«كوني مثليًّا، لا يجعلني شخصًا جيدًا أو سيئًا في التعامل مع جداول البيانات، أو التصويب بالسلاح، أو حتى اجتماعات اللجان وقرارات التوظيف».

كان هذا تصريح المرشح الرئاسي الأمريكي الديمقراطي بيت بوتيجيج، في عام 2015، عندما أعلن ميوله الجنسية المثلية؛ عقب إعادة انتخابه حاكمًا لمدينة ساوث بيند. موضحًا في تصريحه أن إعلانه توجهه الجنسي على صفحات الجرائد ليس أمرًا سهلًا، ولكنه برر موقفه أنه حان الوقت لممارسة الحقوق الأربعة التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت: «حرية التعبير، وحرية الدين، والتحرر من الحاجة، والتحرر من الخوف».

وعلى الرغم من عدم محاولة بيت تصدير ميوله الجنسية واجهة لحملته السياسية؛ فإن الأمر يفرض نفسه إعلاميًّا وجماهيريًّا، ما دفع بيت للتصريح بأنه وفقًا للإحصاءات التي أثبتت نسب وجود المثليين في المجتمع الأمريكي، فربما مر على تاريخ البيت الأبيض رئيس مثلي لم يعترف بميوله علنًا.

هذا الشاب – 37 عامًا- المثلي الحاكم لبلدة صغيرة؛ يشارك الآن في السباق السياسي الأهم على مستوى العالم، وينافس مجموعة من المرشحين المخضرمين في السياسة والأكبر منه سنًا، بروح من التفاؤل والإيجابية؛ يمكنك أن تراها في معظم خطاباته.

والتأييد الذي يحظى به، يعد ملفتًا للنظر مقارنة بالمعطيات السياسية والشخصية، التي قد لا تكون في صالحه، فماذا لو فاز بيت بوتيجيج بالسباق الرئاسي؛ وتولى إدارة أمريكا أول رئيس مثلي الجنس؟

هل ترامب غبيّ يعاني من جنون العظمة أم عبقري يعرف ما يريد؟

رئيس مثلي الجنس؟ الشعب قد «يتحمس» والمحكمة العليا تنظر في الأمر

في عام 2006؛ وفي إطار استطلاع رأي أمريكي عن مدى تقبل الشعب الأمريكي لمنح إدارة الولايات إلى حاكم مثلي؛ وضحت النتيجة أن أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع، رافضون للفكرة وغير متقبلين للمبدأ.

ولكن في استطلاع للرأي نسقته شبكة «إن بي سي» و«وول ستريت جورنال» هذا العام؛ بينت النتيجة فرقًا واضحًا في الآراء، بتقبل يزيد عن 70% من المشاركين في الاستطلاع وجود رجل مثلي الجنس في البيت الأبيض، ووجود نسبة غير ضئيلة ذهب اختيارها لخانة «متحمس». ومع اختيار لوري لايتفوت -السمراء مثلية الجنس- حاكمة لولاية شيكاجو؛ يمكن أن ترى الشق الواقعي للاستطلاع السابق ذكره على القرارات الأخيرة بأمريكا.

على الجانب الآخر؛ الخطاب الذي اختاره بيت، والذي يظهر فيه ميوله الجنسية مثل الوقوف أمام الكاميرات مع زوجه، أو تقبيله له دون ذكر وصف «مثلي» في حديثه؛ يراه البعض نداءً للمجتمع أن يعاملوا توجهه الجنسي على أنه مجرد أمر هامشي أو طبيعي، دون التركيز عليه، وكأنه يقول: «أنا لن أخفي هويتي الجنسية؛ ولكن لن أصدرها درعًا لحملتي السياسية».

وهو الأمر الذي أكد عليه تشارلز كايزر مدير مركز «إل جي بي تي (LGBT)» لحقوق المثليين، عندما صرح بأنه يرى بيت رجلًا متزوجًا سعيدًا يفكر في قضايا العصر بفكر شاب، أما كونه مثليًّا فهو «أمر ليس له صلة بترشحه الرئاسي».

المرشح الرئاسي بجوار زوجه على غلاف «التايم»

وسواء اختار بيت هويته الجنسية شعارًا له أم لم يختر، فهو أمر له صدى وتأثير داخل أمريكا وخارجها، خاصة بعد أن وافقت المحكمة العُليا في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر أبريل (نيسان) الماضي، على النظر في ثلاث قضايا تطالب بتعديل القوانين الفيدرالية للتمييز الوظيفي، والتي كانت تمتد للميول الجنسية للمرشح للمنصب السياسي، بعد ترشح بيت للرئاسة.

الأمر الذي لا يراه البعض على سبيل الصدفة؛ مؤكدين أن الفضل في هذا يرجع للمرشح المثلي الرئاسي الأول، وتنظر المحكمة العُليا إلى ثلاث قضايا من نيويورك، وميشيجان، وجورجيا؛ تتضمن موظفين يزعمون بأن طردهم من وظائفهم جاء بسبب كونهم مثليين، أو متحولين جنسيًّا.

وخلال الأسابيع القليلة القادمة؛ ستبت المحكمة العُليا في أكثر من 20 قضية مهمة؛ متضمنة قضايا التمييز العنصري في الإطار الوظيفي. في حين أن وزارة العدل التي تعمل تحت إشراف الرئيس دونالد ترامب، أخذت جانب الشركات التي فُصل منها أصحاب القضايا، مؤكدة أن قوانين الحقوق المدنية الفيدرالية لا تحمي العاملين وفقًا لميولهم أو هويتهم الجنسية.

«سأمحو آثار العم المجنون ترامب»

من خلال تصريحاته الدائمة، وتركيزه على كونه عسكريًّا سابقًا شارك في حرب أفغانستان، يحاول بيت بوتيجيج التأكيد على اختلافه عن الرئيس دونالد ترامب، وعدم احترامه لسياساته المتبعة في أمريكا الآن؛ حتى إنه في أحد حواراته شبهه بـ«العم المجنون» الذي يخشى منه الأطفال في العائلة.

مؤكدًا على أن التواصل مع هذا الرجل أو مناقشته في المناظرات الرئاسية، سيكون مهمة صعبة؛ مثل مهمة فرد الأسرة الذي عليه أن يحجم ويتعامل مع هذا العم المجنون؛ وهذا لأن ترامب لا يريد المناقشة في السياسة وقناعاته لا تتغير، بحسب بيت.

ورفض بيت لترامب لا يتوقف عند طبيعة شخصيته، أو سُبله في الحوار، بل امتدت إلى اتهامه حيال إصابته الجسدية؛ حتى لا يضطر للقتال في حرب فيتنام، ووصفه بكونه شخصًا عنصريًّا.

لكن بيت عاد وصرح بأنه مستعد للتعامل معه، مؤكدًا أنه إذا وصل للبيت الأبيض وأصبح رئيسًا لأمريكا؛ سيكون على قائمة أولوياته إعادة وزارة العدل لوضعها السابق. لتكون كيانًا مستقلًا يدافع عن سيادة قانون؛ وليس امتدادًا لقرارات الرئيس وميوله الشخصية والسياسية. موضحًا أنه كلما كانت وزارة العدل منفصلة عن الرئيس؛ كان هذا أفضل لمستقبل الولايات المتحدة الأمريكية.

بيت بوتيجيج المرشح الرئاسي الذي يتحدث سبع لغات. مصدر الصورة موقع «entrepreneur»

ما أزعج بيت من وضع وزارة العدل تحت إدارة ترامب؛ استشعاره بأن ترامب يظن أن دور الرئيس الأمريكي هو إملاء ما يريده على وزارة العدل وما عليها سوى التنفيذ، ويوعد بيت مؤيديه أن هذا الوضع لن يتكرر خلال حكمه في حالة فوزه، مؤكدًا أن تحت إدارته لن يكون هناك أحد أعلى من القانون.

فهل هذا الشعار الذي يرفعه بيت؛ يوحي بأن ترامب قد يتحول من رئيس إلى متهم أمام القانون؟ خاصة بعد تصريحات العديد من مسؤولي وزارة العدل السابقين، والذين أشاروا إلى وجود أدلة كافية على السلوك الإجرامي في بعض قرارات ترامب السياسية، والتي إن لم يكن رئيسًا مُسيطرًا على وزارة العدل؛ لكان متهمًا بسببها!

لن يجدا أرضًا مشتركة.. بيت والجمهوريون

يُعرف عن الجمهوريين معارضتهم لزواج المثليين؛ فعندما يترشح سياسي مثلي الجنس متزوج من رجل لمنصب رئيس أمريكا، لن تحتاج للكثير من التحليلات السياسية لتدرك أن جبهتي بيت والجمهوريين لن يجدا أرضًا مشتركة بسهولة، حتى وإن لم يرفع بيت مثليته الجنسية شعارًا في حملته الانتخابية.

وبمجرد إعلان بيت عن ترشحه لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، جذب انتباه العديد من النقاد السياسيين والديمقراطيين المتعطشين لمرشح رئاسي جديد يمثلهم في البيت الأبيض، ولكن على الجانب الآخر، كان خبر ترشحه مثيرًا للجدل وللغضب أحيانًا لدى بعض الجمهوريين.

ربما يكون أبرزهم مايك بينس نائب الرئيس، والذي شن خلافًا علنيًّا بينه وبين بيت، حول الدين والمثلية الجنسية؛ عندما وجه بيت حديثه في الإعلام إلى بينس قائلًا: « أتمنى أن يفهم مايك بينس أن الإنسان لا يختار أن يكون مثليًّا؛ بل يولد على هذه الشاكلة. وإذا كان لديك مشكلة في توجهي الجنسي؛ فخلافك -يا سيدي- ليس معي بل مع خالقي».

ومن جانبه جاءت معظم ردود بينس ساخرة أو متهربة على تصريحات بيت، وعندما سأله الإعلام بوضوح عن رأيه في اختيار الإنسان لهويته الجنسية؛ لم يجب عن السؤال.

وزاد الوضع سوءًا بين بيت والجمهوريين؛ عندما سُئل في بداية يونيو (حزيران) الجاري في أحد اللقاءات الإعلامية، عن رأيه في الجمهوريين؛ إذ طالبه المحاور أن يذكر سياسيًّا جمهوريًّا يحترمه ويحترم سياساته على شرط أن يكون على قيد الحياة؛ فصمت بيت طويلًا تعبيرًا عن عجزه في إيجاد هذا الشخص؛ ما أضحك الجمهور الحاضر للقاء، وأجاب في النهاية بأن آخر من أحترمه من الجمهوريين لم يعد حيًّا، وكرر في هذا اللقاء انتقاده لآراء مايك بينس حول قضايا حقوق المثليين.

«لماذا يحتكر المسيحيون اليمينيون الدين؟»

من القضايا المثيرة للجدل الآن في الولايات المتحدة، والتي أخرجت الكثير من المواطنين إلى الشوارع بين مؤيدين ومعارضين، هي قوانين منع الإجهاض قانونيًّا، فالبعض يرى أن «مريم العذراء اختارت الحياة» كما تظهر لافتات المؤيدين للقرار، بينما ترى وجهة نظر أخرى أن هذا القرار يجب أن يُترك للأم؛ فهي الوحيدة التي من شأنها اتخاذ قرار تربية طفل من عدمه.

من جانبه؛ كان بيت واضحًا في موقفه عندما شارك في واحدة من المظاهرات المعارضة لتلك القوانين التي تُدرس الآن، ويتوقع لها أن تُطبق قريبًا في بعض الولايات الأمريكية، مؤكدًا أن على الشعب الأمريكي أن يكون أكثر ثقة في قرارات النساء، خاصة وإن كان القرار يخص المرأة وحدها.

موضحًا أن بعض المسيحيين اليمينيين يرجعون الأمر إلى الدين، وهو الأمر الذي يثير حفيظته ودائمًا ما جعله يتساءل: «لماذا يحتكر المسيحيون اليمينيون الدين؟»، مؤكدًا أنهم يفسرون الدين تفسيرًا غير دقيق، وأن الدين لم يتعرض لمسألة الإجهاض بوضوح.

ورغم آرائه الواضحة فيما يخص تلك القضايا، والتي قد تبشر بنهايتها إذا تولى رئاسة الولايات المتحدة، فإن بعض الآراء النسائية ترى أن تصريحات بيت في هذا الشأن لا تتوافق مع موقفه الحيادي تجاه المنظمات الداعية لتمرير قوانين منع الإجهاض في المدينة التي يحكمها، مؤكدين أن موقفه الحيادي إذا ظل على هذا القدر من الضعف؛ فهو لا يبشر بتغييرات جذرية بخصوص الحقوق الإنجابية في أمريكا في حالة توليه الرئاسة.

«أدوات الحرب لا تنتمي لمنازلنا»

عندما تشاهد أحد الأفلام الأمريكية وترى جميع الأبطال يحملون بنادق و«مسدسات» دون قيود؛ فالأمر لا ينطبق تحت بند الخيال أو «الحركة» التي تصنعها أفلام هوليوود، فحق امتلاك الأسلحة متاح للجميع في أمريكا بالفعل، وشراء الأسلحة هُناك أسهل من شراء المخدرات أحيانًا.

«من أكثر المكالمات الحزينة التي قد يتلقاها المرء، هي التي تخبره بوفاة شخص عزيز عليه في حادث استخدام سيئ للسلاح».

هكذا صرح المرشح الرئاسي الديمقراطي في أحد المؤتمرات الصحافية؛ حينما سُئل عن موقفه تجاه قوانين حق امتلاك السلاح. وهذا لم يكن مجرد تصريح في إطار الإجابة عن أسئلة الصحافيين؛ فمحاربة تلك القوانين على قائمة أعمال بيت، ويُذكر هذا على موقع حملته الانتخابية بوضوح، مؤكدًا على أهمية تقنين امتلاك السلاح، بغرض الحد من حالات الوفاة الناتجة عن سهولة الحصول على الأسلحة، سواء بغرض الانتحار، أو الهجوم بغرض السرقة، والتي قد تنتهي في النهاية بالقتل عن طريق الخطأ.

فهل ينجح بيت بوتيجيج في الوصول إلى البيت الأبيض؟ أم أن حلمه سينتهي باكرًا ولن يصل إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2020؟

«الجارديان»: 4 أسباب تقرب ترامب من تولي فترة رئاسية ثانية

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد