خلال الشهور الأخيرة، قضى عدد غير مسبوق من سكان العالم وقتًا طويلًا في المنزل، وأحيانًا الغرفة، واتجه العديد منَّا لاستخدام الأجهزة الرقمية لوقت يزيد على المعتاد، ويمكن لزيادة استهلاك الإنترنت والوسائط الرقمية أن تؤثر سلبًا في صحتنا الجسدية والنفسية والاجتماعية، وهو ما يدفعنا لفهم ما هو «الديتوكس الرقمي»، الذي قد يخلصنا من هذا الإدمان.

ما هو الديتوكس الرقمي؟

يتلخص الديتوكس الرقمي في امتناع الشخص عن استخدام الأجهزة التقنية، مثل الهواتف الذكية، وأجهزة التلفزيون، وأجهزة الكمبيوتر، والأجهزة اللوحية، ومواقع الوسائط الاجتماعية لفترة زمنية مُعينة، وغالبًا ما يُنظر إليه على أنه «إزالة السموم» الذهنية التي تُحدثها الأجهزة الرقمية، ليزيد من التركيز على التفاعلات الاجتماعية الواقعية دون مُشتتات، حتى لو مؤقتًا على الأقل، وهو ما يُمكِّن الأشخاص من التخلص من الضغط الناجم عن الاتصال المستمر.

أيضًا، فالوقت الطويل الذي نقضيه على الإنترنت يعني أن لدينا وقتًا أقل للقيام بالأنشطة الواقعية التي يمكن أن تكون مُفيدة ومُمتعة، مثل ممارسة الرياضة أو الخروج في نزهة في الطبيعة، ويُصبح لدينا وقت أقل لقضائه مع الأشخاص الذين نحبهم.

Embed from Getty Images

الفوائد التي يُمكنك تحقيقها من الديتوكس الرقمي

يحقق الديتوكس الرقمي العديد من الفوائد، ومنها:

  • الحدُّ من الاكتئاب والقلق:

تُظهر الأبحاث وجود علاقة إيجابية بين استخدام التكنولوجيا بشكل مُكثف والقلق. على سبيل المثال، تتبعت دراسة التغيرات في الدماغ المرتبطة بإدمان الهواتف الذكية على 38 مراهقًا، ثم حدد الباحثون مستويات إدمان المراهقين ومستوى صحتهم العقلية من خلال الاستبيانات، ووجدوا أن المراهقين المدمنين للتكنولوجيا حصلوا على درجات أعلى بكثير في مستوى الاكتئاب، والقلق والأرق، والسلوك الاندفاعي.

تُظهر دراسة أخرى أن الاستخدام المتكرر لوسائل الإعلام الاجتماعية يسير جنبًا إلى جنب مع تزايد الاكتئاب، ووجدت الدراسة التي أُجريت على 82 شابًا أنه كلما زاد استخدامهم لـ«فيسبوك»، انخفضت مستويات الرضا عن حياتهم. وذلك لأن الشبكات الاجتماعية تُشجع المراهقين على مقارنة أنفسهم بالآخرين، مما يجعل للتكنولوجيا تأثيرًا سلبيًّا في احترام الذات.

  • بناء علاقات أكثر إيجابية:

في دراسة أجرتها مجلة فوربس، ادعى ثلاثة من كل خمسة أشخاص أنهم يقضون وقتًا على أجهزتهم الرقمية أطول مما يقضونه مع شركائهم. يمكن أن يُشكل هذا تهديدًا لبناء علاقات واقعية جيدة والحفاظ عليها.

قد تجد نفسك منشغلًا عمن معك بهاتفك لأنك لا تستطيع التوقف، سيدعم الديتوكس الرقمي قدرتك على التوقف متى أردت هذا، وهو ما سيُعزز علاقتك بشريكك وكل من حولك؛ لأنك ستستطيع التواصل والتركيز معهم بشكل أفضل عما كنت سابقًا.

  • Embed from Getty Images

    زيادة إنتاجيتك في العمل:

على الرغم من أن التقدُّم التكنولوجي ساعد في تقدُّم العديد من الشركات، فإن هناك جانبًا سلبيًّا للأمر، وهو أن الموظفين يستهلكون الكثير من الوقت في استخدام التكنولوجيا لأغراض لا تخص العمل.

أظهر مسح أن العاملين في المملكة المتحدة يقضون 3.7 أيام فقط من أصل خمسة في تنفيذ مهام العمل المطلوبة منهم، أما الوقت المُتبقي فهم يقضون أكثر من ساعتين يوميًّا في التسويف، بالإضافة إلى حوالي ثلاث ساعات وخمس دقائق من أسبوع العمل يتصفحون وسائل التواصل الاجتماعي.

يمكن للديتوكس التكنولوجي في هذه الحالة أن يُمكِّنك من تقليل مقدار الوقت المُستغرق في فتح رسائل البريد الإلكتروني التي لا تخص العمل، والتحقق من صفحات «فيسبوك» الشخصية، والرد على الرسائل النصية، وهو ما سيُزيد بدوره من تركيزك وإنتاجيتك في العمل.

  • اجعل أطفالك أكثر نشاطًا واحمهم من إدمان الألعاب:

في الفترة الأخيرة تراجع النشاط البدني، خاصة عند الأطفال بسبب كثرة استخدامهم للوسائط الرقمية. كان الأطفال قبل التسعينيات يلعبون بالخارج بمتوسط أسبوعي يفوق المتوسط الحالي، وهو ما يمكن عزوه بشكل كبير إلى الأجهزة الرقمية، فكثرة استخدام الأجهزة والوسائط الرقمية يحرم الأطفال من الحركة والنشاط البدني، بما لهما من أهمية كبيرة في دعم صحتهم النفسية والجسدية وتعزيزها.

عندما تتوقف عن استخدام التكنولوجيا ستكون قدوة، وسيتبعك أطفالك في فعل الشيء نفسه، وهو ما سيُزيد من مقدار نشاطهم البدني مرة أخرى.

أيضًا، صنفت منظمة الصحة العالمية اضطراب استخدام ألعاب الفيديو حالةً للصحة العقلية، يُشبه هذا الاضطراب الإدمان، فهو مثل إدمان القمار أو تعاطي المخدرات، ووفقًا لجمعية الطب النفسي الأمريكية، تتفاعل مسارات معينة في أدمغة هواة الفيديو بالطريقة نفسها التي يتفاعل بها مدمن المخدرات مع مادة إدمانه.

لذلك، يتميز هذا الاضطراب بالعجز عن التحكم في هوس ألعاب الفيديو، وهنا تأتي أهمية إزالة السموم الرقمية لتجنب هذا النوع من الإدمان. فالانفصال عن المُنبهات المستمرة التي يوفرها العالم الرقمي يمنح الجهاز العصبي فرصة للتوقف وإعادة التوازن.

Embed from Getty Images

نوم أفضل وتعزيز لعادات الأكل الصحية:

يُعدُّ اضطراب النوم الناتج من استخدام هذه الأدوات عالية التقنية سببًا آخر للضيق النفسي. يتسبب الضوء الأزرق المُنبعث من هذه الأجهزة في إشعارك باليقظة، وهو ما قد يتعارض مع جودة نومك. من المستحسن أن تمنح نفسك ساعتين على الأقل قبل وقت النوم كوقت خالٍ تمامًا من التكنولوجيا.

أما فيما يتعلق بعادات الأكل الصحية، فقد أصدر معهد روتشستر للتكنولوجيا دراسة أظهرت أن الطلاب يكونون أكثر ميلًا لتناول الطعام أثناء التحديق في الوسائط الرقمية، وهو ما يمكن أن يمنعهم من تناول الطعام بوعي، ويعزز عادات الأكل غير الصحية مثل الإفراط في تناول الطعام.

بعض الطرق لعمل الديتوكس الرقمي

هذه بعض الطرق التي يُمكنك تجربتها لعمل الديتوكس الرقمي:

  • التخلي لفترة قصيرة ومؤقتة: حاول التخلي عن جميع الأجهزة الرقمية لفترة زمنية قصيرة ومؤقتة، مثل يوم أو حتى أسبوع.
  • الامتناع الرقمي المتكرر: اختر يومًا واحدًا من الأسبوع وقرر لنفسك ألا تقترب خلال هذا اليوم من أيٍّ من الأجهزة والوسائط الرقمية.
  • الديتوكس المُحدد: إذا كان هناك تطبيق، أو موقع، أو لعبة، أو أداة رقمية مُحددة تستهلك الكثير من وقتك، فيُمكنك أن تُركز على تقييد استخدامك لهذا العنصر تحديدًا.

تكنولوجيا

منذ شهرين
أكثر 5 مشكلات شيوعًا في الهاتف الذكي وكيف تتعامل معها

هناك أيضًا بعض الأمور التي يمكنها ضمان نجاح عملية الديتوكس، ومنها:

  • أخبر أصدقاءك وعائلتك بأنك تقوم بعمل ديتوكس تكنولوجي واطلب مساعدتهم ودعمهم.
  • ابحث عن الأنشطة التي تُحبها، مثل القراءة أو التلوين أو الرقص، والتي تساعدك على تشتيت انتباهك واجعلها في متناول يدك.
  • احذف تطبيقات الوسائط الاجتماعية من هاتفك لتقليل الإغراء وجعل الوصول صعبًا.
  • احتفظ بدفتر لتتبع تقدُّمك وتدوين أفكارك حول التجربة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد