بينما كان الفلسطينيون يندبون حظهم في الذكرى المئوية لـ«وعد بلفور» قبل أيام، جلس رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو يقول بفخر أمام رئيسة الوزراء البريطانية «تيريزا ماي» إن «دولًا عربية كثيرة أصبحت تعتبر إسرائيل حليفًا حيويًّا وليست عدوًا»، تحدث أيضًا عن «الخبر السار بأن الآخرين (الدول العربية) يتجمعون حول إسرائيل بشكل لم يحدث في السابق، إنه أمر لم أتوقعه أبدًا في حياتي».

هذه الثقة لم تكن خاصة بشخص «نتنياهو» الذي يمثل الجهة الرسمية الإسرائيلية، بل أيضًا بالإسرائيليين عامة، فمع بزوغ اليوم الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي نُشرت نتائج استطلاع أجراه معهد «متفيم» الإسرائيلي، ليظهر أن غالبية الإسرائيليين المستطلعة آراؤهم يدعمون قيام السياسة الخارجية الإسرائيلية بـ«إيلاء قدر أكبر من الاهتمام لعلاقات تل أبيب مع الدول العربية المعتدلة وتطبيعها، للدفع بعملية السلام قدمًا»، فيما اعتبر 48% منهم أنه: «بمقدور الدولة العبرية إحداث اختراق مهم في العلاقات مع الدول العربية، حتى دون الحاجة لاتفاق ينهي الصراع مع الفلسطينيين»، حسب الاستطلاع.

لكن أي الدول العربية وتحديدًا الخليجية هي الأكثر تطبيعًا الآن مع إسرائيل؟ يجيب مدير برنامج سياسات الخليج في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، سايمون هندرسون بالقول: «إذا نحينا اغتيال المبحوح جانبًا، فإن أوثق العلاقات الإسرائيلية في منطقة الخليج هي مع دولة الإمارات العربية المتحدة».

2017 عام التطبيع العلني بين الإمارات وإسرائيل

«الإمارات منطقة خالية من المواجهات، لذلك تتصرف وكأنها الأخت الكبرى المسؤولة في المنطقة التي تسود فيها الفوضى»، هذا ما قالته باحثة إسرائيلية زارت الإمارات بداية هذا العام. الباحثة التي رمز لها موقع «المصدر» الإسرائيلي بحرف (م) قالت أيضًا عن أيامها في الإمارات: «تحدثتُ باللغة الإنجليزية تحديدًا، بسبب المعطيات الديموغرافية الخاصة في الدولة، التي تتضمن تشكيلة واسعة من القوميات، فالإنجليزية هي اللغة المشتركة بين الجميع. كان عليّ التحدث بالعربية أحيانًا فقط».

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. (المصدر:رويترز)

لم تكن هذه الباحثة هي الإسرائيلية الوحيدة التي زارت الإمارات في هذا العام، فقد نشر إسرائيليان في يونيو (حزيران) الماضي صورًا لهما بالزي المحلي في الإمارات، لقد ذهبا لتأمين تبرع بسيارتي إسعاف لصالح شبكة خدمات إنقاذ إسرائيلية كما قالا.

وبالرغم من أن الإسرائيليين السابقين أخفيا هويتهما خلال زيارة الإمارات، شهدت الأيام القليلة الماضية ظهورًا علنيًّا لفريق رياضي إسرائيلي شارك في ﺑﻄﻮﻟﺔ ﺍﻟﺠﻮﺩﻭ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، واكتفت السلطات الإماراتية بشرط منع الرموز القومية الإسرائيلية، كرفع العلم الإسرائيلي، وإنشاد النشيد الوطني الإسرائيلي، وذلك لـ«دوافع أمنية»، لكنها سرعان ما اضطرت لامتصاص الغضب الإسرائيلي بعد رفض لاعب الجودو الإماراتي «رشاد المشجري» مصافحة منافسه الإسرائيلي، وعدم رفع العلم الإسرائيلي مع أعلام الدول الثلاث الحاصلة على المراكز الأولى، فتعهدت السلطات اﻹﻣﺎﺭﺍتية بعد الاعتذار ﺑﺮﻓﻊ ﺍﻟﻌﻠﻢ ‏ﺍلإﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻲ وعزف النشيد في ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﻤﻘﺒﻞ، فيما سارع رئيس اتحاد الجودو الإماراتي «محمد بن ثعلوب» لتهنئة نظيره الإسرائيلي بالنتائج التي حققها اللاعبون الإسرائيليون في نسخة 2017.

