هل تخيلت يومًا أن يدفع لك منتج ما أموالًا لكي تشتري سلعته باهظة الثمن؟ يبدو هذا السؤال خارجًا عن المألوف، لكنه حدث بالفعل في واقعة غريبة على سوق النفط الأمريكي، ربما لن نعيشها مجددًا، وستبقى قصة تروى للأجيال القادمة. 

ففي دقائق معدودة أمس، تابع كثر حول العالم تهاوي أسعار النفط الأمريكي في أمر كان أشبه بالسقوط الحر؛ ما خلق أجواء من الحيرة والتساؤل. فللمرة الأولى في التاريخ يبدي منتجو النفط في الولايات المتحدة استعدادهم للدفع للمشترين من أجل التخلص من فائض براميل النفط في مخازنهم، وذلك مع بلوغ حد التخزين أقصى سعته وتهاوي الطلب على عقود شهر مايو (آيار) لمستويات تاريخية.

وتفصيلًا، فقد تهاوت أسعار عقود النفط الأمريكي المقرر تسليمه في مايو المقبل أمس إلى ما دون الصفر، وبالتحديد إلى -37 دولارا للبرميل، وسط ارتفاع المخزون الأمريكي من النفط بشكل غير مسبوق، وتهاوي حجم الاستهلاك متأثرًا بتفشي فيروس «كورونا» وتأثر العديد من دول العالم بسبب فيروس كورونا؛ مما أوقف جل أنشطة الحياة والحركة.

وجهت جائحة كورونا خلال الأشهر الماضية، ضربة قوية للأنشطة الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، وقلّصت الطلب على النفط. فبعد أيام من توصل «منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)» وحلفائها إلى اتفاق تاريخي لخفض الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميًا اعتبارًا من أول مايو المقبل، رأى كثيرون أن هذا الاتفاق لا يزال غير كافٍ لمواجهة التراجع في الطلب المتأثر بأزمة كورونا.

1- شرح ميسر.. ما الذي حدث تحديدًا في «الاثنين الأسود»؟

في حدث تاريخي تهاوت أسعار النفط الأمريكي لأدنى مستوى لتسقط إلى ما دون الصفر، وهو أمر لم يحدث منذ بدء تداول عقود النفط الآجلة في بورصة نايمكس عام 1983. وذلك بالتزامن مع انخفاض مساحات التخزين المتاحة عالميًا بسبب وفرة المعروض من النفط الذي لم تعد اقتصاديات العديد من الدول التي تضررت بشدة من جائحة كورونا بحاجة إليه.

العالم والاقتصاد

منذ 5 شهور
من الكساد الكبير إلى كورونا.. ما الدروس الاقتصادية التي علمها لنا التاريخ؟

وبالمثل، انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط المقرر تسليمها الشهر المقبل، والتي تنتهي الثلاثاء، بأكثر من 100٪ لتصل إلى -37.63 دولار للبرميل. وهذا يعني أن المنتجين على استعداد لدفع الأموال للمشترين للتخلص من النفط الزائد، كما انخفضت أسعار خام برنت، التي انتقلت بالفعل إلى عقود تسليم يونيو (حزيران)، بنسبة 8.9٪ ليستقر عند 25.57 دولار للبرميل.

وحدث هذا التهاوي التاريخي للأسعار بسبب أزمة التخزين التي تعد مشكلة رئيسية في ظل تراجع الطلب، واقتراب المخازن في كوشينج، مركز الخام الرئيس في الولايات المتحدة، على الامتلاء. وقد تزايدت قدرات التخزين العائم في الناقلات البحرية منذ بدء أزمة كورونا المستجد وتراجع الطلب، إلى مستويات قياسية تجاوزت الـ160 مليون برميل، حسب إحصاءات رويترز، لتقترب أيضًا من الامتلاء.

لذلك، يسود القلق من استمرار تواجد النفط الأمريكي في المنطقة السلبية (دون الصفر) وسط توقعات بأن تنفذ طاقة مرافق التخزين في الولايات المتحدة قريبًا، إذ ارتفعت المخزونات في كوشينج، نقطة التسليم الرئيسة في البلاد للنفط، بنسبة 50٪ تقريبًا منذ بداية مارس (آذار) الماضي. 

وما يزيد الطين بله، أنه من غير المتوقع أن يتزايد الطلب على النفط في المستقبل القريب، بعد أن  انخفض الطلب العالمي على النفط بمقدار 29 مليون برميل يوميًا في أبريل (نيسان) الجاري، في أدنى مستوى منذ 25 عامًا، متأثرًا بالتدابير العالمية لحصار تفشي فيروس «كورونا» وبقاء مئات الملايين من البشر في المنازل.

2- ما هي المقدمات التي سبقت «الكارثة»؟

لم تقع الكارثة فجأة، وإنما كان لها عدد من المقدمات، إذ ذكر تقرير لبنك جولدمان ساكس، وهو من أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة، في وقت سابق من الشهر الجاري، إن وقع صدمة فيروس «كورونا» المستجد كان «سلبيًا للغاية بالنسبة لأسعار النفط وقد تدفع أسعار النفط الخام – الأمريكي غير الساحلي – إلى المنطقة السلبية». 

فيما توقع بنك الاستثمار الأمريكي أن تكون خامات البترول المنقولة بالماء، مثل خام برنت القياسي الأوروبي الذي يسهل تخزينها وتأخذ وقتًا في نقلها عبر البحر، معزولة بشكل أكبر عن صدمة فيروس «كورونا»، مع احتمال بقاء أسعارها بالقرب من التكاليف النقدية البالغة 20 دولارًا للبرميل.

لذلك لم ينهر سعر خام برنت الذي يُنتج على جزيرة في بحر الشمال على بعد 500 متر تقريبًا من الماء، حيث يمكن الوصول إلى تخزين الصهاريج، ولم يصل إلى المنطقة السلبية مثل الخام الأمريكي. فيما انهار سعر خام غرب تكساس الأمريكي غير ساحلي الذي يتم إنتاجه على بعد 500 ميل من الماء، إلى المنطقة السلبية.

ودخل سعر خام غرب تكساس في عقود مايو الذي ينتهي تداوله الثلاثاء، بعمق في المنطقة السلبية؛ ليسجل سعر البرميل ما يقرب من -38 دولارًا للبرميل خلال جلسة التداولات. ويعني ذلك أن المستثمرين مستعدين لدفع 38 دولارًا للمشترين للتخلص من كل برميل من النفط الخام؛ ما يعكس الوفرة المتزايدة من الخام والنقص الشديد في  أماكن التخزين المتاحة. وبذلك أصبح الانخفاض في أسعار نفط تكساس الأمريكي في عقود مايو هو الأكبر على الإطلاق منذ شهر مارس عام 1983، إذ بلغ أدنى مستوى للسعر على الإطلاق بالنسبة لعقد مارس، 10.42 دولار للبرميل.

3- لماذا حدث هذا السقوط الحر وما آخر مستجدات يوم الثلاثاء؟

خلال الأشهر القليلة الماضية، أغلقت العديد من الدول الكبرى مثل: إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا اقتصادياتها، وتأثرت اقتصاديات دول أخرى بشكل حاد مثل: ألمانيا والولايات المتحدة والصين، بسبب تفشي فيروس كورونا، وتوقفت حركة البيع والشراء؛ ما أدى إلى صدمة طلب غير مسبوقة في أسواق النفط. 

ومع اقتراب الطلب من الصفر، تقترب أيضًا مساحات التخزين، سواء البحرية أو البرية، بصورة سريعة من الامتلاء حول العالم، وحدث الانهيار إلى أسعار ما دون الصفر في عقود النفط المُزمع تسليمها للمشترين خلال شهر مايو، لأن العقد ينتهي اليوم الثلاثاء، بالرغم من توفر معروض نفطي كبير.

وبينما تشهد عقود مايو أحجام تداول قليلة؛ ما أدى إلى تفاقم التقلبات ووصول الأسعار إلى المنطقة السلبية، تشبثت أسعار العقود المُستقبلية بدءًا من تسليم يونيو (حزيران) المُقبل – والتي كانت تشهد أحجام تداول أكبر – بالمنطقة الإيجابية في البداية، ولكنها ما لبثت أن تراجعت أيضًا اليوم الثلاثاء.

