شهدت الشوارع المحيطة بهيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات السودانية بالعاصمة الخرطوم، مساء أمس ليلةً روّعت النظام نفسه حتى مطلع الفجر؛ فعبر الاحتجاج بصوت الرصاص، تمردت أربع وحدات رئيسية بهيئة العمليات في وقتٍ متزامنٍ بثلاثة مقرات للمخابرات، وفيما هرعت قوات الجيش والدعم السريع لإنقاذ الموقف، قوبلت بإطلاق نيران كثيف في الهواء، وإقامة المتاريس في شوارع العاصمة.

وفي ظل التعتيم للإعلام الرسمي للدولة خلال الساعات الأولى التي تزامنت مع تحليق مروحيات عسكرية، وظهور الدبابات في الشوارع، وتعليق الرحلات الجوية بمطار الخرطوم، بدا للعديد من السودانيين، أنّ ما يحدث هو إعادةٌ كاملة وبترتيب الأحداث للخطة «ب» الدموية من انقلاب البشير عام 1989، خاصة أنّ أحداث القصة تتكرر في المكان نفسه، وعلى يد الأشخاص أنفسهم. هذا التقرير يشرح لك أحداث ليلة أمس، بالإضافة للبُعد الغائب حول قوات الجهاز الأمني التي تمتلك حصانة دستورية تمنع قادة الجيش من محاكمتها.

كتائب الظل عادت من جديد.. ما الذي حدث ليلة أمس؟

أعلن رئيس المجلس السيادي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، خلال مؤتمر صحفي عقد فجر اليوم بحضور رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، أن جميع مقرات هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات السودانية التي شهدت تمردًا مساء أمس، باتت تحت سيطرة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وبحسب الرواية الرسمية لجهاز المخابرات السودانية، فإن «مجموعة من هيئة العمليات التي يصل عناصرها إلى 13 ألفًا، اعترضت على قيمه المكافأة المالية وفوائد ما بعد الخدمة»، عقب قرار حلّ الهيئة في يوليو (تموز) العام الماضي، بعدما استجاب المجلس العسكري لمطالب الثورة والتي تمثلت في حل الجهاز الأمني للمخابرات المعروف باسم «كتائب الظل»، والمتورط في أعمال عنفٍ ضد السودانيين في عهد البشير، لكنّ أفرادها حصلوا على حصانةٍ دستورية منعت محاكمتهم.

يقول الصحافي السوداني مصطفى أبو العزايم لـ«ساسة بوست»: «بعد قرار حلّ الهيئة وتحويل الجهاز لجهة جمع المعلومات، خُيّر أفردها بين الانضمام إلى الجيش، أو الالتحاق بالدعم السريع أو إنهاء الخدمة والحصول على المكافأة، فاختار غالبيتهم الخيار الأخير، لكنهم رفضوا تسليم سلاحهم حتى الحصول على مستحقاتهم المالية كاملة».

والفصل الهام من القصة يرويه «ر. تاج السر» أحد المُقربين من زعيم «حزب الأمة» المعارض صادق المهدي لـ«ساسة بوست»: «قبل 15 يومًا هددت تلك القوات جهاز المخابرات السودانية، ووجهت له إنذرًا أخيرًا للحصول على مستحقاتهم كاملة بعد أشهرٍ من المماطلة، واليوم الذي وقعت فيه الاشتباكات كان يوم موعد الاستحقاقات، لذا فالمجلس العسكري لم يتفاجأ بالتمرد».

يضيف المصدر: «تعتمد تلك القوات في مجابهة السُلطة على الحصانة التي حصلت عليها، بالإضافة لامتلاكها أسلحة حديثة مقارنةً بوحدات الجيش، إلى جانب أنها قوات مُدربة، وتمتلك خبرة قتالية جراء مشاركتها في الحروب الأهلية التي اندلعت في الجنوب ودارفور –غرب السودان-».

وبالعودة إلى ساعة الصفر التي وصلت فيها الأحداث لطريقٍ مسود، فعدد من الصحف السودانية أشارت إلى أنّ القوات المتمردة قامت باحتجاز ضابط أمن برتبة لواء، بعدما طالبهم بالرحيل، ليبدأ بعدها مسار الأحداث في مسار تصاعدي انتهى لتصريح المجلس السيادي في أول بيانٍ له على لسان المتحدث الرسمي بأنّ ما يحدث «تمردًا عسكريًا»، وهو ما بدا فعليًا فشل المفاوضات بين الطرفين، أو انتهائها.

والخطة التي اعتمدها الجيش السوداني في وقتٍ مُتأخرٍ من الليل لإنهاء الازمة تمثلت في اقتحام جهاز المخابرات، وتدمير مقاره بالقوة في سبيل استعادتها على حساب الدماء، لكنّ اللافت أنّ المجلس السيادي لم يُعلن اعتقال المتورطين ولا رفع الحصانة عنهم تمهيدًا لمحاكتهم، وهو دفع النائب العام السوداني لإصدار بيانٍ اعتبر أنّ ما حدث جريمة تمرد كاملة الأركان.

عربي

منذ 7 شهور
«بيوت الأشباح».. قصة جريمة تفاخر بها جهاز المخابرات السوداني

صلاح قوش.. هل يقف «ظل البشير» خلف التمرد؟

عبر رسم أدوار جديدة للبقاء برز «قوش» دائمًا باعتباره الناجي الوحيد من نظام البشير، حتى أنّ الثورة السودانية التي أطاحته من منصبه لم تفلح في تقديمه للمحاكمة عكس أغلب رموز النظام، وسبق لقوات جهاز الأمن التي واجهت بالأمس قوات الجيش والدعم السريع، أنّ تصدت بالقوة ذاتها للشرطة في مايو (أيار) العام الماضي رغم صدور قرار من النيابة العامة بتفتيش منزله، وتنفيذ أمر اعتقاله.

وسبق أنّ هدد نائب الرئيس السوداني المعزول، علي عثمان محمد طه، المعارضة في الأيام الأولى للثورة باستخدام قوات جهاز الأمن لمواجهة الاحتجاجات: «النظام تحميه كتائب ظل ومجموعات كاملة تقف من وراء مؤسسات الدولة للدفاع عن الشرعية حتى ولو وصل الأمر للدماء»، ورغم انتصار الثورة إلا أنّ «تجمع المهنيين» وجّه اتهامًا رسميًا للمجلس العسكري بإعادة العمل بنظام «بيوت الأشباح»، ووالاستعانة بتلك القوات عقب أحداث فض اعتصام القيادة العامة الدموي في يوليو (تموز) العام الماضي، والتي اختفى على إثرها مئات السودانيين.

وفي فرصة بدت سانحة للنيل من قوش ضمن سنوات العداء الطويلة بين الرجلين، اتهم نائب رئيس مجلس السيادة، الفريق محمد حمدان دقلو، رئيس جهاز المخابرات السودانية السابق، صلاح قوش بالوقوف خلف التمرد بمساعدة بعض أعضاء الجهاز التابعين بالولاء للبشير، وأنه يخطط لانقلاب جديد على الحكومة الانتقالية.

وسبق أنّ كشف مصدر مقرب من قادة المجلس العسكري في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن قوش انتقل إلى خارج البلاد، وتحديدًا إلى الإمارات ثم مصر، بالتنسيق مع جهاز الأمن و«تواطؤ» المجلس العسكري الذي سهل سفره إلى الخارج، وبخلاف الوضع السيئ الذي يواجهه فلول نظام البشير الذين تعزلهم حكومة حمدوك دون ضجيج، إلا أنّ هيكلة جهاز المخابرات السودانية العامة تبدو مشكلة تواجه النظام الذي استهدف قيادات الصف الأول والثاني عبر الإقالات والإحالة للتقاعد، كان آخرها إقالة نائب مدير المخابرات إلى جانب 60 ضابطًا آخر.

وبالرغم أنّ الوثيقة الدستورية تضع المخابرات السودانية لأول مرة تحت سُلطة مدنية لها سُلطات كاملة للتحكم في الجهاز السيادي وإخضاعه، لكنّ الطريقة التي أسس بها صلاح قوش الجهاز الحالي تُسهّم في حسم قضية الولاء، خاصة أنّ على رأس هذه القيادات جلال الدين الشيخ الطيب، الذي أصدر المجلس العسكري قرارًا بتعيينه رئيسًا لجهاز الأمن والمخابرات السودانية، وهو الرجل المعروف عنه قربه الشديد من صلاح قوش، الذي اختاره نائبًا له عند العودة لرئاسة الجهاز الأمني في عام 2018.

وفيما بات قوش يُتهم رسميًا في الصحافة السودانية بأنه الفاعل الرئيس والمحرك لأحداث أمس، يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «اتهم حميدتي قوش علانية لعدة أسباب أبرزها أنه يريد أن يُظهر نفسه باعتباره حامي حمى الثورة والديموقراطية، بالإضافة إلى أنّ القوات التي هاجمت الجيش بالأمس أسسها قوش خصيصًا لتصبح القوة الضاربة ولتعزز نفوذه أمام قوات الدعم السريع».

عربي

منذ سنة واحدة
صلاح قوش.. «ظل البشير» الذي لا يثق فيه ويراهن عليه لقمع الاحتجاجات

كيف صنعت «كتائب الظل» استبداد البشير؟

ومع قيام ثورة الإنقاذ عيّن البشير علي نافع علي مديرًا لجهاز الأمن العام، وانضم إليه صلاح قوش ابن الحركة الإسلامية السودانية باعتباره كان مسئولًا عن جهاز المعلومات الخاص بالتنظيم الإسلامي، بالإضافة لالتحاقه المُبكر بجهاز الأمن الداخلي لحزب المؤتمر الحاكم.

قاد الثنائي معًا تأسيس «بيوت الأشباح» التي استقبلت مئات المعارضين خاصة أعضاء «الحزب الشيوعي»، ثم تورط الرجلان لاحقًا في قضية أخطر حين وجّه النظام المصري اتهامات مباشرة لهما بالتخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عام 1996 أثناء حضوره مؤتمر «منظمة الوحدة الأفريقية» بإثيوپيا.

ورغم أنّ الحكومة السودانية نفت ضلوعها في محاولة اغتيال الرئيس المصري، إلا أنها اعترفت رسميًا ممثلةً في رئيس جهاز الأمن ووزير العدل والنائب العام؛ بوجود «بيوت الأشباح» عقب التقرير الذي أعده مقرر حقوق الانسان في السودان، بتكليف من الأمم المتحدة عام 1995، والذي أعدّ فصلاً كاملاً عن الاعتقال داخل هذه الأمكنة.

يبرر وزير العدل السوداني الأسبق أمام الأمم المتحدة قصة إنشاء «بيوت الأشباح» بأنها تأسست على غرار «البيوت الآمنة» التي تمتلكها الحكومات الغربية، وأنّ جهاز الأمن السوداني كان يعمل في مبانٍ مؤقتة داخل الجيش دون أن يكون له مقرات لاحتجاز المعتقلين، لذا كان التدبير المثالي من وجهة نظر النظام حينها هو استخدام بيوت عادية سرية وسط الأحياء السكنية.

والقصة من وجهة نظر المعارضة تحمل أبعادًا أخرى لتسمية «بيوت الأشباح»؛ فقد تميزت بكونها أماكن اعتقال مجهولة، وغير معلوم عدد المعتقلين فيها ولا أسماءهم، أما من وجهة نظر نافع علي نافع الذي صرّح بها في لقاء تليفزيوني عقب الإطاحة به من منصبه: «لا أوّد أن أبرئ الجهاز وأجعله نقيًا أكثر من غيره، لكن وجود بيوت الأشباح أمر بديهي وما تبعه من قبضة أمنية في بداية نظام الإنقاذ ضد حركة العصيان المدني التي قادتها المعارضة من جهة، وضد الانقلابات العسكرية للجيش من جهة أخرى»، واللافت أنه أضاف ضاحكًا: «نحن لم نأتِ لنرحل».

عربي

منذ 3 شهور
يعزلهم حمدوك «دون ضجيج».. فلول نظام البشير محاصرون في السودان

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد