رُبما يُخَيَّل للبعض أن التنميط في السينما أمر مقبول؛ فهناك من يرونه مختلفًا عن ممارسة العنصرية والتمييز العرقي تجاه البشر على وجه العموم، وأنه مجرد جزء من الحكاية التي يستعرضها صناع العمل على الشاشة لخدمة السياق الدرامي، لكن للأسف هذا غير صحيح.

فالنمطية ليست سوى صورة أقل حدة وأكثر بريقًا من العنصرية تجاه المختلفين من البشر، حتى وإن ظهرت بشكل كوميدي أو مُثير للإعجاب. وانطلاقًا من ذلك؛ في هذا التقرير سنحاول رصد التنميط الذي طالما شاهدناه في السينما الأمريكية حتى اعتدناه وبات بديهيًّا ومقبولًا مع أنه ليس إنسانيًّا بالمرة.

1. الآسيويون وعنصرية عالقة بين الكاريكاتير والتنميط

تقول نانسي وانج واين، عالمة الاجتماع، في كتابها «Reel Inequality: Hollywood Actors and Racism» إن صناعة السينما في هوليوود وضعت نمطًا مُحددًا للشخصيات الآسيوية بأفلامها منذ بدايتها أوائل القرن العشرين؛ إذ تنوعت الكليشيهيات بين ظهور الآسيويين بوصفهم أشرارًا غامضين، أو شخصيات كاريكاتيرية مُثيرة للضحك، مثلما جاء بفيلم «Breakfast at Tiffany» عام 1961، وشخصية مستر يونيشي، التي قدمها الممثل ميكي روني.

لم يقتصر الأمر على التنميط فحسب، وإنما كانت هناك ظاهرة غريبة أخرى، وهي إسناد مثل تلك الأدوار لممثلين أمريكيين وليس أصحاب الجنسيات نفسها المُشار إليها! فكان من العادي مشاهدة ممثل أبيض البشرة ينتحل صفة شخص آسيوي؛ وهو ما كان شائعًا في هوليوود؛ بسبب تردد المنتجين في توظيف الأقليات.

الأمر الذي سرعان ما أثبت فشله بعد فترة؛ خاصةً حين كانت الحبكة تتضمن وجود مجموعة كبيرة من عرق مختلف، وليس مجرد شخص واحد، بالإضافة لتسببه في خلق علاقة مُلتبسة بين الآسيويين والعالم الهوليودي؛ كون تمثيلهم على الشاشة، يأتي غريبًا ولا يعكس الهوية الحقيقية للآسيويين.

وبالنظر إلى تاريخ السينما يمكن استنباط بعض أنواع التنميط المتبعة، ففي الخمسينيات من القرن الماضي كانت الرقابة تمنع الزواج بين عرقين مختلفين؛ وهو ما فرض نفسه على طبيعة الأدوار التي تكتب للآسيويين، بل على ظهور المرأة الآسيوية في الأفلام أيضًا.

لكن، مع حلول الستينيات والسبعينيات تراجعت الرقابة، وبدأ ذلك الحب الممنوع في الظهور والتكرار خلال الأفلام، أما في السبعينيات والثمانينيات ومع بزوغ نجم بروس لي وأفلام الفنون القتالية؛ ترسخ نمط جديد يفترض معرفة كافة الآسيويين بفنون القتال والدفاع عن النفس؛ وهو ما ظهر في العديد من الأعمال أشهرها سلسلة أفلام «Lethal Weapon».

قبل أن ينشأ نمط جديد أكثر عصرية نتج من تفوق الدول الآسيوية في المجالات التكنولوجية والعلمية؛ وهو ما نتج منه بالتبعية وضع الآسيويين داخل إطار الشخصيات النابغة في الطب والعلوم والمجالات التقنية. وبالرغم من أن الكثير من الأدوار صارت تُسند لشخصيات آسيوية بالفعل، فإنه ما زال هناك استثناءات لا يمكن السكوت عليها.

مثلما جرى في 0فيلم «Cloud Atlas» الذي آثار جدلًا كبيرًا في 2012، حين اعترض النقاد على اختيار العديد من الممثلين غير الآسيويين لتمثيل شخصيات آسيوية. كذلك ظهرت اعتراضات واضحة على إسناد البطولة للممثلة سكارليت جوهانسون في فيلم «اللايف- أكشن» لسلسلة المانجا اليابانية الكلاسيكية «Ghost in the Shell»، وأداء الممثلة تيلدا سوينتون لشخصية آسيوية بفيلم «Doctor Strange».

ما يوضح أن هوليوود ما زال أمامها طريق طويل لحل هذه الأزمة، فيكفي معرفة أن الآسيويين رغم كونهم يشكِّلون نسبة تتعدى نصف سكان العالم، فإنهم – وفقًا لتقرير «Hollywood Diversity Report» الصادر من جامعة كاليفورنيا – لم يلعبوا سوى 3% فقط من جميع الأدوار التي ظهرت بين عامي 2017 و2018، فيما ارتفعت نسبة ظهور الشخصيات النسائية غير البيضاء، وحققت الشخصيات السمراء وجودًا على الشاشة وصل إلى 12.5% من جميع الأدوار في العامين نفسيهما.

2. السود وعقود من العنصرية والاضطهاد

المعلومة الأخيرة في الفقرة السابقة لا تعني أن أصحاب البشرة السمراء أفضل حالًا من غيرهم؛ ففي الأيام الأولى في هوليوود كانت الشخصيات السوداء نادرًا ما تُقدَّم في الأفلام، ومتى قُدِّمت يحدث ذلك إما عبر أدوار شديدة الهامشية والطبقية، وإما قوالب تجمع بين النمطية والعنصرية.

بدايةً من 1915 والفيلم الصامت «The Birth of a Nation» الذي ظهر فيه شخص أسود يحاول اغتصاب فتاة بيضاء؛ مما أسس للكراهية والمعاداة بين الفريقين؛ خاصةً وأنه غالبًا ما كان يجري تصوير الرجال السود على أنهم مخيفون وعنيفون، أو تجار مخدرات، أو همج ومغتصبون، أما النساء فيظهرن دومًا صاحبات صوتٍ مرتفع ويتميزن بالفظاظة في التعامل، وحتى في أفلام الرعب يموت السود أولًا!

التنميط لم يطل أصحاب البشرة السمراء من الأمريكيين فحسب؛ وإنما قارة أفريقيا بأكملها، التي تظهر في أغلب الأعمال على أنها أرض معزولة تتسم بالغموض والخطورة، وذات روابط محدودة بالتكنولوجيا أو سمات الحياة العصرية الحديثة، ومع أن التنميط صار مع الوقت أقل شيوعًا خاصةً مع ارتفاع الوعي، فإنه لم ينته تمامًا، وما زلنا نشهده بين الحين والآخر.

وقد وجد بعض الباحثين أن مشاهدة مثل تلك الأعمال التي تحمل بين طياتها طابعًا عنصريًّا؛ ينتج منها قلة احترام أصحاب البشرة السوداء لأنفسهم، فيما يزداد احترام أصحاب البشرة البيضاء لحالهم؛ كونهم يُصنفون بتلك الأعمال أبطالًا.

مؤكدين كيف يمكن للتمييز العرقي الذي يُقدَّم على أنه نوع من الترفيه؛ أن يؤثر سلبًا في تصورات البِيض للأشخاص المُختلفين عنهم في اللون أو العرق، بل إنه كثيرًا ما يدفعهم للربط بين الهجرة والبطالة وارتفاع نسبة الجريمة في المجتمع؛ الأمر الذي لن يلبث أن يتسبب بالمزيد من العداء بين الفريقين.

3. اللاتينيون وشرط الجاذبية الجنسية

يُمثِّل اللاتينيون أكبر أقلية عرقية في الولايات المتحدة بنسبة 18% من إجمالي السكان و23% من مشتري تذاكر السينما، وبرغم ذلك نجد أن الأفلام التي قُدَّمت منذ بداية الألفية الجديدة حتى الآن؛ 3% فقط من أبطالها جاءوا من أصل لاتيني، في حين شَكَّل اللاتينيون 4.5% فقط من جميع الشخصيات الناطقة أو المُسمَّاة.

ومع نظرة فاحصة إلى تلك الأعمال يسهل اكتشاف أن غالبية الشخصيات الذكورية اللاتينية تركزت أدوارهم على تَحَلِّيهم بالجاذبية الجنسية، والظهور بوصفهم أفراد عصابات، بينما النساء بَدَون مزاجيات أو مثيرات أو غواني، وأحيانًا، خادمات لا يتحدثن سوى الإسبانية.

