من الآن فصاعدا، 1 أبريل 2015، تعد فلسطين دولة من بين 123 من الدول الأعضاء للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أن السلطة الفلسطينية لم تضع حتى الآن “شكوى” تنظر في الاحتلال الإسرائيلي، مثلما أخبر وزير الشؤون الخارجية رياض المالكي في بداية شهر مارس المنصرم.

وقال الوزير: «إننا لا نبحث عن الثأر وإنما نريد العدالة»، وذلك في ندوة نظمتها مؤسسة العلوم الاجتماعية في لاهاي في هولندا، قبل يوم واحد من حفل انضمام فلسطين إلى المحكمة. هذه المناسبة الرمزية ستسمح لفلسطين على الأقل العمل منذ الآن تحت مظلة دولة تنتمي لمنظمة دولية، ولها حق التصويت ضد إسرائيل، التي تعارض هذه المحكمة.

هذا وقد تأسست المحكمة الجنائية الدولية المختصة لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب الجماعية، منذ سنة 2002.

وقد قدمت رام الله طلب الانضمام في الأول من يناير الماضي، بعدما فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار، من شأنه وضع جدول زمني للاعتراف بفلسطين وإنهاء الاستيطان الإسرائيلي. وكانت أمريكا وإسرائيل أدانتا نهج رام الله، الذي سيسمح لها بالانضمام للمحكمة الدولية بصفة دولة.

وقد قامت أيضا الحكومة الإسرائلية بتجميد عائدات ضرائب تقارب 106 مليون يورو شهريا، تجمعها نيابة عن الفلسطينيين. وقد اتخذت قرار الإفراج عن الأموال الجمعة الماضية بعدما، حسب الصحف الإسرائلية، عقدت اتفاقا سريا مع رام الله تمتنع بموجبه عن فتح جبهة جديدة من خلال المحكمة الدولية، بخصوص استهداف السياسة الاحتلالية.

ويمكن بطبيعة الحال للمدعي العام السيدة فاتو بنسودة، فتح تحقيق بدون طلب الفلسطينيين، إلا أن الطلبات المحددة التي يتم تقديمها، تكون لها الحظ الأوفر من الاهتمام.

وتماشيا مع طلبها الانضمام للمحكمة في الأول من يناير، طلبت رام الله من المدعي العام فتح تحقيق حول جرائم عامة منذ 13 يونيو 2014، والنظر في عملية “الجرف الصامد” التي قادها الجيش الإسرائيلي خلال الصيف، وكانت السيدة فاتو بنسودة قد أعلنت الشروع في دراسة أولية كمرحلة قبل فتح التحقيق، إلا أن هذا الإجراء يأخذ وقتا طويلا، كما أن نتائجه غير مؤكدة.

وكان أول طلب للفلسطينيين للمحكمة قد رفض في أبريل 2012، تحت مبرر أن فلسطين ليست دولة، وهو العائق الذي تحاول رام الله تجاوزه الآن. لكن المدعي العام عليه مراجعة الجوانب القانونية، يقول خبير بالقانون الدولي: ” قانونيا، هناك إمكانية لمراجعة قرار المحكمة وإعلان أن القضية غير مقبولة”. ويبدو أن المعركة السياسية القانونية قد بدأت بوادرها بالفعل داخل المحكمة.

وفي مارس المنصرم وعد وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان باسترضاء وإقناع الدول حتى لا تساهم بقسطها في ميزانية المحكمة. في لحظتنا هذه “لا توجد إشارات” كما يقول دبلوماسيون غربيون بلاهاي بخصوص التمويل. “يمكنهم أن يفعلوا ما يشاؤون من الضغوطات، لكنهم لن يوقفوا المحكمة”، كما يؤكد نبيل أبو زنيد رئيس الوفد الفلسطيني بهولاندا.

وقد بدأت الضغوطات الإسرائلية من أجل إيقاف المحكمة منذ الصيف. كما حاول محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الحصول على دعم مختلف الفصائل الفلسطينية قبل الالتحاق بالمحكمة الجنائية الدولية، وذكر خبراء ودبلوماسيون أن المسؤولين الفلسطينيين الموالين لحماس قد يكونوا مستهدفين من المحكمة أيضا بالإضافة إلى الإسرائيليين، إلا أن نبيل أبو زنيد يطمئن “يمكن أن نكون محل نظر التحقيقات أيضا، لكن لسنا خائفون”. يضيف “نحن الآن متساوون في الأسلحة، فليطمئن الدبلوماسيين، فلن يعتقلوا مفاتيح الحل هذه المرة”.

إذا كنا نسعى لتهدئة لكلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فإن المجتمع المدني مطالب بمضاعفة مبادراته، في هذا الصدد يقول راجي الصحروني، مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية مؤسسة بغزة، إننا قابلنا المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وحددنا موعدا مع لجنة التحقيق حيث سيحضر فيه محامون وهيئات مدنية. مستطردا “التحقيق ليس فقط من أجل الفلسطينيين، ولكن أيضا لصالح المنطقة ككل، إذ ما الذي يريده العالم لمنطقتنا أن يسود، دولة القانون أم قانون الغاب”، وقد اعتبروا نشطاء المركز كشهود ومعاينين على حرب غزة الأخيرة.

من جانبهم، عدد المسؤولون الاسرائليون بمباشرة إجراءات للضغط على السلطة الفلسطينية، ويرى المركز الإسرائيلي للقانون المقرب من الحكومة، أنه لو تم فتح تحقيقات جنائية منذ سنوات لكنا حصلنا على أحكام ضد الإرهاب، خاصة أمام المحاكم الأمريكية.

وكانت المنظمة قد رفعت ثلاث شكاوى للنظر ضد محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، وقد نبه الممثلون الأردنيون المركز الإسرائيلي للقانون بضرورة الاحتكام إلى المحكمة الجنائية الدولية، والأردن هي عضو بالمحكمة، وهو الأمر الذي يسمح من خلاله للمدعي العام بفتح تحقيق حول جرائم الحرب ضد المواطنين بغض النظر عن مكانهم، ولم تفتح بعد المحكمة الجنائية الدولية ملف مئات الشكاوى التي تستقبلها سنويا، إلا أنه يبدو أن المعركة القانونية قد بدأت.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد