مرت الثورة السورية – خلال سنواتها الثلاث – بمراحل متعددة من حيث تفاعل الدول الكبرى والأطراف الإقليمية مع القضية، ومن حيث تقدم أو تأخر المعارضة المسلحة في مواجهة ميليشيات النظام وقواته، إلا أنَّ الذي يزيد ويتقدم دون تأخر هو عدد القتلى والمصابين واللاجئين والنازحين.

“حسب بعض التقديرات وصل عدد ضحايا الثورة السورية إلى 3 ملايين قتيل وعشرة ملايين لاجئ وثلاثة ملايين نازح في الداخل السوري”

من ناحية أخرى هناك أطراف إقليمية لولاها لما كان الأسد الآن يواجه المعارضة المسلحة بكل شراسة، كما أنَّه لولا أطراف مؤيدة ودافعة للمعارضة السورية لاستطاع بشار أن ينهي على المعارضة المسلحة ويفوز بمعركته التي بدأها.

في ضوء الأحداث الإقليمية والتطورات الحاصلة على أكثر من مستوى، سنحاول قراءة الوضع في المنطقة من حيثُ حالة الأطراف الإقليمية، إذا حدثَ وانتصرت الثورة السورية.

مقدمات لا بدّ منها

اذا تمّ الأمر وانتصرت الثورة السورية على نظام بشار الأسد فإن هناك العديد من الملفات والأحداث الشائكة التي من المتوقع أن تثور، ويجب على الثورة أن تتعامل معها وتحلها:

الحالة الطائفية في سوريا

حسب تقارير يقطن سوريا خليط من الأجناس، فإضافةً إلى العرب – الأغلبية – يوجد أكراد وشركس وأرمن وغير ذلك من الأجناس المختلفة، إلا أنَّ الاختلاف والتباين الأهم الذي ستواجهه الثورة السورية حال انتصارها التركيبة الدينية المتوترة لسوريا.

بشكل تقريبي فإن السنة العرب يمثلون 70% من التركيبة السكانية لسوريا إضافةً إلى 8 إلى 9% من العلويين(النظام الحاكم علوي)، و8% من المسيحيين، إضافةً إلى 2 أو3% من الدروز، وبعض الأقليات الأخرى الأقل عددًا ونسبةً، وسيكون على الثورة – حال نجاحها – الخروج بنموذج سياسي يجمع بين الطوائف ويضمن للجميع مشاركة سياسية متوازنة.

الشبيحة والمجاهدين

حسب بعض الإحصائيات فإنه إضافةً إلى جيش النظام السوري والدعم الإيراني وحزب الله، هناك ميليشيات الشبيحة التي تتجاوز أعدادها عشرات الآلاف في الداخل السوري، وحال انتصار الثورة السورية فإن عليها أن تجد صيغة ملائمة لحل أزمة الشبيحة وتفكيك تنظيمهم وتجريدهم من السلاح القوي الذي يمتلكونه.

علي الصعيد الآخر فإن المجاهدين في سوريا قد تجاوزوا أيضًا عشرات الآلاف، والمختلف أن قوات المجاهدين في سوريا تضم الآلاف من المجاهدين من دول أخرى غير سوريا، وأيضًا حل هذه التنظيمات والسيطرة على سلاحها حتى تستطيع الثورة إقامة دولة سيكون أحد أهم المعضلات التي ستواجهها حال انتصارها، حتى لا يقفز إلى الأذهان حالة الثورة الليبية والتنظيمات المسلحة التي لا زالت تحتفظ بسلاحها في الداخل الليبي.

مقاتلو المعارضة السورية

انتشرت خلال الفترة السابقة تقارير تتحدث عن قلق دول أوروبية – فرنسا وبريطانيا كمثال – من عودة المجاهدين في سوريا إلى بلادهم في أوروبا، وكذلك قلق روسيا من عودة المجاهدين إلى داغستان بجنوب روسيا.

عقود إعمار سوريا؟

من المعلوم أنه وخلال الثلاث سنوات السابقة – عمر الثورة – فإن البنية التحتية لسوريا قد تعرضت لهدم ممنهج من قبل النظام ومن خلال العمليات العسكرية بينه وبين المعارضة المسلحة، سوريا بعد الثورة من شأنها أن تجتذب الشركات الكبرى متعددة الجنسيات لإعادة إعمارها.

