أيدت المحكمة الدستورية بإجماع الثمانية قضاة في كوريا الجنوبية الإجراءات التي تقضي بعزل رئيسة البلاد «باك جون هاي» وقالت إن هذه الأفعال «أفسدت روح الديمقراطية وروح القانون في البلاد» على خلفية قضايا فساد تصل لـ13 قضية، أهمها إنها سمحت لصديقتها «تشوي سون» ومستشار رئاسي سابق – وهم يحاكمون أيضًا – بالتدخل في شؤون البلاد، كما أنها خرقت قواعد السرية بتسريب وثائق رئاسية مهمة، وطلبت أيضًا رشاوى من رئيس مجموعة «سامسونغ»، في مقابل دعم الحكومة لدمج شركتين تابعتين لسامسونغ في 2015، بهدف سيطرته على المجموعة.

جاء قرار المحكمة بعد رفض مكتب «باك» (65 عامًا) لطلب الاستجواب الشخصي لها، سواء بـالفيديو أو عبر التسجيل الصوتي، ورفضت باك تهم انتهاك حرية التعبير وقمع الصحافة الموجهة لها. وبموجب «الدستور» ستجرى انتخابات رئاسية في كوريا الجنوبية في غضون 60 يومًا.وبهذا القرار تصبح باك أول رئيسة للبلاد منتخبة ديمقراطيًا تجبر على ترك المنصب.

ربما الغريب «علينا» هو نزول كثير من المعارضين «لباك» إلى وسط العاصمة «سول» وبجانبهم نزل مؤيدوها، لكن بأعداد أقل، ولم تحدث أي اشتباكات أو تدخل من قبل «الجيش أو الشرطة» لمساندة طرف على حساب آخر، فقط انتشر رجال الشرطة في وسط المدينة حاملين الدروع، لكن لم ترد أنباء عن وقوع اضطرابات، إلا الاشتباكات الوحيدة التي جاءت من قبل مؤيدين «لباك» بدأوا بالاعتداء على الشرطة.

قبل كوريا الجنوبية، مرت فنزويلا والبرازيل وصربيا وغيرهم بتجارب مشابهة، أرادت عزل الرئيس بشكل قانوني، هذا ما أخبرتنا به الصحف على مدى يومين من الحادثة، لكننا أردنا في هذا التقرير الإجابة على شيء آخر؛ فقد أعلنت مؤسسة إفريقية لجائزة بقيمة خمسة مليون دولار لأي رئيس إفريقي أو عربي يترك الحكم طواعية بعد انتهاء مدته أو الاعتراض عليه، أو بشكل أوضح، يترك الحكم دون مسلسلات من الدماء، فماذا لو كانت رئيسة كوريا الجنوبية أو غيرها في دولة عربية أو إفريقية؟ هل كانت تنتهي الأمور بهذه «السهولة» بدون تدخلات خارجية أو داخلية، سواء من الجيش أو الشرطة أو غيرهم؟

رئيس غامبيا: سأحكم مليار عام بأمر الله!

 

غامبيا، أصغر دول إفريقيا، ولا يتعدى سكانها مليوني نسمة، لم تشهد انتقالًا «سلسًا بدون دماء» للسلطة منذ الاستقلال عام 1965. وكان الرئيس يحيى جامع (51 عامًا) الذي يحكم البلاد بالقوة من أكثر من 20 عامًا، والذي جاء الى الحكم في «انقلاب عسكري» في عام 1994 قد صرح مع بداية رئاسته بأنه سيحكم البلاد «لمليار عام بمشيئة الله» كما زعم أن بإمكانه «علاج الإيدز» والعقم ولم يثبت علاجه طوال مدة رئاسته لهذه الأشياء.

اعتقل يحيى جامع وقتل العديد من قادة المعارضة الذين شاركوا على مدار سنوات حكمه في مظاهرات ضد استمرار حكمه. نجحت احتجاجات هذه المرة أخيرًا في توسيع المطالبة بإعادة الانتخابات في البلاد وخلق ضغط قوي على جامع، وقد فرض حظرًا تامًا لإستخدام جميع المكالمات المحلية والدولية في أيام الإنتخابات التي أجريت، كما لم يسمح أن يشرف على الانتخابات مراقبو الاتحاد الأوروبي أو «المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا» (إكواس) التي كانت ترى الانتخابات غير موضوعية، لكن الاتحاد الإفريقي أرسل عددًا قليلًا جدًا من المراقبين للإشراف على الانتخابات.

بعد إعلان النتيجة التي أقرت بخسارته، رفض الغامبي يحيى جامع أن يعترف بها، وزعم أن العملية الانتخابية «شابها مخالفات غير مقبولة»، وأنه «بعد تحقيق دقيق، قررت رفض نتيجة الانتخابات الأخيرة وإعادتها»، ووصل الأمر حينها إلى حشد السنغال لقواتها نحو الحدود مع غامبيا في ظل تهديدات بعمل عسكري هناك إذا لم يتم تسليم السلطة لـ«آدم بارو»، كما اضطر الأمر بعض الدول، مثل غانا، للإعراب عن استعدادها للتدخل عسكريًا ضد جامع.