تطبيع سرّي قديم تكشفه وثائق حديثة!

بالرغم من تكرار جملة «عدم وجود علاقاتٍ دبلوماسية رسمية بين البلدين»، إلا أن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي تاريخ واضح يمكن إرجاعه إلى عام 2010، فكما تكشف وثائق موقع ويكيليكس في هذا العام استقبلت الإمارات فريق الجودو الإسرائيلي بالتزامن مع اغتيال القيادي بحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، محمود المبحوح.

  لكن واحدة من أبرز الخطوات التطبيعية بين البلدين، تتمثل في افتتاح ممثلية إسرائيلية في أبوظبي عام 2015، تم ذلك ضمن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وهو ذات العام الذي صوتت فيه الإمارات بالموافقة على عضوية إسرائيل في لجنة استخدام الفضاء الخارجي للأغراض السلمية التابعة للأمم المتحدة.

يتبادل أيضًا المسؤولون الإسرائيليون والإماراتيون الزيارات السرية، كان آخرها ما أكدته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بأن «نتنياهو» اجتمع سرًّا، في سبتمبر (أيلول) 2012، في نيويورك مع وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد بواسطة سفير الإمارات في واشنطن، وتحديدًا في فندق «ريجنسي» بنيويورك، وتضيف الصحيفة أنه في اللقاء الذي جاء على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك: «تم إدخالهما (ابن زايد والعتيبة) إلى الفندق بشكل سري جدًا، عن طريق موقف سيارات تحت الأرض، ثم صعدا بالمصعد الخاص بالخدمات إلى الجناح الذي يقيم فيه نتنياهو».

الشيخ منصور بن زايد آل نهيان في مباراة الدوري الإنجليزي الممتاز. (المصدر: أ ف ب)

ولا يمكن تجاهل العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين البلدين، التي منها ما كشفه موقع «ميدل إيست آي»، عن استيراد شركة «مستقبل الإمارات»، التي يملك الشيخ منصور بن زايد آل نهيان ما لا يقل عن 40% منها، مع الشركة الأردنية «حجازي وغوشة»، الماشية من أستراليا وأمريكا ثم تسليمها إلى إسرائيل عبر ميناء إيلات، لتعتبر بذلك الشركة الإماراتية من أكبر موردي اللحوم للسوق الإسرائيلية، وقد اتخذت الإمارات في علاقتها الاقتصادية مع إسرائيل منحى خطيرًا كشف عنه في شهر مايو (أيار) 2016، إذ تحت غطاء تجارة العقارات تورطت الإمارات بواسطة «محمد دحلان»، القيادي المفصول من حركة التحرير الوطني (فتح)، في مشروع لتهويد مدينة القدس والبلدة القديمة فيها، وذلك عبر شراء منازل من الفلسطينيين وممتلكات عقارية، ثم نقل ملكيتها إلى مستوطنين يهود.

اقرأ أيضًا: محمد دحلان.. ذراع الإمارات الإقليمي الذي اغتال خصومه وراوغ حلفاءه

الأزمة الخليجية تسرِّع وتيرة التطبيع الإماراتي مع إسرائيل

«الجزيرة كأداة لزعزعة الاستقرار في المنطقة»، حول هذه القضية كان من المفترض أن يجتمع مسؤولون إماراتيون على رأسهم ولي العهد وقائد القوات المسلحة الإماراتية «محمد بن زايد» مع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الموالية لإسرائيل في 11 و14 من يونيو (حزيران) الماضي، وذلك في إطار بحث سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، آلية معاقبة قطر مع المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط، دينيس روس، بسبب دعم قطر  للحركة الدولية لمقاطعة إسرائيل (بي دي إس)، وفق موقع «ميدل إيست مونيتور» البريطاني.

نسَّق للاجتماع السابق قبل وقوع الأزمة الخليجية مع قطر في بداية يونيو (حزيران) الماضي، لتتسع رقعة التطبيع بين إسرائيل والدول الخليجية أكثر فأكثر بعد هذه الأزمة، فكما يقول المختص في الشأن الإسرائيلي «صالح النعامي» : «لقد عززت الحملة على قطر -في نظر دوائر صنع القرار بتل أبيب- فرص تطوير العلاقات بين إسرائيل والدول الخليجية التي شاركت في الحملة، على اعتبار أن هذا التطور وسع مساحة القواسم المشتركة بين تل أبيب، وعواصم الدول الخليجية التي تناصب الدوحة العداء»، مضيفًا في مقاله «إسرائيل والحملة على قطر.. فرص ومحاذير» على (الجزيرة نت): «تجاهر دوائر صنع القرار في تل أبيب بأن أحد أهم المصالح المشتركة لكل من إسرائيل والدول التي تناصب الدوحة العداء، هو ضمان استقرار أنظمة الحكم العربية، والحفاظ على بنية النظام الإقليمي، من خلال محاولة إجبار الدوحة على قطع علاقاتها مع القوى التي تمثل حاضنةً للتغيير الداخلي، وتحييد تأثير قناة الجزيرة».

وقد تفاقم التطبيع بعد إظهار الموقف الإسرائيلي الرسمي لرضا كبير بمقاطعة دول الخليج قطر، فقد اعتبر وزير جيش الاحتلال، أفيغدور ليبرمان، أنّ: «قرار قطع العلاقات مع قطر فرصة ممتازة لتوحيد الجهود مع إسرائيل، فالقرار الخليجي يُمكّن إسرائيل، في حقيقة الأمر، من مد يدها للتعاون في المعركة ضد الإرهاب»، وقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية في مايو الماضي، ما يؤكد أنّ: «دول الخليج عرضت على إسرائيل إقامة علاقات أفضل معها في حال قدَّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقترحًا جادًا يهدف إلى إعادة إطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط، وذلك حسبما أفاد أشخاصٌ مُطَّلعون على النقاشات» وفق الصحيفة.

دوافع الإمارات المتعددة من وراء الهرولة للتطبيع

«التكنولوجيا الإسرائيلية، بما في ذلك برامج المراقبة، يتم تقاسمها مع السعودية والإمارات العربية المتحدة»، هذا ما قاله وزير الطاقة الإسرائيلية، يوفال شتاينيتز، كما قال بعدما زار (أبوظبي) بغية فتح مُمثِّليةٍ دبلوماسية إسرائيلية: «لقد طوَّرت إسرائيل تكنولوجيا متطورة تسمح لنا باكتشاف المؤامرات الإرهابية مُسبقًا، إنَّ ذلك يُمكِّننا من مساعدة الحكومات العربية المعتدلة على حماية نفسها».

اقرأ أيضًا: العشق الممنوع.. هل يكسر ابن سلمان «التابوه» ويقيم علاقات «علنية» مع إسرائيل؟

فمع بدء الحديث عن التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، كان التعاون في مجال التكنولوجيا هو الأبرز، حيث قدمت شركات الأمن والتكنولوجيا المرتبطة بإسرائيل المساعدة التكنولوجية للإمارات، ففي عام 2014 وقعت شركة (Verint Systems – فيرينت سيستمز)، المتخصصة في الأمن الإلكتروني وتُدار بصورةٍ كبيرة من إسرائيل، عقدًا مع الإمارات بقيمة أكثر من 100 مليون دولار، كما أنه وفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية فإن شركة (NSO Technologies Ltd– شركة إن إس أو المحدودة للتكنولوجيا) الإسرائيلية، قد باعت برنامجها الخاص بالمراقبة إلى الإمارات، ويقدر ما اشترته الإمارات من خدمات أمنية بقيمة 6 مليارات دولار بين أعوام 2007 و2015، وتنقل مجلة «بزنس-ويك» الأمريكية أن إسرائيل «زودت الإمارات بآلاف الكاميرات، ومجسات إلكترونية، وأدوات إلكترونية متخصصة في قراءة لوحة الترخيص للسيارات، وتم تنصيبها على طول الحدود وفي مناطق واسعة في أبوظبي، وغالبيتها تمت صناعتها وتطويرهم في إسرائيل».

علم إسرائيل وعلم الإمارات على شعار المناورة العسكرية المشتركة. (المصدر: موقع HELLENI)

فيما يتعلق بإيران، كانت حاضرة بوصفها مبررًا للعلاقات التطبيعية بين إسرائيل ودول الخليج، حتى أن «بنيامين نتنياهو»، رئيس وزراء إسرائيل، قال إن: «العرب يلتفون حولنا بشكل لم أكن أتوقعه في حياتي، وإسرائيل تبذل جهودًا كبيرة لتشكيل تحالف مع دول سنية ضد إيران»، مضيفًا أمام مركز أبحاث في لندن: «إن الخطر الذي تشكله إيران على جيرانها في الشرق الأوسط سيدفعهم إلى إقامة تحالفات كان من غير الممكن تخيلها».

وتهتم الإمارات خلال رحلة تطبيعها مع إسرائيل، بالتعاون العسكري والأمني، ليشهد مارس (آذار) الماضي، مشاركة سلاح الجو الإماراتي نظيره الإسرائيلي في مناورة عسكرية جوية في اليونان، وهي المرة الثانية في أقل من عام لمثل هذه المشاركة، حيث شارك طيارون إسرائيليّون مع إماراتيين في مناورة «العلم الأحمر» بالولايات المتحدة، وذلك بغية «تعزيز العلاقات بين الدول، والمحافظة على الاستعدادات المشتركة، وقدرة العمل المتبادلة»، كما جاء في تقرير الجيش الأمريكي.

لاعب الجودو الإسرائيلي «بيتر بالتشيك» في صورة مع مسؤولين إماراتيين.

ولم يقتصر التعاون في المجال العسكري على هذا المناورات؛ بل كانت الإمارات أهم دول الخليج التي اشترت أسلحةً وأنظمةً عسكريةً من إسرائيل، فاشترت أنظمة دفاع صاروخي، وأجهزة للحرب الإلكترونية، وكشف مكتب «الأعمال والابتكارات والمهارات» البريطاني المعني بمراقبة الصادرات الأمنية أنه في عام 2009 «طلبت تل أبيب الحصول على أذون لتوريد مكونات لطائرات بدون طيار للإمارات، وخوذات طيارين، وأنظمة التزود بالوقود جوًا، ورادارات أرضية، ومكونات لطائرات مقاتلة، وأنظمة لعرقلة إطلاق صواريخ، وأنظمة رادار محمولة جوًا، وأنظمة التصوير الحراري، ومعدات حرب إلكترونية»،حسب صحيفة «هآرتس» العبرية، لتكشف قبل أيام تسريبات السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة أن: «اهتمام دول الخليج بنظام القبة الحديدية بدأ في وقت أبكر من ذلك بكثير، فقد تبادل العتيبة رسائل مع الجنرال الإسرائيلي عوزي روبين بعد شهر واحد من الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2012. وهو يعتقد بشدة أن دول الخليج العربية باستطاعتها الاستفادة من المنظومة لتأمين نفسها في مواجهة الهجمات الإيرانية المحتملة».

ولم تخرج الرغبة الإماراتية في صد ثورات الربيع العربي عن أهداف التطبيع مع إسرائيل، ويبين تقرير موقع «ميدل إيست مونيتور» البريطاني أن الإمارات أرادت الارتباط بمراكز بحث أمريكية مناصرة لإسرائيل، وفتح قنوات اتصال خلفية بهدف إخماد الثورات الشعبية، والدفع بالدعاية الموجهة نحو اتخاذ مواقف معادية لمنظمات الإسلام السياسي، حيث تكشف مراسلات العتيبة عن «رغبة إماراتية في تطبيع سريع للعلاقات مع إسرائيل، وعلاقات وثيقة مع مؤسسات الضغط التي تعمل لصالح تل أبيب في واشنطن».

اقرأ أيضًا: كيف استخدمت السعودية والإمارات «الفزاعة الإيرانية» لتبرير التقارب مع إسرائيل؟

ولعل أهم ما تريده إسرائيل بعد الأزمة الخليجية هو تحسين فرص تمرير مشروع ما يعرف بـ«التسوية الإقليمية»، القائمة على أساس التطبيع الكامل والعلني بين إسرائيل، والدول العربية. وتذهب الحكومة اليمينية الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، برغبتها في نزع «إقرار عربي بأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية لم يعد مصدرًا من مصادر عدم الاستقرار في المنطقة»، كما قال الكاتب اليميني الإسرائيلي عمير رابوبورت في مقال نشرته صحيفة «ميكور ريشون».

المصادر

s