وأدى الانهيار الحالي في الأسعار إلى اتساع الفجوة بين أسعار عقدي مايو ويونيو لتصبح الأوسع في التاريخ، إذ انخفض النفط الخام القياسي الأمريكي تسليم يونيو، بنسبة 74٪ إلى 15.71 دولارًا للبرميل، إذ لا تزال المصانع والسيارات حول العالم مغلقة، أو على الأقل تعمل بأقل من الحد الأدنى من طاقتها. 

النفط الأمريكي

رسم بياني يوضح انهيار أسعار النفط الأمريكي لما دون الصفر

4- ما هي تداعيات الانهيار الكبير؟

كانت لحظات الانهيار الكبير في أسعار النفط الأمريكي أمس الاثنين ثقيلة الوطأة على المنتجين والرأي العام العالمي، لكنها مهدت العالم لأي تهاو جديد في المستقبل القريب، خاصة في ظل تفشي فيروس كورونا، وغياب المخرج الآمن من الأزمة حتى اليوم. وفي هذا الإطار، فإن ما حدث بالأمس لم يعد محط أنظار العالم بقدر اهتمامهم بما يمكن أن يحدث مستقبلًا. خاصة وأن تأثير تخفيض إنتاج النفط الذي قرره تحالف «أوبك+» في وقت سابق لن يبدأ الآن، فمن المتوقع أن تتأثر به الأسواق مع بدء تنفيذه في مطلع مايو المُقبل.

وكان كبار منتجي النفط في منظمة (أوبك) وحلفائها قد توصلوا في وقت سابق هذا الشهر لاتفاق تاريخي للحد من الإنتاج بنحو 10 مليون برميل يوميًا اعتبارًا من مايو المُقبل. وبالتزامن مع ذلك، يتوقع مراقبون أن تتحرك لجنة السكك الحديدية في تكساس الأمريكية، وهي المؤسسة المسؤولة عن تنظيم صناعة النفط والغاز في الولاية بما فيها خام تكساس، لخفض الإنتاج أيضًا، في محاولة لإنقاذ الخام الأمريكي وشركات الإنتاج المثقلة بالأعباء المالية.

ورغم تحركات «أوبك+»، ولجنة السكك الحديدية في تكساس التي ترمي إلى تحقيق توازن بين العرض والطلب، يتوقع العديد من المراقبين أنها لن تكفي لتحقيق ذلك التوازن المأمول في الولايات المتحدة بالأساس؛ لأن الانخفاض الحاد في السعر يرجع إلى نقص حاد في الطلب العالمي بسبب تفشي «كورونا» المستجد، وامتلاء مساحات التخزين.

 إفلاس الشركات في أمريكا

في ظل الأسعار الحالية، تعد الشركات الأمريكية المنتجة للنفط الصخري أكثر المتأثرين بسبب الأعباء المالية المتراكمة عليها، وضخامة تكلفة الإنتاج، وأعلنت شركة هاليبرتون الأمريكية – عملاق خدمات حقول النفط – أمس عن خسائر بلغت مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري بسبب تراجع أسعار النفط، وقدمت توقعات قاتمة بشأن حقول النفط الصخري في الولايات المتحدة بعد تراجع الأسعار.

ففي ظروف أفضل قليلًا من الحالية، تتحمل شركات النفط الأمريكية أعباء مالية وديون باهظة لاستمرار التنقيب عن النفط، وفي حالة استمرار الأسعار دون الـ20 دولارًا للبرميل، فمن المحتمل أن تعلن نحو 533 شركة نفط عاملة في السوق الأمريكي الإفلاس. أما في حال استمرت الأسعار دون الـ10 دولارات مثلما كان الحال في الإثنين الأسود، فمن المحتمل أن تقدم نحو 1100 شركة ملفًا للإفلاس، وهذا الإحصاء يشمل فقط شركات الاستكشاف والإنتاج، ولا يضم شركات الخدمات النفطية؛ ما يعني أن العواقب ستكون وخيمة على صناعة النفط الأمريكي برمتها. 

 عجز في دول الخليج 

رغم أن الإنتاج النفطي الخليجي يباع بالأساس في آسيا، وبصورة أقل في أوروبا والولايات المتحدة، فإن تهاوي أسعار الخام الأمريكي، سيبقي أسعار برميل النفط بشكل عام ما بين 20 و30 دولارًا للبرميل في الفترة المقبلة، ولن تقود جهود «أوبك+» في خفض الإنتاج إلى تحقيق نتائج مبهرة في هذا الإطار.

عربي

منذ 5 شهور
ما الدول الخليجية الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية الحالية؟ ولماذا؟

تعتمد الدول الخليجية في إيراداتها العامة على القطاع النفطي بشكل كبير، إذ بلغت الإيرادات النفطية في موازنات العام الجاري، أكثر من 87% من موازنة الإمارات، ونحو 80% من موازنة دولة قطر، و60% من موازنة السعودية. ويمثل هذا السعر أزمة كبيرة في موازنات دول الخليج، فعلى سبيل المثال: تحتاج الرياض أن يصل سعر البرميل إلى 85 دولارًا لتحصل على موازنة مستقرة، وبالتالي يمكن أن تسجل السعودية تزايد في عجزها المالي يصل إلى 16.1% بدلًا عن توقعاتها السابقة بأن يصل العجز إلى 6.4% فقط كنتيجة لتراجع أسعار النفط، وهو ما ينطبق أيضًا على الإمارات وقطر.

5- ما هي الخيارات المتاحة لإنقاذ الشركات؟

حتى اليوم، لا يزال منتجو النفط الصخري الأمريكي هم الأكثر تضررًا من تراجع الأسعار، مع دخول سعر هذا النوع المنطقة السلبية يوم الاثنين، وتهاويه إلى نحو 16 دولارًا للبرميل في عقود يونيو صباح الثلاثاء. 

وبالنسبة للشركات الأمريكية فإن خفض الإنتاج مساراإجباري بعد أن وضعت الأزمات المتتالية في سوق النفط، وخاصة حرب النفط الأخيرة بين روسيا والسعودية التي انتهت بالتوقيع على اتفاق «أوبك+»، لطفرة النفط الصخري الأمريكي التي بدأت في عام 2004. إلا أن الأزمات المالية التي من المتوقع أن تضرب مئات الشركات الأمريكية في ظل مستوى الأسعار الحالي، ستضع الكثير منها على شفا الإفلاس، فيما تبقى خيارات محدودة أمام البعض الآخر للنجاة.

النفط

الخيار الأول: اتخاذ إجراءات سريعة لخفض النفقات الرأسمالية عن طريق تقليص العمالة، وتعليق توزيع أرباح المساهمين لفترة معينة. 

الخيار الثاني: تعليق جميع أنشطة الحفر في حوض بيرميان وغيرها من الأحواض ذات التكلفة المرتفعة للإنتاج، كخيار ثان لتقليل التكلفة المالية.

الخيار الثالث: إعادة هيكلة الديون مع المقرضين، لتجنب السداد في الفترة الراهنة. إلا أن هذا الخيار يمكن أن يكون باهظ التكلفة على بعض الشركات، ويدفع وكالات التصنيف الائتماني لخفض تقييم سندات مستحقة على هذه الشركات بمقدار 140 مليار دولار من الدرجة الاستثمارية إلى درجة السندات الرديئة؛ ما يمكن أن يؤدي في أفضل الأحوال إلى دفع كثير من المنتجين الصغار لإعلان إفلاسهم قبل نهاية 2020.

الخيار الرابع: استغلال حزمة الدعم الحكومية التي تبلغ قيمتها 2 بليون دولار والمخصصة لمساعدة الشركات التي تعاني من أزمة تفشي «كورونا» المستجد، إذ يمكن لشركات النفط أن تطلب مساعدة مالية من الحكومة في إطار هذه الحزمة.

المصادر

تحميل المزيد