الأرض بينهما.

وتعليقا على هذا التنسيق، يرى «بيير بيرتيه»، المستشار المتخصص في شؤون مالي، وهو قنصل سابق لفرنسا في باماكو، أن جماعة أنصار الدين المتمركزة في الشمال علاوة على تواجدها في ماسينا (وسط)، تتخذ العسكريين الماليين أهدافا لها بالأساس، وتتعاون في ذلك مع حليفتها «جبهة تحرير ماسينا» التي تساعدها على تجنيد الفولانيين، بينما تستهدف «القاعدة في المغرب الإسلامي» قوات «برخان» الفرنسية والبعثة الأممية «مينوسما» والحكومة المالية».

هذا التقسيم الجغرافي للهجمات التي تعتمدها «أنصار الدين» و«القاعدة في المغرب الإسلامي»، ينبثق من الروابط الوثيقة بين التنظيمين والمجتمعات المحلية؛ ما أسهم في تجنيد وتطوير شبكات دعم لهما عبر علاقات عابرة للحدود، يسمح بالتخطيط الجيد للهجمات وتحديد الأهداف، في ظل تواجد أمني هش في المنطقة.

من رفع الأعلام الفرنسية إلى إحراقها.. أين الشعب المالي من كل ذلك؟

بينما كان كثير من الماليين يحتفون بفرنسا في بداية عام 2013، ويرفعون أعلامها، ويستقبلون رئيسها فرانسوا هولاند بابتهاج إثر تحقيق انتصارات ميدانية في ذلك الوقت، إلا أن هذه الأعلام الفرنسية باتت تقطع وتحرق خلال تظاهرات عدة خرجت خلال العام الحالي غضبًا من الوضع المأساوي الذي آلت إليه البلاد.

وتعددت المظاهرات المناهضة لفرنسا في الأشهر الأخيرة، في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي المظاهرات التي كان ينظمها سابقًا نشطاء يعارضون منذ التدخل العسكري الفرنسي، وكان أبرز هذه التظاهرات في 21 يونيو في «بماكو»، وفي 12 أكتوبر في «سيفاري»، مدينة وسط مالي، وتنظم هذه التظاهرات رابطة جمعيات «فاسو-كورو» ووزعت خلالها بيانات تقول فيها: «ما فائدة القوات الفرنسية والدولية؟ إنها هنا، لديها معسكرات، ولكنها غير قادرة على حمايتنا. وجنودنا هم الذين يسقطون في الجبهة».

واتهمت الرابطة فرنسا وقوات «المينوسما» بأنهما «دفعتا ببلادنا نحو الكارثة وأنهما تريدان فرض صراع طائفي لم تعرفه مالي أبدًا». ويذهب البيان إلى أبعد من ذلك إذ يؤكد على أن «فرنسا والمينوسما تتنكران في زي الجهاديين، من الفولانيين لارتكاب هجمات فظيعة. ويختم المنشور بـ«كفى يعني كفى، فهمنا كل شيء».

ومن الملاحظ تزايد المشاعر المعادية لفرنسا مع تنامي هجمات المجموعات الجهادية، واتساع دائرة المعارك التي دفعت فيها الجيوش الوطنية الثمن الأفدح بشريًا وماديًا. وحتى اليوم لا تزال هناك مناطق كاملة في مالي خارجة عن سيطرة القوات المالية، والفرنسية، والدولية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد