في 19 ديسمبر (كانون الأوّل) 2019؛ وبمناسبة أداء اليمين الدستوري؛ أسدى الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون وسام «الاستحقاق الوطني» لقائد أركان الجيش الشعبي الوطني الفريق أحمد قايد صالح؛ نظير جهوده للحفاظ على المسار الدستوري بعد الحراك الشعبي، وبدا للجميع آنذاك، أنّ القايد صالح والمقربين منه سيستمرون في مواقعهم، بوصفهم قوة أولى في البلاد، وأنّ هذا التكريم الذي حظي به الرجل الأوّل بالمؤسسة العسكرية سيزيد من أرصدة صالح في تقرير مستقبل البلاد.

لكن، لم تمض سوى أربعة أيّامٍ على ذلك التكريم؛ حتى تفاجأ الجزائريين بإعلان وكالة الأنباء الجزائرية صبيحة 23 ديسمبر عن وفاة أقوى رجلٍ بالجزائر حينها بسبب نوبةٍ قلبيةٍ؛ ليبدأ من يومها تراجع رجال القايد صالح في الحكم بالجزائر؛ ويتفرّق مقربوه ما بين السجن والموت الغامض، بينما يُلاحق أبناؤه بقضايا فساد، أمّا النهج الذي سار عليه بعد الحراك الشعبي؛ فيبدو للمراقبين أنّ السلطة الحالية اختارت السير عكس مساره.

في الأسطر التالية نستعرض التغييرات المثيرة والمتتالية التي حدثت في مؤسسة الجيش بالجزائر منذ رحيل الفريق أحمد قايد صالح إلى اليوم؛ والتي أبعدت رجال القايد صالح عن الحكم وجعلتهم عرضةً للملاحقة.

«وفاةٌ مريبة».. من هنا كانت البداية

«ماذا حدث خلال تلك الليلة؟»

لعلّ هذا السؤال لم يَحضر إلى ذهن الكثير من الجزائريين حين تبادر إلى أسماعهم نبأ وفاة الجنرال صالح، فقد كان الجميع تحت ذهول الصدمة. الرجلُ الذي حمل على عاتقه إجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ وإخراج الجزائر من أزمةٍ سياسية كادت تدخل البلاد في دوّامة العنف، وواجه انتقاداتٍ وهجومٍ لاذعٍ من الحراك الشعبي؛ ينجح في مهمته بتنظيم الانتخابات ويسلّم البلد للرئيس الجديد، ويسلّم بعدها روحه، كان أشبه بسيناريو فيلم سينمائي يموت فيه البطل في النهاية.

قبل الوفاة بيومٍ واحدٍ، انتشرت أنباءٌ حول اجتماعٍ هامٍ حضره الفريق صالح وأبرز قادة الجيش لتدارس مستقبل البلاد في ظلّ حكم الرئيس الجديد تبون، وهو الاجتماع الذي فتح المجال إلى سرد سيناريوهاتٍ عديدة حول ملابسات وفاة الفريق قايد صالح.

إحدى السيناريوهات التي لا تزال تردّد على ألسنة المعارضين ما صرّح به مدير موقع «ميديا بارت» الفرنسي، الصحافي عبدو سمّار الشهير بتسريباته الأمنية والعسكريّة، والذي أرجع سبب وفاة القايد صالح، إلى الصراع القوي داخل المؤسسة العسكرية على دور الجيش بعد تعيين تبون.

واتهم سمّار قياداتٍ سامية بالجيش باغتيال الفريق أحمد قايد صالح عن طريق حقنه بإبرةٍ سامة أثناء اجتماعٍ هامٍ ضمّ أبرز القيادات العسكرية، وهو الطرح نفسه الذي ذهب إليه كل من الكاتب الصحافي مصطفى السيفاوي والمعارض الجزائري محمد العربي زيتوت، الذين رجّحا أن سبب وفاة صالح يعود إلى خلافاتٍ بين قيادات المؤسسة العسكرية.

جنازة القايد صالح
جنازة القايد صالح

وإن كان بيان الرئاسة والدفاع الجزائريين ذكر أنّ الجنرال صالح توفي بسبب نوبةٍ قلبية؛ فهذا يرجعنا إلى حوادث سبق وأن أثارت جدلًا في الماضي. فلم يكن الجنرال صالح الوحيد بين القيادات العسكرية الذي توفي بنوبةٍ قلبية، فقبل سنة تحديدًا أعلن عن وفاة الجنرال جمال عمرون، الذي كان يشغل منصب مدير وحدة صناعة الألبسة العسكرية ولواحقها في العاصمة الجزائرية، وبينما رجحت وسائل إعلام محلية سبب الوفاة إلى تصفية أو انتحار، أرجعت وزارة الدفاع الجزائرية سبب وفاته إلى نوبة قلبية.

رئيس أركان الجيش الجزائري السابق اللواء محمد العماري الذي جسد الجناح المتشدد للنظام طوال العشرية السوداء، توفي هو الآخر في 13 فبراير (شباط) 2012، بنوبة قلبية أيضًا، وقبله توفي مدير الأمن الداخلي اللواء إسماعيل العماري في 27 آب (أغسطس) 2007، إثر إصابته بنوبة قلبية. وهو المصير نفسه الذي لقيه اللواء أحمد بوسطيلة القائد العام لجهاز الدرك الوطني، الذي أُعلن عن وفاته في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

«قصقصة الأجنحة».. هكذا اقتُلِع رجال القايد صالح من قيادة الجيش

على الرغم من الأزمات الاقتصادية والصحيّة التي تعصف بالبلاد، لم ينتظر تبون كثيرًا حتى يقضم تركة الجنرال صالح، بدءًا بإبعاد الجنرال محمد قايدي الذي يعدّ أقرب الألوية من صالح من دائرة المخابرات، وتعيينه رئيسًا لدائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش الوطني الشعبي، إلى سلسلةٍ من الإقالات التي استهدفت مقربين من قائد الجيش السابق.

ففي أبريل (نيسان) الماضي أقال تبون اللواء بوعزة واسيني من إدارة المخابرات الداخلية وزّج به في السجن بتهم «التزوير وإهانة هيئة نظامية» من ثمَّ الحكم عليه بثماني سنوات سجنًا نافذًا.

وفي منتصف أغسطس الماضي، أجرى الرئيس تبون تغييراتٍ حساسة في مناصب قيادية بالمؤسسة العسكرية أبعد من خلالها أسماءً محسوبة على الجنرال صالح، كان أهمها إقالة الجنرال عبد القادر لشخم الذي عُيّن قبل نحو ثلاث أعوام على رأس إدارة الاتصالات وأنظمة المعلومات والحرب الإلكترونية بالجيش من منصبه.

وأُقيل الجنرال علي عكروم من منصبه، مديرًا لإدارة التنظيم واللوجستيات بأركان الجيش، إضافة إلى اللواء رشيد شواكي، الذي كان يشغل منصب مدير الصناعات العسكرية، إلى جانب اللواء محمد تبودلت، الذي شغل منصب المدير المركزي للعتاد، وكذلك اللواء سليم قريد، قائد الأكاديمية العسكرية بشرشال.

الفريق الراحل أحمد قايد صالح
الفريق الراحل أحمد قايد صالح

ومست التغييرات أيضًا مدير القضاء العسكري بالدفاع اللواء عمار بوسيس وقائد القوات الجوية اللواء حميدة بومعيزة، ولم يسلم حتى السكرتير الخاص السابق للجنرال الراحل أحمد قايد صالح من الاعتقال رغم فراره إلى الخارج أيامًا بعد وفاة صالح، إذ أعلنت مصادر إعلامية إن السلطات الجزائرية تسلمت المساعد الأول المتقاعد قرميط بونويرة، من السلطات التركية مطلع شهر أغسطس الماضي؛ ويتّهم بونويرة بتسريب أسرارٍ عسكرية والخيانة العظمى.

وبينما انقسم مصير رجال القايد صالح بين الإقالة والسجن؛ فإنّ البعض الآخر غيّبهم الموت وهمّشوا بعدها، وهي الحالة التي تعرض لها قائد الناحية العسكرية الرابعة اللواء حسان علايمية الذي توفي في 5 يوليو (تموز) الماضي إثر مرضٍ عضال حسب بيانٍ لوزارة الدفاع، وهو الأمر نفسه الذي حدث مع قائد الناحية العسكرية الثانية، اللواء مفتاح صواب الذي وافته المنية الأحد الماضي.

السباحة عكس التيّار.. هل عاد رجال توفيق إلى الضوء من جديد؟

عاش الجيش الجزائري على مدار عقدٍ من الزمن صراعًا بين الرئاسة والمخابرات وقيادة الأركان، للظفر بالكلمة الأعلى بالبلاد، وتراجحت موازين القوى الثلاثة، قبل أن يسقط الجنرال توفيق أولًا ثمّ يلحق به بوتفليقة وشقيقه ويتبادر إلى الأذهان أن جناح الفريق صالح قد ربح المعركة إلى الأبد، خصوصًا وأنّ خصمه اللدود الجنرال محمد مدين قابعٌ بالسجن.

ومع تولي تبون الرئاسة ووفاة صالح، عادت أسماءٌ يعتبرها المتابعون للشأن الجزائري محسوبةً على جناح الجنرال توفيق إلى الساحة، وحدثت تغييرات زادت من أسهم جناح توفيق للعودة إلى الحكم.

الجنرال خالد نزار المتهم بالإساءة إلى الجيش
الجنرال خالد نزار المتهم بالإساءة إلى الجيش

ويربط المتابعون ذلك بجملةٍ من المؤشرات، أبرزها إطلاق سراح رجل الأعمال يسعد ربراب المحسوب على الجنرال توفيق، وإعادة الاعتبار للجنرال المتقاعد حسان بن حديد الذي سجنه القايد صالح بتهمة «المساس بهيئة نظامية ومحاولة إحباط معنويات الجيش»، وإطلاق سراح كلٍ من المجاهد لخضر بورقعة وكريم طابو والجنرال عبد الجبار مهنا اللذين سجنهما صالح بتهم إضعاف معنويات الجيش.

ولم يتوقف الأمر عند عودة أسماءٍ مقربة من توفيق، إذ شنّت وسائل إعلام محسوبة على الجنرال توفيق حملة ضدّ أبناء الجنرال صالح متهمةً إيّاهم بالتكسب غير المشروع، ونشرت صحيفة «الوطن» الناطقة بالفرنسية تفاصيل عن ثروات هائلة لنجلي الجنرال، عادل وبومدين، مشددة على أن الاثنين ممنوعان من مغادرة تراب البلاد.

كما أنّ التغييرات التي قام بها تبون واستهدفت مقربين من صالح؛ حملت أسماءً متهمة بالولاء إلى الجنرال توفيق، كاللواء عبد الغني راشدي الذي تمّ تعيينه مديرًا للأمن الداخلي خلفًا لللواء واسيني بوعزة المقال.

ودخل وزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزار هو الآخر على خط تصفية تركة القايد صالح، إذ أشارت مصادر إعلامية محلية إلى توجه وزارة الدفاع الجزائرية نحو التفاوض مع القيادات الهاربة في الخارج، وأبرزهم خالد نزار قصد إعادتهم إلى الجزائر وضمان عدم ملاحقتهم.

تجدر الإشارة إلى أنّ أنباءً راجت خلال الأشهر الماضية تفيد توجه الرئاسة الجزائرية نحو إصدار «إعفاءٍ عن الجنرال توفيق» كون القضية المسجون عليها هي خلافه مع الجنرال صالح الذي وافته المنية.

عربي

منذ شهرين
حارب إسرائيل.. من هو خليفة القايد صالح الذي يحاول التخلص من إرثه؟

المصادر

تحميل المزيد