لم تكن طبيعة الأدوار فقط هي فخ التنميط الوحيد الذي وقع ضحيته اللاتينيون، وإنما المظهر الخارجي أيضًا؛ إذ حُوصروا في البشرة البنية أو البرونزية مع الشعر الأسود الداكن والقوام الجذاب.

وقد يعتقد البعض أن التنميط المعتمد على الجاذبية ليس عنصريًّا؛ لكن في حقيقة الأمر فإن الصور النمطية التي تكرسها الأفلام، تؤذي بشكل خاص الفئات الأخرى التي سرعان ما تشعر بالتهميش والاضطهاد، مما يتسبب لهم بكثير من الألم هم في غنى عنه.

4. الألمان وشبح النازية الدائم

أما الصورة النمطية الأكثر شيوعًا عن الألمان، فتتعلَّق بأنهم جميعًا نازيون، مثلما شاهدنا بافتتاحية فيلم «Inglourious Basterds» الذي ظهر خلاله الكولونيل هانز لاندا الملقب بـ«صائد اليهود» بينما يسرد فلسفته عن اليهود الذين يشبهون – من وجهة نظره – الجرذان ويستحقون السحق.

ومع أن ذلك قد يبدو منطقيًّا بعض الشيء إذا ظهر في الأعمال التي صورت بعد انتهاء الحرب العالمية، لكن من الغريب أن يستمر إلى وقتنا هذا، وتُتَّهم به أجيال لم تشهد تلك المأساة أو تُباركها من الأساس.

صورة نمطية أخرى وقع ضحيتها الألمان، لكنها تتعلَّق بالطباع هذه المرة، فعادةً ما يُصوَّر الألمان كتروس آلات أكثر من كونهم بشرًا، يعملون بدقة شديدة وفق جداول زمنية لا تعرف التأخير أو التسامح مع من يُخالف ذلك. كذلك تُصوَّر الحياة في ألمانيا على أنها تمتاز بالصرامة والبرودة العاطفية، فيظهر الألمان رجالًا ونساءً في الأفلام كما لو كانوا لا يمتلكون قلبًا، ولا يعرفون شيئًا عن الرومانسية أو روح الدعابة.

5. الروس وأسطورة المعاناة

فيما ظهر الروس في السينما الأمريكية بوصفهم أشخاصًا يتسمون بالذكورية الشديدة، والقدرة على تَحمُّل كافة أنواع المشقة، مع منحهم طابعًا يجمع بين البؤس والمَيل للإكثار من شرب الكحوليات؛ وهو ما ترتَّب عليه بدوره اختيارهم لأدوار يتعرَّض أصحابها لنوع قاسٍ من المعاناة خلال الأحداث.

لكن الأغرب هو المَيل لإسناد أدوار الشخصيات الروسية لغير الروسيين، مثلما حدث بفيلم «Rocky IV»، الذي قدم فيه الممثل السويدي دولف لوندجرين دور ملاكم روسي، أو فيلم «Red Heat» الذي لعب فيه الممثل الأسترالي أرنولد شوارزنيجر دور ضابط شرطة روسي.

6. العرب والمسلمون الأكثر تعرضًا للعنصرية

يُمكن القول بمنتهى الأريحية إن السود والعرب خاصةً المسلمين منهم، هم أكثر من عانوا من التنميط السلبي والعنصرية الفجة وغير الإنسانية في هوليوود، والتي لم تُقدَّم من باب سوء الفهم أو لتلائم السياق الدرامي؛ وإنما لخدمة أجندات سياسية معينة.

بدأ تنميط العرب والمسلمين خلال الأفلام منذ بدايات السينما، فظهروا في العشرينيات من القرن الماضي لصوصًا ودجالين وقتلة وحشيين، مثلما جرى بفيلمي «The Sheik» في 1921، و«The Son of the Sheik» في 1926. كذلك ظهروا متعطشين للسلطة، وإن كانوا سرعان ما يُمنوا بالهزيمة النكراء من الغرب، وهو ما جاء في أفلام مثل «The Thief of Bagdad» في 1924، و«A Cafe in Cairo» في العام نفسه، و«The Desert Bride» في 1928.

استمرت تلك الصورة النمطية طويلًا، وصولًا للسبعينيات والثمانينيات، قبل أن تظهر صورة نمطية أخرى تُصوِّر العرب رجال نفط أثرياء، والنساء أجساد خُلقت للمتعة الجنسية، دون أن يكون لها أي رأي أو أهمية أخرى في مجتمعها.