ساحل العاج.. بلد الأمن والكاكاو

في ساحل العاج أعلن المجلس الدستوري للبلاد فوز «لوران غباغبو» في الانتخابات، وأعلن رئيس المجلس أن النتائج في سب مناطق شمالية قد تم إلغاؤها (بدون أسباب واضحة) وعلى هذا الأساس تم إعلان فوزغباغبو بفارق ضئيل على منافسه «الحسن واتارا» بـ51.45% من الأصوات مقابل 48.55%، أي أنه إذا أضيفت نتائج المناطق التي ألغيت؛ سيتغير الأمر لفوز المنافس ورئيس الوزراء الأسبق «الحسن واتارا» الذي كان قد منع قبل ذلك من دخول الانتخابات؛ نتيجة لأن والديه ينحدرون من بوركينا فاسو، وليس ساحل العاج.

دفع الأمر «الحسن واتارا» للتأكيد على فوزه في الانتخابات وأحقيته بمنصب رئيس الجمهورية المنتخب، كما أعلن أن المجلس الدستوري قد أساء استخدام سلطته، ويأسف لصورة بلاده في الخارج، كما أكد أنه يحظى بدعم كامل من المجتمع الدولي، حيث تم اللجوء للمجتمع الدولي وأمريكا لحل الأزمة.

بدأت القوات الموالية «لوتارا» بالاستيلاء على المناطق التي كانت خاضعة لباغبو في ساحل العاج وأحكمت قبضتها على العاصمة الاقتصادية للبلاد «أبيدجان»، لكن «باغبو» صمم على الاستمرار في الحكم، بالرغم من انتهاء ولايته، حتى على حساب المواجهات المسلحة مع منافسه، وبالرغم من تصريحات الأمم المتحدة التي قالت فيها: إن «باغبو» خسر الانتخابات الرئاسية، ويجب عليه ترك حكم البلاد، لكن الأخير رفض ذلك؛ بمسوغ أن فرنسا بصفتها القوة الاستعمارية السابقة والأقرب للبلاد، قامت بمحاولة استخدام نفوذها في الأمم المتحدة للتخلص منه وحماية مصالحها الاقتصادية، وأرجع فوز «الحسن واتارا» إلى هذا السبب.

ويقول محللون: إنهم قلما شاهدوا مثل هذا الإجماع داخل المجتمع الدولي، أي داخل الإتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومنظمة «إيكواس» أو المجموعة الاقتصادية لدول غربي إفريقيا. إذ إن كل هذه المنظمات دعت «باغبو» إلى التنحي وفرضت عليه عقوبات على الدولة التي كانت توصف قبله «واحة السلام والازدهار في إفريقيا» والتي أصبح يراق فيها الدماء ويستباح فيه التعذيب في عهده، بحسب الأمم المتحدة التي أفادت بقتل نحو 100 شخص جرّاء سقوط ما لا يقل عن ست قذائف هاون.

معمر القذافي: «من أنتم.. لأقول لكم ما أقول لكم»؟

«المرأة تجوع وتعطش كما يجوع الرجل ويعطش.

والمرأة تحيا وتموت كما يحيا الرجل ويموت.

ولكن لماذا هناك رجل ولماذا هناك امرأة؟» *الرئيس الليبي معمر القذافي في «الكتاب الأخضر»

 

كان القذافي رئيس مجلس قيادة الثورة الليبية من عام 1969 حتى عام 1977، ثم وصل إلى الحكم بعد انقلاب عسكري على «الملك إدريس» عام 1969 إلى عام 1977، ونحّى نفسه عن قيادة مجلس الثورة، ثم عيّن نفسه قائدًا للثورة وأصبح «ملك ملوك إفريقيا» كما يطلق عليه بعد ذلك.

منذ عام 1979 وحتى مقتله عام 2011 والقذافي هو الرئيس الليبي الوحيد لكل شيء في ليبيا لأكثر من 42 عامًا. المعارضون في السجون أو في المشرحة؛ مثل ما حدث من قتل علني في مسجد الفاتح أو المجازر البشرية التي اعترفت بها منظمات حقوق الإنسان، وأشهرها مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 التي راح ضحيتها 1269 معتقل.

استبدل بالدستور الليبي عام 1951 عقيدة سميت بالنظرية العالمية الثالثة، وتم نشرها فيما يعرف بالكتاب الأخضر.

 

العقيد القذافي لم يكتف بقتل وتعذيب المعارضين بل كان يتعجب من فكرة الاعتراض على أحكامه وقراراته، ولا يرى مبررًا لذلك. يطلب من الليبيين السفر لإفريقيا والعمل هناك، لم يكن يتذكر أسماء غير اسمه فقط، وكان يذكر الوزراء بأرقامهم وأرقام مجالسهم، أكثر من ذلك كان القذافي يلزم معلقي كرة القدم ألا ينطقوا أسماء اللاعبين؛ اللاعب برقم «الفانلة» التي يرتديها، بينما كان ابنه أيضًا هانيبال القذافي «يحتقر القضاء».

ومع اندلاع الثورة الليبية، استخدم القذافي السلاح الثقيل في محاولة لإخماد الثورة وقتل الثوار بشكلٍ مباشر، وكان يسرد قصصًا لبعض الرؤساء الذين قاموا بقصف وقتل شعوبهم لتهديد الليبيين خلال الثورة، حتى تحول الأمر إلى حرب واسعة انتهت بانتصار الثورة، ومقتل القذافي على يد الثوار، لكن الكثير من الخراب والدمار ترك البلاد تحتاج للكثير من السنوات حتى تعود آمنة كما كانت.

 

السودان.. أرض الانقلابات

 

للسودان سجل حافل بالانقلابات العسكرية، منذ إعلان استقلاله في 1956، وقعت أول محاولة انقلابية في تاريخ البلاد في العام 1957، وقادتها مجموعة من ضباط الجيش والطلاب الحربيين ضد أول حكومة وطنية ديمقراطية بعد الاستقلال برئاسة «إسماعيل الأزهري»، ولكنها فشلت، وتم محاكمة قائدي الانقلاب.

نستطيع القول إن السودان عاشت أكثر من ربع قرن لم يسكت فيها صوت الرصاص، إلا أيامًا قليلة بين الحين والآخر، حيث يمكننا أن نرصد ما يقرب من 13 انقلاب عسكري سوداني للتخلص من الحاكم الذي يراه بعض المواطنين «مستبدًا»، لكنه «لا يرى ذلك في نفسه».

نجح أول انقلاب عسكري عن طريق الجيش السوادني بقيادة الفريق «إبراهيم عبود» ضد حكومة ائتلاف ديمقراطية بين حزب الأمة، والاتحادي الديمقراطي، يرأسها مجلس السيادة المكون من الزعيم الأزهري ورئيس الحكومة آنذاك «عبد الله خليل»، وشكل الانقلابيون حكومة عسكرية برئاسة «عبود» حكمت البلاد «بديكتاتورية» أيضًا استمرت لسبع سنوات، تخللتها محاولة انقلاب لم تنجح، ولكن رأى «إبراهيم» احتواء الانقلابيين ومشاركتهم بعض الأعمال بخلاف انقلاب الإسلامي «الطاهر بكر» الذي أعدم وخمسة من معاونيه. لم يترك الحكم إلّا بقوة ثورة مؤيدة من الداخل والخارج أطاحت به في أكتوبر (تشرين الاول) 1964 حيث لم يجد خيارًا، إلّا الرحيل بالقوة بعد موت واعتقال الآلاف هناك.

مع مرور الأيام جاء «أشهر انقلاب عسكري في تاريخ السودان» بتاريخ 25 مايو (أيار) 1969 بقيادة العميد «جعفر محمد نميري» ومجموعة من الضباط أي عن طريق الجيش. تربع «النميرى» على السلطة لـ16 عامًا، لم ير المعارضون الشارع خلالها؛ إما القتل أو السجن، حيث إن تلك الفترة «السوداء» في حياة أهل السودان شهدث الآلاف من القتلى والمعتقلين.

وصلت بعض المحاولات التي احتج منظموها على نظام النميري، وحاولوا الانقلاب عليه في 1976 إلى القتل علنًا «رميًا بالرصاص» وحولت شوارع الخرطوم خلال أيام الانقلاب إلى ساحة معارك، لكنه لم يترك الحكم أيضًا، إلّا بالقوة في عام 1985، «انتفاضة إبريل» التي لم يستطع الصمود أمامها.

بعد ذلك جاء الإسلامي «عمر البشير» الذي أطاح «بالصادق المهدي» رئيس الحكومة الديمقراطية آنذاك، وتعرض «البشير» أيضًا للعديد من محاولات الانقلاب عليه، وقرر أن يعدِم المشاركين في هذه الاحتجاجات، وبالفعل بعد فشل المحاولة الأولى أعدم 28 ضابطًا في الجيش، وبعدها في 1992 تعرض لانقلاب آخر، يواجه «البشير» معارضيه أو «المتمردين» بالعنف، ولا يزال رئيس البلاد حتى الآن.

على خلفية هذه الدول هناك الكثير غيرهم داخل إفريقيا، يعيش فيها المواطنون، ولا يحلمون بما حدث في كوريا الجنوبية أو فنزويلا والبرازيل من قبل، هو عالم آخر لا يتخيلون ما يحدث فيه؛ لأنهم يعيشون في عالم آخر. لن تفوز بالجائزة السيدة الشرق آسيوية بالطبع، لكن لا زالت قطاعات من الشعوب الإفريقية والعربية تتمنى أن يفوز بها أي حاكم إفريقي أو عربي قبل أن يسقط الكثير من الدماء مع رحيله، ولا زال البعض يحلم بوجود «باك جون هاي» واحدة داخل إفريقيا، ربما سيجمعون لها ضعف الجائزة من أموالهم الخاصة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد