20,415

تصعيد مستمر تشهده العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وأنقرة. الحكومة التركية ألغت طلبات الحصول على التأشيرة للمواطنين الأمريكيين رد فعل مكافئ لإعلان السفارة الأمريكية في تركيا إيقاف إصدار التأشيرات لغير المهاجرين في الولايات المتحدة.

السفارة الأمريكية بأنقرة أصدرت بيانًا قالت فيه إن الأحداث الأخيرة أجبرت حكومة الولايات المتحدة على إعادة تقييم التزام أنقرة بتأمين المنشآت الأمريكية والعاملين بها. قرار الولايات المتحدة بإيقاف إصدار التأشيرات لغير المهاجرين يعني عدم قدرة أي مواطن تركي زيارة الولايات المتحدة إلا في حالة نيته الهجرة الكاملة.

القرار الأمريكي جاء في أعقاب اعتقال قوات الأمن التركية لموظف بالقنصلية الأمريكية بإسطنبول على خلفية ارتباطه المزعوم بـ فتح الله جولن الزعيم المسلم الذي تتهمه أنقرة بالوقوف خلف محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي. واشنطن قالت إنها «قلقة للغاية» من الخطوة التي اتخذتها أنقرة باعتقال موظف سفارتها.

كل هذه الأخبار طالعناها في الأيام القليلة الماضية، فما الذي يحدث بالضبط؟

عقل أنقرة: كل أمريكي على أرض تركيا هو ورقة ضغط محتملة

تستخدم الحكومة التركية ورقة الاعتقالات باعتبارها وسيلة ضغط فعالة لإجبار الولايات المتحدة على الرضوخ لطلبها بتسليم جولن. ليس بهذه الحادثة فقط، فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) من العام الماضي؛ قامت الحكومة الحالية بأنقرة باعتقال عشرات الآلاف من الأتراك على خلفية اتهامهم بالتواصل مع حركة جولن لتنفيذ خطة للانقلاب على الشرعية. في أثناء ذلك، قامت قوات الأمن التركية باعتقال مواطنين أمريكيين كذلك، بعضهم مزدوجي الجنسية ويحملون الجنسية التركية.

الولايات المتحدة في المقابل تؤكد أن المواطنين الأمريكيين المعتقلين في تركيا تم اعتقالهم لأسباب سياسية، لذلك فإنه من المستبعد حصولهم على محاكمات عادلة في المحاكم التركية.

أندرو برونسون، القس الإنجيلي الذي عاش بتركيا لمدة 23 عامًا هو أحد أهم المعتقلين الأمريكيين في تركيا الآن. توجه له الحكومة التركية اتهامات بعلاقته بحركة جولن؛ ومحاولة الإطاحة بالحكومة الشرعية برئاسة رجب طيب أردوغان.

حقيقة تمسك الولايات المتحدة بعدم تسليم جولن لحكومة أردوغان جعلت الصحافة التركية تتمسك بفرضية ضلوع واشنطن بالتخطيط ومساندة محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها بعض قادة الجيش التركي، يأتي ذلك في الوقت الذي لم تكف فيه أنقرة عن المطالبة بالحصول على جولن ومحاكمته على الأراضي التركية.

Embed from Getty Images

يعيش جولن الآن في ولاية بنسلفانيا الأمريكية لأكثر من عقدين، يترأس حركة تقوم بإدارة الكثير من المدارس الخيرية، وبعض المؤسسات الاقتصادية في أنحاء الولايات المتحدة، وهو مفكر إسلامي كان من مؤيدي أردوغان، قبل أن يشق الخلاف علاقته بحزب العدالة والتنمية في عام 2013 على خلفية اتهام أردوغان له بإثارة شائعات تورط مسؤولين في حكومة الأخير بالفساد للتأثير على الحكومة.

تركيا لن تنسى موقف واشنطن من الأكراد في سوريا

أحد أهم المسائل التي أثارت خلافًا كبيرًا بين الإدارة الأمريكية وحكومة أردوغان كانت موقف الولايات المتحدة من دعم المقاتلين الأكراد في الحرب الأهلية السورية. الحكومة التركية تعتبر المقاتلين الأكراد في الأراضي السورية امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المعارض. حزب العمال الكردستاني كان الشوكة التي أرقت الحكومة التركية لأكثر من ثلاثة عقود بسبب قيادة الحزب لحركة التمرد الواسعة.

تركيا  شنت هجومًا حربيًا بالأراضي السورية، الغرض الرئيس له كان محاولة إنشاء منطقة عازلة ودفع الميليشيات الكردية للعودة إلى وحداتهم على الحدود التركية السورية. واشنطن بدورها اعتبرت أن الميليشيات الكردية هي الحليف الأقوى لمساندته من أجل السيطرة على تمدد الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، وهو الأمر الذي أشعل فتيل الخلاف بين واشنطن وأنقرة.

أردوغان لا يخشى رفع «كارت» بوتين في وجه الإدارة الأمريكية

اتفاق أعلنت عنه الحكومة التركية في سبتمبر (أيلول) الماضي بين أنقرة وموسكو عن صفقة أسلحة صواريخ من طراز (S-400) وهو النظام الأكثر تطورًا لفئة صواريخ (أرض – جو) في روسيا. الاتفاق كان في طور المفاوضات لشهور، قبل أن يعلن عنه الجانب التركي. الصفقة كلفت الحكومة التركية ما قيمته 2.5 مليار دولار.

هذه الصفقة أثارت الجانب الأمريكي ورفعت من حدة قلق واشنطن من طبيعة العلاقات بين تركيا وروسيا. تركيا قد عارضت بهذه الصفقة الاتفاق الذي قررته مجموعة الناتو بإلزام أعضاء المجموعة بعدم استخدام أنظمة تسليح غير تلك القابلة للتشغيل المتبادل مع أنظمة باقي أعضاء المجموعة. الاعتراض على هذه الصفقة لم يكن حكرًا على واشنطن، فقد اعتبرتها بقية دول الناتو خرقًا للاتفاق المذكور. وعبر متحدث باسم الناتو عن هذا الرفض قائلًا: «لم يتم تبليغ مجموعة الناتو بتفاصيل هذه الصفقة… في المقابل قيل إن طرفي الاتفاق أحرار في تحديد المعدات العسكرية التي يشترونها».

Embed from Getty Images

وطالبت بعض الأصوات داخل الإدارة الأمريكية بالرد بقوة على هذه الصفقة، وصل الأمر إلى دعوة سين كاردين، الممثل رفيع المستوى للحزب الديموقراطي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ؛ إلى توقيع عقوبات اقتصادية على أنقرة، وقال كاردين إن هذه الصفقة قد خرقت الاتفاق الذي تم توقيعه أغسطس (آب) الماضي، والذي يفرض عقوبات كبيرة على أي دولة تجري معاملات كبيرة مع قطاعي الدفاع والاستخبارات الروسيان.

الرئيس التركي أردوغان لم يصمت إزاء الاعتراض الأمريكي على الصفقة الكبيرة، وقال أردوغان تعليقًا على الاعتراضات التي وجهت لبلاده: «لا أحد له الحق في مناقشة مبادئ استقلال الجمهورية التركية أو القرارات المستقلة حول صناعاتها الدفاعية. إننا نتخذ القرارات المتعلقة باستقلالنا، ونحن ملتزمون باتخاذ إجراءات الأمن للدفاع عن وطننا».

قد تبدو دوافع موسكو بعقد هذه الصفقة أكثر وضوحًا من نظيرتها أنقرة، موسكو تود تقويض التأثير السياسي لقرارات الناتو، بينما تتعقد كل محاولات فهم نوايا الرئيس التركي أردوغان. قد تكون هذه خطوة أخرى في سلسلة حكومته للرد على دعم واشنطن للميليشيات الكردية شمال سوريا، وقد تكون ورقة جديدة للضغط في قضية جولن أيضَا.

زيارة أردوغان الأولى لترامب.. ترحيب الرئيس الأمريكي وقلق متزايد لإدارته

حادثة أخرى لا يمكن إهمالها في معادلة توتر العلاقات التركية الأمريكية جرت في مايو (أيار) الماضي، واعتدت مجموعة من رجال الأمن الأتراك على المتظاهرين ضد الرئيس التركي أردوغان خارج مقر إقامة السفير التركي في واشنطن.

الحادثة جاءت في الوقت الذي زار فيه الرئيس التركي نظيره الأمريكي دونالد ترامب لأول مرة في بادرة تفاهم ظهرت خلال اللقاء الذي جمع الرئيسين أثناء الزيارة، بينما كانت العلاقة بين أردوغان وأوباما الرئيس السابق متوترة في معظم الأحيان.

في أثناء الاجتماع بين الرئيسين، رحب ترامب بأردوغان على طريقته المعتادة، وقال الرئيس الأمريكي عن العلاقات مع ضيفه التركي: «لدينا علاقات عظيمة وسوف نجعلها أفضل مستقبلًا. نحن نتمنى أن نحظى بنقاشات قوية ومتينة» في نفس هذا الوقت كان رجال حراسة الرئيس أردوغان بالإضافة إلى بعض أفراد السفارة التركية يعتدون على مجموعات من المتظاهرين ضد سياسات الرئيس التركي.

التصرف العنيف لرجال الأمن الأتراك أثار غضب مسؤولين رسميين في واشنطن، وبدا خطابهم أقل ترحيبًا من الصيغة التي تحدث بها ترامب، وقال مسئولون أمريكيون: «العنف لم يكن مطلقًا الحل الأمثل للتعامل مع الخطاب الحر، ونحن ندعم حقوق المواطنين في كل مكان بالتظاهر الآمن والتعبير الحر عن الرأي. نحن نتواصل بشأن قلقنا مع الحكومة التركية بأقوى الطرق الممكنة».

في ردها على الاتهامات التي وجهها المسؤولون الأمريكيون، قال متحدث باسم السفارة التركية: «المجموعات التي تواجدت في الحادثة كانت منتسبة لحزب العمال الكردستاني بدون تصاريح، وبدأت هذه المجموعات في استفزاز المواطنين الأتراك الأمريكيين الذين تجمعوا سلميًا لتحية الرئيس. وقام هؤلاء المواطنون بالدفاع عن أنفسهم… نأمل أن تتخذ في المستقبل التدابير المناسبة لضمان عدم وقوع أعمال استفزازية مماثلة تسبب وقوع ضرر وعنف».

في نفس الجلسة بين ترامب وأردوغان، ذكر ترامب قضية برونسون ثلاث مرات بحسب تقارير أمريكية، وشدد الرئيس الأمريكي على مطالبته للرئيس التركي بإعادة برونسون للولايات المتحدة في أسرع وقت. لكن بمرور الوقت تأكد الجميع من نية أردوغان التمسك بكل ما يمتلك من أوراق للضغط على الإدارة الأمريكية.

تداعيات اقتصادية قد تجبر أردوغان على بعض التراجع

تأثرت العملة التركية الليرة بشكل كبير بعد المناوشات والاضطرابات التي شهدتها العلاقات الأمريكية التركية في الآونة الأخيرة.  وانخفضت الليرة التركية بنسبة 6.6% أمام الدولار الأمريكي على خلفية قرار الولايات المتحدة بوقف التأشيرات للمواطنين الأتراك من غير المهاجرين.

قد تكون القرارات الأمريكية الأخيرة هي القطرة التي أفاضت الكأس بالنسبة لمشاكل الاقتصاد التركي في الوقت الحالي. حيث تحضر بقوة أسباب أخرى، من شأنها أيضًا إجبار الرئيس التركي على التراجع عن خطته التصعيدية في مواجهة الإدارة الأمريكية. أهم تلك الأسباب هي الحركة الانفصالية الجارية في إقليم كردستان، إضافة إلى تصاعد الخلافات التركية الأوروبية، حيث قامت ألمانيا بتحذير رعاياها من زيارة تركيا. كل تلك الأسباب من شأنها أن تزيد من قلق المستثمرين في السوق التركية ما سيزيد من حدة تعثر الاقتصاد التركي.

سيكون الرئيس التركي أردوغان مجبرًا على مواجهة كل تلك التحديات والسيطرة على التدهور السريع للعملة التركية. رد الفعل الأول لأردوغان على الضغط الذي يتعرض له ظهر في النبرة التي تحدث بها خلال زيارته الجارية لأوكرانيا، حيث وصف القرار الأمريكي بأنه تطور حزين، مضيفًا أنه أمر فورًا باتخاذ إجراء مماثل بإصدار سفارة بلاده في واشنطن لنص مطابق لما أصدرته السفارة الأمريكية في بلاده.

ودافع أردوغان عن القرارات التي اتخذتها حكومته قائلًا: «تركيا دولة تحكمها سيادة القانون قبل كل شيء. نحن لسنا دولة قبلية» وهو الرد الذي لم يعكس بعد رد الفعل المتوقع تجاه الضغوط التي يتعرض لها النظام التركي.