أما عن نمط حياة العرب في بلدانهم، فجُسَّد بالكثير من الأعمال بوصفهم بدويين يُقيمون في أماكن تُحيطها الصحراء، يؤمنون بإله مختلف يدعوهم للتعصب، فلا يُقدِّرون الحياة البشرية مثل باقي العالم؛ ولهذا من السهل عليهم التضحية بحياتهم لتدمير الآخرين، أما النساء فتظهرن خاضعات مُتشحات بالسواد كالغربان.

وهي الصور التي تسببت بإلحاق ضرر نفسي عميق وشعور بالإهانة للعرب، خاصةً الذين يعيشون في الولايات المتحدة، ليس هذا فحسب؛ وإنما غذَّت عقول الأمريكيين بصورة غير حقيقية تصلح ليستخدموها مبررًا لإلحاق الضرر بالعرب جسديًّا، أو إهانتهم ووضعهم قيد الشك والتحقيق بغير وجه حق كلما أرادوا.

صورة نمطية أخرى انتشرت في التسعينيات، تلك التي صورت العرب إرهابيين أو أعداء للولايات المتحدة، حتى إن صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» كانت قد نشرت تحقيقًا عام 1997 تضمَّن «12 خطوة لإنشاء فيلم عربي ناجح»، جاء من بينها أن يكون لهم لحى، أن يرتدوا الكوفيات، أن تكون أسماؤهم إما مصطفى وإما عليًّا أو تبدأ بـ«عبد»، والأهم أن يهددوا بتفجير شيء ما؛ وهي الصورة التي تضاعفت بشدة للأسف بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وما زالت قائمة حتى الآن.

محاولات تصحيحية

بالرغم من أن التحول الديموغرافي وضغط شباك التذاكر العالمي الآخذ بالتوسع قد يدفع هوليوود لمحاولة إرضاء الجمهور؛ وهو ما جرى فعلًا خلال السنوات الأخيرة، حتى إننا شهدنا في 2017 فوز الممثلة السوداء فيولا ديفيس بجائزة «الأوسكار» عن فيلم «Fences».

لتصبح أول امرأة سوداء تفوز عن العمل نفسه بالتاج الثلاثي للتمثيل «الأوسكار والجولدن جلوب والبافتا» على مدار تاريخ السينما العالمية، ثم شهدنا في 2018 أيضًا كيف تربَّع فيلم الكوميديا ​​الرومانسية «Crazy Rich Asians» على عرش شباك التذاكر رغم تمتعه بطاقم آسيوي بالكامل.

فإن ذلك لن يكفي لإصلاح الحواجز العرقية على المدى البعيد، ما لم يُبذل المزيد من الجهود المتضافرة. لذا، وفي ظل استمرار تَخَلُّف نسبة المشاركة الكاملة من قبل الأشخاص الملونين بالأعمال الفنية، مُقارنةَ بأصحاب البشرة البيضاء، رُبما كان على هوليوود اتباع استراتيجية جديدة قائمة على مزيد من تنوع المحتوى والتوظيف.

ووضع خطة واضحة ومدروسة لزيادة الأدوار المُخصصة للأشخاص الملونين، كذلك في ما يتعلق بالوظائف الممنوحة لهم داخل الكواليس. الأمر نفسه ينطبق على الاستوديوهات، ومنصات البث؛ خاصةً وأن الأبحاث أظهرت أن ذلك من شأنه أن يُساعد على تعزيز التنوع العرقي في أماكن العمل، وخصوصًا على المستوى الإداري.

ولعل أشهر النماذج الناجحة بهذا الشأن؛ حين قرر القائمون على شبكة «ABC» التليفزيونية إقران اسم الكاتبة شوندا ريميس – التي لم تكن لديها أي خبرة تلفزيونية قبل مسلسلها الأول «Grey’s Anatomy» – مع المنتج والكاتب جيمس باروت الأكثر خبرة، وأمام أفكار شوندا الجديدة والطازجة وخبرة جيمس القديمة، نتج أحد أنجح الأعمال التليفزيونية بالقرن الواحد والعشرين.

فنون

منذ شهر
7 أفلام تكشف لك تاريخ العنصرية الأمريكية ضد السود

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد