إننا معظم الوقت، لا نحب أن نفكّر في مصدر اللحم الذي نتناوله على مائدتنا، وكيف هو شكل الحيوان الذي تمّ ذبحه من أجل أن نحصل على هذه القطعة، إذ ننشغل بتذوّق طعمها الرائع مع صلصة جانبيّة أو خضروات أو الأرز المفضل لدينا. الأمر المشوّق حيال هذا الأمر هو أننا ساهمنا بشكل كبير ومدهش في تغيير شكل وحجم الحيوانات التي دجّناها من أجل تزويدنا بالطعام؛ فالبقر الذي نراه في إعلانات الحليب لا يشبه أسلافه التي أتينا بها من البرية قبل مئات السنين.

 

قام البشر في أثناء عملية التدجين هذه بانتقاء الصفات التي تخدم المجتمعات العصرية، وساهمنا في تزاوج متحكّم فيه بين الأفراد الذين يحملون الصفات المرغوبة، مثل زيادة حجم العضلات، أو زيادة إفرازات اللبن، أو زيادة أعداد البيض للطائر مثلًا. هذه العملية المستمرّة من التطوّر الموجّه التي قادها البشر عبر مئات السنين صنعت نُسخًا من الكائنات مختلفة بشكل مدهش عن أسلافها في البرية، وفي هذا التقرير سنعرض بعضًا من تلك الحيوانات ومقارنات بين ما كانت عليه في البرية، وما أصبحت عليه عندما قام البشر بتدجينها.

 

1-الأغنام

لا تشبه الأغنام التي نعرفها الآن إلى حد كبير أقاربها التي تعيش في البرية الآن من أنواع، الوعل الأوروبي الذي يعيش فوق المرتفعات الشاهقة ويسمى «European mouflon»، والتي يُعتقد أنها تم تدجينها بواسطة الإنسان بداية من القرن الثامن عشر على يد روبرت بيكويل، وهو الخبير الزراعي البريطاني الذي اهتمّ كذلك بتدجين عدّة أنواع برية أخرى غير الأغنام وهو صاحب أول برنامج للاستيلاد الانتقائي للماشية.

على اليسار صورة لأحد أنواع الوعل الجبلي، وعلى اليمين صورة الخراف الموجودة حاليًا في المزارع، وهي نتاج لعمليات التدجين المستمرة. المصدر:ranker

 

حاول روبرت في بداية الأمر انتقاء الأفراد الذين يمتلكون الصفات المرغوبة والمفيدة للبشر مثل الفرو (الصوف) الكثيف والعضلات التي تنتج اللحم، وكذلك القدرة على التأقلم مع البيئات المحلية المختلفة بشكل جيد. نجح روبرت إلى حد كبير في الوصول إلى نتائج جيدة، وكانت هذه النتائج هي نواة عمليات الاستيلاد اللاحقة والتي تمت على نفس الأسس وبنفس الأهداف. الآن، توجد الأغنام في كل البيئات الموجودة على الأرض تقريبًا وفي جميع القارات، عكس أسلافها الذين عاشوا حصريًا فوق قمم الجبال، وكذلك أصبحت تنتج الكثير من الصوف مقارنة بأسلافها، إضافة إلى كتلة عضلية أكبر تساهم في رفع قيمتها الاقتصادية.

 

2-الدجاج

تم تدجين الدجاج الحالي بريشه الأبيض وكتلته العضلية الكبيرة من أقاربه في البرية من نوع «دجاجة الأدغال الحمراء» (red junglefowl). ويُعتقد أنه تم استيلاد الدجاج في البداية بهدف مصارعة الديكة، وهو الطقس الذي كان يتم ممارسته عن طريق وضع زوج من الديكة في حلبة صغيرة لمشاهدة العراك بينهما.

Embed from Getty Images

Embed from Getty Images

الصورة الأولى للدجاج الحالي بعد عمليات التدجين، وأسفلها صورة لدجاجة الأدغال الحمراء قبل عمليات التدجين.

في الوقت الحالي، يتم تدجين الدجاج ليصبح أكثر كتلة عضلية؛ ما يعني الكثير والكثير من اللحم، وكذلك العدد الكبير من البيض الذي تنتجه الدجاجات. الأمر السيئ فيما يخص عملية تدجين الدجاج، هو أنها تتم اليوم بطرق صناعية أحيانًا بإضافة بعض الهرمونات التي تسرع من عملية نمو الفراخ الصغيرة، وتزيد من كتلة اللحم للدرجة التي لا تستطيع معها الدجاجة التحرك، ويحدث كل هذا في مصانع مع ظروف غير صحية.

 

 

طيور «انتحارية» وجرذان تحفر أنفاقًا.. أغرب سلوكيات الحيوانات التي حيرت العلماء

3-الديك الرومي

طبقًا لوزارة الموارد الطبيعية في ولاية كارولينا الجنوبية فإن عملية تدجين الديك الرومي (Turkey) هي واحدة من أقدم العمليات المنظّمة لإنتاج اللحم في نصف الكرة الشمالي. يُعتقد أن الديك الرومي البري قد تم تدجينه في الولايات المتحدة أوّل الأمر على يد السكان الأصليين، حتى قبل أن يصل المستعمر الأوروبي إلى أمريكا الشمالية. تشي بهذه التوقعات تلك العظام الخاصة بالديك الرومي البريّ في تلال الدفن للسكان الأصليين في ولايتي تينيسي وكنتاكي.

 

صورة للديك الرومي على اليسار قبل عمليات التدجين وعلى اليمين بعد تدجينه. المصدر:businessinsider

 

تم تدجين الديك الرومي على أساس بسيط وهو أن يعطي المزيد من اللحم، وهو من المرات التي نجح فيها البشر بشكل كبير؛ إذ نجحت عمليات الاستيلاد في دفع هذا النوع من الطيور ليصبح حجمها في الوقت الحالي أكثر من ضعف حجمها في ثلاثينيات القرن الماضي. كان الوزن الطبيعي للديك الرومي في الثلاثينيات هو ستّة كيلوجرامات، بينما يصل وزنه في الوقت الحالي إلى 13.5 كيلوجرامًا.

 

«الخيانة وممارسة الجنس المثلي».. ما الذي يحدث عندما تتناول الحيوانات الخمر؟

4-الخنازير البرية

طبقًا لبعض التحليلات الجينية الحديثة، فإن المزارعين الأوروبيين قد بدؤوا في تدجين الخنازير الحالية من أقربائها التي أحضروها من الشرق الأدنى في آسيا قبل 11 ألف عام، وهي الفصيلة البرية من الخنازير وتسمى «wild boar». بحسب هذه التحليلات فإن عمليات رعي الماشية قد بدأت في الشرق الأدني قبل 11 ألف عام.

على اليمين الخنازير المدجنة وعلى اليسار الخنازير البرية قبل عمليات التدجين. المصدر:Ranker

للتأكد من هذا الأمر، جمع فريق من العلماء مجموعة من العينات تبلغ 221 عينة من الخنازير المدجنة وأقربائها في البرية، وشملت هذه العينات أجزاء من الفك والأسنان، وقد تمت مقارنة هذه العينات بين التي تم جمعها من الخنازير البرية، وتلك التي تم تدجينها بواسطة الإنسان، فوجدوا أن أسلاف الخنازير المنزلية الأوروبية الحالية جاءت من آسيا قبل 7-11 ألف عام. تم اختيار الخنازير المدجّنة الحالية لكي تُصبح بلا أنياب، وكذلك فراؤها ولحومها الدُهنية ذات طعم مميز.

 

ذاكرة الشمبانزي أقوى من البشر.. 6 من أذكى الحيوانات على الإطلاق

5-الأرانب

يجوب عالمنا الآن أكثر من 60 فصيلة من الأرانب التي تم تدجينها من الأرانب البرية التي كانت تعيش في إسبانيا. عندما وصل الرومان عام 200 قبل الميلاد، بدؤوا عمليات الاستيلاد للأرانب البرية التي تتميّز بالسرعة الفائقة والخفة الشديدة والمرونة، لكي تصبح ذات كتلة عضلية أكبر وفراء أكثر كثافة ونعومة.

Embed from Getty Images

Embed from Getty Images

الصورة الأولى للأرانب البرية قبل عمليات التدجين، والصورة الثانية للأرانب البرية بعد عمليات التدجين.

 

في الوقت الحالي، لا يتم استيلاد الأرانب لنفس الصفات، فلأسباب ثقافية لم يعد الهدف هو إنتاج الكتل العضلية الكبيرة من أجل اللحم، ولكن أصبحت الصفات الجمالية هي المطلوبة، وذلك بعد أن بدأ البشر وخصوصًا في أوروبا باقتناء الأرانب باعتبارها حيوانات أليفة مثل القطط والكلاب، ولم يعد أكل لحومها مستساغًا في كثير من الثقافات.

6-الأبقار

قصة أخرى كان بطلها الخبير الزراعي البريطاني روبرت بيكويل في القرن الثامن عشر، وذلك عندما قام بمحاولة استيلاد الأبقار البريّة لكي تعطي المزيد من اللحم الذي يعني زيادة الحجم والكتلة العضلية للأبقار، مقارنة بسلفها البري من نوع أبقار شيلينجهام.

تقوم صناعة اللحوم الآن على رافد أساسي في كل بقاع الأرض وهو الأبقار، وهي التي تم تدجينها لمئات السنين لتصبح بشكلها الحالي الذي يعطي أكبر قدر من اللحم لضمان الغذاء الغني بالبروتين لأكبر قدر من الأشخاص.

Embed from Getty Images

الصورة الأولى للأبقار بعد عمليات التدجين، والصورة الثانية للأبقار البرية قبل عمليات التدجين

7-السلمون

يعرف السلمون بأنه أحد أهم الأسماك التي يتم استهلاكها لغرض الطعام، وذلك بسبب شيوع الاعتقاد بأن لحمها غني بعنصر الـ «أوميجا 3» الذي يعتقد بأنه ذو فوائد صحية كبيرة في الأوساط العامة، إضافة إلى طعم السمكة اللذيذ.

هذه الصفات الجيدة في لحم السلمون دفعت البشر في العقود الأخيرة لمحاولة استيلاده في مزارع خاصة يتم الإشراف عليها بواسطة متخصصين في عمليات الاستيلاد، بهدف رئيس وهو الوصول إلى أكبر حجم ممكن للسمكة لأسباب مفهومة بالطبع، وهي الحصول على المزيد من اللحم.

 

خضعت أسماك السلمون إلى عمليات استيلاد انتقائي في السنوات الأخيرة، لكن لا يبدو أنها كانت ناجحة بالقدر الكافي، بسبب الطلب الشديد على لحومها، فتم تعديل بعض الصفات جينيًا لتعطي الحجم الأكبر منذ تمت عمليات الاستيلاد الانتقائي. هذه التعديلات الجينية شملت تعديل جين معين يختص بعملية النمو، لتنمو بشكل أسرع من نظيرتها في البرية، وكذلك تصل إلى أحجام تبلغ أضعاف أحجامها في البرية.

 

شفاء لكل داء؟.. إليك حقيقة الفوائد الصحية لزيت السمك

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!