وسجل التاريخ محاولات إعادة إعمار العراق بعد غزوه 2003 وكيف سيطرت الشركات الأمريكية على نصيب الأسد من هذه العقود، وكيف صار العراق تابعًا بشكلٍ كبير للولايات المتحدة الأمريكية.

شهدت سوريا تدميرًا غير مسبوق

المثال الآخر الغير بعيد ليبيا بعد الثورة والإطاحة بالعقيد القذافي، ومن المتوقع أن تشهد سوريا حالة مثل حالة الثورة الليبية، لا من حيث عقود إعمار ليبيا التي سيطرت عليها الشركات الكبرى وحسب، وإنما أيضًا من حيثُ حالة الانقسام والتوتر الحالي، ومحاولة القيام بحركات انفصالية عديدة.

أثر انتصار الثورة السورية على الأطراف الإقليمية والدولية المختلفة

 هناك عدة لاعبين أساسيين في الداخل السوري، باعتبار الثورة السورية أزمة إقليمية ودولية بالأساس، ليس فقط لموقع سوريا الحيوي وإنما لطبيعة النظام الذي كان يحسب على “دول الممانعة” لإسرائيل والولايات المتحدة، إضافةً إلى تراكم التحالفات المختلفة للنظام مع أطراف كبرى (روسيا والصين وإيران) ومعاداته لأطراف من معسكر آخر (الولايات المتحدة والسعودية واسرائيل).

الولايات المتحدة

لا تعتبر الولايات المتحدة انتصار الثورة السورية انتصارًا لها على روسيا فقط، وإنما تعتبر أن انتصارها أمنًا إستراتيجيًّا وتدشينًا لمرحلة أخرى من السياسة الخارجية الأمريكية، وحسب محللين تهدف أمريكا إلى إقامة توازن اقليمي وهدوء واستقرار إلى حدٍ كبير في المنطقة حتى يتسنيى لها التوجه بسياساتها الخارجية تجاه الصين واليابان والاتجاه نحو حل عدة مشكلات عالقة بينهما، خصوصًا بعد الصعود الصيني المفاجئ خلال السنوات القليلة الماضية، إضافةً إلى مشكلة كوريا الشمالية.

كانت الولايات المتحدة هي المناطح الرئيسي لنظام بشار، والقائد الأهم لاتخاذ تدبير عسكري ضد النظام السوري، إلا أن وقوف روسيا والصين ضد هذه الضربة، جعل أمريكا ترضى بالحد الأدني من الانتصار بتدمير السلاح الكيماوي السوري بالاتفاق مع روسيا ودمشق.

تراجع أوباما عن ضربة عسكرية لسوريا واكتفى بتفكيك السلاح الكيماوي السوري

انتصار الثورة السورية من شأنه أن يُعلِي من رصيد الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، كونها أحد أهم المؤيدين للمعارضة السورية ضد الأسد، إلا أن سقوط الأسد قد يفتح جبهة أخرى للولايات المتحدة مع إيران وهو ما لا تريده – ربما – الولايات المتحدة للمحافظة على التوازن بين دول المنطقة، خصوصًا أن إيران تدخل معركة سوريا باعتبارها معركة حياة أو موت.

السعودية

ثاني أكبر وأهم شريك للمعارضة السورية، ويقدر محللون أن الملف السوري كان على رأس الملفات في زيارة أوباما – أول أمس الجمعة – للسعودية، فقد ناقشت السعودية موقف الولايات المتحدة المتراجع من القضية السورية، وحسب تقارير فإن السعودية قد اشترت سلاحًا باكستانيًّا لتزويد المعارضة السورية به، والأمر بالنسبة للسعودية أيضًا “معركة”؛ حيث إن بقاء الأسد في السلطة من شأنه أن يزيد من نفوذ إيران المنافس الدائم للسعودية في المنطقة، إضافةً إلى تقلص دور السعودية في لبنان بشكلٍ خاص وفي المنطقة بشكلٍ عام.

في حال انتصار الثورة السورية، فإن النظام السعودي سيكون قد تخلص من أحد أكثر الأنظمة إقلاقًا للسعودية ولوجودها في المنطقة، وتكون السعودية قد حققت انتصارًا على إيران وقلصت من نفوذها المتزايد في المنطقة وفي الخليج بالتحديد.

إيران

سقوط الأسد يمثل بالنسبة لإيران ضربة غير مسبوقة منذ قيام الثورة الإيرانية؛ حيث يمثل نظام الأسد حليفًا لإيران منذُ ثلاثين عامًا، وأمس أكد نائب رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية أن إيران تساند سوريا دون حدود وأكد أن سقوط سوريا يعتبر سقوطًا لإيران وجرها إلى حرب، والنقطة الأكثر صراحةً حين أكد غلام علي رشيد أن قوات الدفاع الوطني – الشبيحة – التي تم تشكيلها جاءت بإشراف من اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس – التابع للحرس الثوري الإيراني -، وعلى الصعيد الآخر فإن تقارير تحدثت أن القائد الفعلي للمعركة في سوريا هو اللواء سليماني.

اللواء سليماني 

انتصار الثورة من شأنه أن يجعل إيران بلا ظهر أو حليف قوي كنظام الأسد، كذلك من شأنه أن يقودها إلى حرب مع أطراف أخرى – حسب تصريحات غلام -، لربما يقودها لحرب مع السعودية على سبيل المثال. القراءة الأخرى تقول إنه وفي حالة سقوط الأسد ستحاول إيران الخروج بأقل الخسائر الممكنة؛ حيث ستضمن نفوذًا – وإن أقلّ – في المنطقة إلى جانب أنها ستشكل توازنًا عسكريًّا وسياسيًّا إقليميًّا تريده الولايات المتحدة في المنطقة.

لبنان وحزب الله

يتعامل النظام السوري مع لبنان باعتبارها الحديقة الخلفية له، والوجود السوري في لبنان أوضح من أن يشار إليه، من خلال حزب الله بالتأكيد ومن خلال الأذرع الاستخباراتية للنظام في الداخل اللبناني.

“في حالة سقوط بشار الأسد لربما تقوم في لبنان حربٌ أهلية أخرى في ظل التباين الطائفي فيها، خصوصًا أنهُ – حسب محللين – كانت هناك محاولة في 2012 من قِبَل الأسد للعب بورقة حرب أهلية في لبنان، كذلك فإن حزب الله سيكون بلا ظهر يحميه كما هو الوضع الحالي بحماية سوريا وإيران له”

إسرائيل:

حسب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فإن إسرائيل تدفع بشدة تجاه إسقاط الأسد، إضافةً إلى كونها العدو اللدود لإيران، بالتالي فإنها تحارب في محاولة لإسقاط الأسد، لكن وبسقوط الأسد وصعود الثورة، إذا استطاعت الثورة التغلب على المشكلات السابق ذكرها، فإنها ربما ستحاول حل المشكلات العالقة بين إسرائيل وسوريا.

إسرائيل هي الحليف الأهم للولايات المتحدة

ربما يكون الحل عسكريًّا، وإن كانت التحليلات الأكثر تقول إنه لن تستطيع سوريا الدخول في صراع عسكري مع إسرائيل؛ حيث إن الولايات المتحدة ستكون صاحبة النفوذ الأقوى في سوريا حال انتصار الثورة، كذلك فلن يكون هناك مقدرات عسكرية بعد الصراع الحالي بين النظام والمعارضة، والسعودية لن تدفع تجاه صراع مسلح بين “سوريا الثورة” وإسرائيل.

تبدو الأزمة السورية عالقة وبلا حلول؛ حيث إن جميع الأطراف المتنازعة داخل سوريا تدخل الأزمة باعتبارها معركة حياة أو موت، ويظل الحديث عن انتصار الثورة السورية مجرد آمال لثوار أو لمتضررين من الوضع الإنساني المأساوي المتزايد، بينما الحديث عن بقاء الأسد هو الأكثر واقعية، وحتى يحين الحل للأزمة السورية، ليس أمامنا إلا أن نتابع التطورات ومشاهدة التاريخ كيف يسير، وكيف أن للأطراف الخارجية ما للأطراف الداخلية من أهمية ودور فيه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد