تعيش الحركة الإسلامية، أحد ممثلي تنظيم الإخوان المسلمين بالسودان في السلطة، تغييرات كُبرى على مستوى التنظيم، والأفكار، والتي لا تنفصل كذلك عن السياق المحيط من التغييرات الداخلية في السودان، ورغبة الرئيس عُمر البشير في تطويع الحركة لخدمة أهدافه في البقاء بالسلطة، ومساومة حلفاء إقليميين في الخليج بهذه التغييرات.

تتوازى هذه التغييرات مع تحولات جديدة في القيادة للتنظيم الأم، عبر اختيار طبيب شاب أربعيني في منصب المراقب العام، يسعى لطرح رؤي جديدة، وتصور مغاير يحاول من خلاله السيطرة على الانشقاقات داخل التنظيم.

ماذا يحدث داخل مُمثل «إخوان السودان»؟

في المؤتمر العام التاسع للحركة الإسلامية (أحد روافد جماعة الإخوان المسلمين في السودان)، الذي انعقد في نوفمبر (تشرين الأول) من العام الجاري، خطا ممثل الإخوان خطوات كبيرة للانقلاب على إرث التنظيم والكثير من المفاهيم السائدة، والتعريفات الخاصة به، والتي شكلت دافعًا أساسيًا من أجل استقطاب أعضاء جُدد، وتحريك مشاعر وعواطف الجماهير، محاولًا تهيئة مريديه لهيئته التنظيمية الجديدة حركة مدنية، غير مرتبطة بتنظيمات دولية، تُبدل شعاراتها القديمة، وتستبدل بها أخرى.

ووقعت انشقاقات كبيرة داخل تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، منذ تأسيسها في أربعينات القرن الماضي؛ أدت إلي وجود العديد من الكيانات المُمثلة له في العمل السياسي والعام، انتهت تقريبًا إلى وجود الكيان الدعوي التقليدي مُمثلًا في التنظيم نفسه، ويخضع لرؤية المراقب العام ومجلس الشورى، إلى جانب مُمثل لهذا الكيان بشكل غير رسمي، وهي الحركة الإسلامية في السودان، والتي ينضوي تحت رايتها العدد الأكبر من منتمي الإخوان.

كان التحول الأهم في هيكل الحركة خلال انعقاد المؤتمر التاسع لها هو محو الشعار التاريخي الأثير لدى الجماعة، والذي يقول: «في سبيل الله قُمنا، نبتغي رفع اللواء.. لا لدنيا قد عملنا، نحن للدين فداء.. فليعُد للدين مجده، أو ترق منَّا دماء.. أو ترق منهم دماء.. أو ترق كل الدماء»، ليتم استبدال شعار آخر به يقول: «في سبيل الله قمنا، ونعمنا بالإخاء.. لا لدنيا قد عملنا نحن في الحق سواء.. فليعد للدين مجده، فليدم ذاك النقاء».

التغيير الآخر الذي يتعلق باللوائح الداخلية للتنظيم هو التأكيد المُتكرر على فك ارتباط الحركة الإسلامية في السودان بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وعدم وجود روابط بينهم وبين التنظيم، وأن الحركة تُدار من الداخل وليس من الخارج، إلى جانب المضي قدمًا نحو فصل الحركة الدعوية عن الحزب السياسي، والتمييز بين أدوارهم ومهامهم.

لم تقف التحولات والتغييرات عند ذلك الحد؛ بل امتدت لتشمل كذلك إعادة فتح النقاش حول ديباجة دستور الحركة الإسلامية السودانية، والتي تُشير إلى «أن الحركة الإسلامية قد كافحت بالإسلام العلمانية، والماركسية، واشتراكية هاربة من مضارب الدين، وديمقراطية مستنكفة عن التسليم لرب العالمين»، في إشارة لرغبة متزايدة من قادة الحركة في محو الشعارات الدينية، ونزع غطاء الدين عن أنشطة الحركة.

جماعة الأمة القبطية.. التنظيم القبطي الذي رفع شعار «الإخوان المسلمين»!

هذا النقاش الواسع حول القضايا الخلافية لم يمنع الأمين العام للحركة الذي تم تجديد الثقة له بربط هذه التغييرات بالتقدم نحو «مزيد من الانفتاح على الآخر وتقبله وخلق تمتين فكري وسط الشباب ومزيد من الوحدة»،  مبينًا أنه «بهذه الأدوات يمكن مجابهة الهجمة الشرسة ضد الإسلام السياسي»، في إشارة دالة على تمسكهم بنموذج الإسلام السياسي في الحُكم، مع تغييرات داخلية من أجل الاستمرار.

ولا تنفصل هذه التغييرات داخل الحركة الإسلامية عما شهده التنظيم نفسه من خلافات مُشابهة قبل عامين بين جبهتين يتمسك الفريق الأول بها بالأفكار التقليدية للتنظيم، ورفض خروج الجماعة من التنظيم الدولي للإخوان، بينما الفريق الثاني يدعو إلى فك هذا الارتباط، ويطرح تصورات جديدة للدولة وإدارة مجتمع متعدد، وهو الفريق الذي نجح في حسم هذا النزاع لصالحه.

بدوره، يصف المحبوب عبد السلام، المُفكر السوداني الكبير، والقيادي السابق بحركة الإخوان المسلمين، في تصريحات خاصة لموقع «ساسة بوست»، التغييرات التي شهدها المؤتمر التاسع، قائلًا: «هي مجرد تكرار ممل لما ظل يجري في السنوات الماضية، رغم طرحهم قبل عام ضرورة تجديد العلاقات والمفاهيم بين ثالوث الحكومة، والحزب، والحركة، ولكن تعذر إصلاح الشأن العام كله، وفشل الحوار الوطني الذي امتد لثلاثة أعوام، والذي جعل  الحركة الاسلامية تراوح مكانها عاجزة حتى عن اختيار أمين عام جديد».

ويضيف المحبوب، الذي يُعد أحد المقربين لسنوات طويلة من زعيم الإسلاميين الراحل في السودان حسن الترابي، أن الترابي «تبنى أطروحة ضرورة ذوبان الحركة الإسلامية فى المجتمع وقيادته من داخله، حتى لا تتحول إلى طائفية، فبدأ عهده فى استلام السلطة بحل غالب أجهزة حركته وتصعيدها إلى العلن، ثم خسفها بالكامل فى حزب المؤتمر الوطنى فى مرحلة تالية وتسجيلها وفقًا لقانون تنظيم الأحزاب».

وتابع «أنه مع انقسام الحركة الاسلامية السودانية إلى حزبين عام 2000، حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وحزب المؤتمر الشعبي، الذي انضم مع تأسيسه للمعارضة بقيادة زعيم الحركة نفسه، فى تلك المرحلة ومع تصاعد حالة التلاوم من نتائج المُفاصلة الوخيمة على الشقين، راودت أشواق التنظيم جماعة من الأصلاء فيها، وعزوا في تحليلهم لجذور الأزمة أنها بسبب حل التنظيم، فبدأوا الدعوة، ثم التأسيس لكيان خاص للحركة الاسلامية يكون حاكمًا باسمها المجتمع والدولة؛ مما أثار حفيظة جماعة السلطة، واعتبروها ازدواجية جديدة أسوأ من ازدواجية الشيخ والرئيس، فأعادوا كتابة النظام الأساسي بما يجعل وظيفة الحركة التربية الدينية في المجتمع، ويقوم الحزب بالحشد والتعبئة للسياسات والبرامج التي تقررها حكومته».  

«لعبة الكراسي الموسيقية».. كيف صار البشير عدوًا وصديقًا للجميع في الوقت نفسه؟

«الحركة الإسلامية في السودان».. من كيان دعوي إلى أحد أجهزة الدولة

لم تمض الحركة الإسلامية في السودان كما رسم لها مؤسسوها بشأن الفصل بينها وبين أدوار السلطة والأجهزة التنفيذية في الدولة؛ لتصير مع مرور السنوات بفعل سياسات السلطة الحاكمة المُمثلة في الرئيس السوداني عُمر البشير أشبه بجهاز من أجهزة الدولة، تنحصر أدوارها في تعزيز شرعية «البشير»، وتقويض أي تحركات للمعارضة تحت دعوى حماية الإسلام والشريعة، وربط أي تغييرات داخلية في الحركة بمصالح السلطة.

وتروج الحركة دومًا إلى أنها كيان مستقل عن الدولة، لديها مصادر تمويل خاصة بها من استثماراتها واشتراكات عضويتها، ولا دخل للحكومة بتمويلها، على خلاف الوقائع الموجودة على أرض الواقع التي تشير إلى تحول الحركة إلى  ذراع للسلطة.

وحسب أمين عام الحركة فإن عضوية المؤتمر العام تبلغ 4 آلاف عضو، ألفان منهم قادمون من الولايات، والبقية هم تمثيل للقطاعات المهنية والطوعية والفئوية، و10% منهم استكمال يتم حسب لوائح الحركة.

كان آخر مظاهر التماهي مع السلطة الحاكمة إعلان الحركة في مؤتمرها التاسع، تأييدها ترشيح الرئيس عمر البشير لمنصب رئاسة الجمهورية لدورة أخرى في انتخابات 2020 ، داعيًا لاتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية الخاصة لتعديل الدستور الذي ينص على تولي الرئاسة لدورتين فقط.

وبدأت الحركة في هذا التحول منذ قرار البشير الإطاحة بعشرات من قادة الحركة، قبل أربعة أعوام، بينهم علي عثمان محمد طه، وإبعادهم عن منافذ القرار، في محاولة منه لتصفية كُل رموز الحركة النافذة، وإخضاعها لتوجهاته، وتسييرها وفقًا لما تقتضي مصالحه، قبل أن يلي هذه الخطوة بتعيين عشرات من رموز الحركة، المعروفة بولائها له، في مناصب عسكرية نافذة.

ولا تنفصل هذه التغييرات الأخيرة في التصورات الفكرية للحركة، التي تم إعلانها في المؤتمر التاسع للحركة، عن تحركات النظام، ومساعيه للخروج من العزلة الإقليمية والدولية المفروضة عليه، عبر تسويق الحركة ممثلًا للإسلام الوسطي، خصوصًا في ظل التراجع الكبير للإسلاميين في العديد من البلدان العربية، على رأسهم مصر.

ويتأكد ذلك من واقع تصريحات سابقة لأمين عام الحركة الإسلامية في السودان، فسرت انفصال الحركة عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، بالقول في حوار سابق له: «بحسب مقربين من الحركة الإسلامية فإن بعض الدول على المحيطين العربي والأوربي لديها مواقف متطرفة من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين خاصة بعض الدول الخليجية، لذلك فضلت الحركة الإسلامية السودانية النأي بنفسها عن التقارب مع التنظيم الدولي حفاظًا على علاقات ودية تربط بين الحكومة وبعض الدول التي تبغض الإخوان المسلمين».

وبحسب المحلل السياسي السوداني، الطيب زين العابدين، لموقع «العربي الجديد»، فإن تصنيف دول مثل الإمارات والسعودية للحركة الإسلامية حركة إرهابية؛ شكّل عامل ضغط على النظام الذي يسعى لتحسين علاقاته مع تلك الدول والولايات المتحدة لإنعاش اقتصاد. بينما يعتقد مصدر من حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم، أن انتخابات عام 2020 تشهد تحوّلًا جديدًا في «المؤتمر الوطني»، بدخول مجموعة من العلمانيين وأصحاب المصالح إليه، رد فعل على رفض دول مثل الإمارات والسعودية والولايات المتحدة ودول غربية أخرى، تحكّم الإسلام السياسي بالسلطة ومحاولة إقصاء كل من يحمل هذه السمة عن الحكم.

«إخوة أم أعداء؟»: التفاصيل شبه الكاملة للصراع المحتدم بين مصر والسودان

هل ينهي الشاب الأربعيني الانشقاقات والتوظيف السياسي لإخوان السودان؟

قبل عام، أنهى الشاب الأربعيني، عوض الله حسن، النزاع الدائر بين الجبهتين المتصارعتين داخل تنظيم الإخوان المسلمين، باختياره مراقبًا عامًا للجماعة، في ديسمبر (كانون الأول) 2017، مقابل تنحية المراقب العام السابق للجماعة الشيخ علي جاويش، والذي كان منتميًا إلى تيار الصقور المتشدد، ممن يتمسك بالعلاقة الحركة بالتنظيم الدولي، وتهيمن أفكار الخلافة الإسلامية عليه.

وتخرج عوض الله، المولود في 1971، من كلية الطب جامعة الخرطوم، وتخصص بعد ذلك في مجال أمراض كلى الأطفال، ويعمل حاليًا أستاذًا في جامعة أم درمان الإسلامية. ومن أبرز مناصبه السابقة داخل الجماعة عمله مقرراً للمكتب التنفيذي خلال الفترة من 2008 إلى 2012، وينتمي إلى الجيل الشاب الذي سعى لما سمي بالإصلاح في الجماعة وتطويرها، وله نشاط بارز في منطقته بمدينة أم بدة بأم درمان، حيث أسس مجمع قباء الإسلامي الذي يقوم بأنشطة دعوية واسعة ومميزة.

صورة المراقب العام الجديد لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان المصدر :جريدة الصيحة السودانية

ويحمل عوض الله حسن، خريج كلية الطب، تصورات مخالفة عمن سبقوه من قادة الإخوان؛ فلا يقف أمام المجموعات الداعية للتظاهر، ويعتبره «حقًا دستوريًا، وأحد الخيارات المتاحة للناس»، معتبرًا اليساريين «مواطنين في هذا السودان» لهم حقوق مُشابهة.

ويرمي قطاع كبير منتم للإخوان في السودان آمالهم على الطبيب الشاب في الحد من الانشقاقات التي عصفت بتنظيم الإخوان في السودان منذ سنوات، والوقوف أمام توظيف الدين في التنافس السياسي، إلى جانب محاولة إبعاد أعداد كبير من رموز الحركة الإسلامية عن دوائر السلطة، فيما يعتبر مراقبون أن «انتخاب سيد أحمد، البالغ من العمر 46 سنة، نقلة نوعية في تفكير الجماعة، بإسنادها أرفع منصب فيها إلى واحد من القادة الأكثر شبابًا بالمقارنة مع القيادات التاريخية، وهو أمر يندر حدوثه في التنظيمات السياسية والدعوية في السودان».

في حوار له منشور بعد اختياره  مراقبًا عامًا للتنظيم، قدم عوض الله خطابًا مغايرًا عمن سبقوه؛ إذ طالب بتداول السلطة، وتغيير الوجوه، وأقر بوجود مشاكل فكرية وتنظيمية داخل تنظيم الإخوان أدت إلى انشقاقات لحركات متعددة، وأفقدته الكثير من أهدافه.

خمس سنوات وما زالت «الحرب الأهلية السودانية» مستمرة.. ماذا تعرف عنها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد