هل يمكن للـ«وعي» أن يوجد خارج الجسد؟ الأمر أشبه بكونك نائمًا في غرفتك، وبطريقةٍ ما استطعت «إسقاط» وعيك بالقرب من سقف الغرفة، حينها تصبح قادرًا على مراقبة «جسدك المادي» وهو نائم. لكن كيف يمكن أن ترى بلا عيون؟ تلك هي تجربة «الإسقاط النجمي» كما يصفها البعض، انفصال الوعي عن الجسد.

من قالوا إنهم خاضوا التجربة، يقولون إنها أشبه بخروج الروح من الجسد، لتهيم في المحيط بِحُرِّية، وذلك بافتراض وجود «هيئة نجمية» قادرة على ترك الجسد المادي خلفها والسفر والتنقل أينما تريد، فهل هناك تفسير علمي يمكن أن يشرح تجربة الخروج من الكيان المادي؟ وهل بالإمكان أن ندرب وعينا على «الإسقاط النجمي» – يعرف أيضًا بالإسقاط الأثيري – لنخوض تلك التجربة التي تناولتها الثقافات المختلفة؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

تواصل مع كيانات أخرى واستبصار.. ما هو «الإسقاط النجمي» كما يعرفه مجربوه؟

«الإسقاط النجمي»، هو تجربة الخروج من الجسد المادي، سواء كان ذلك من خلال الوعي أو الروح، تمهيدًا للسفر على المستوى النجمي، وهو المكان الذي توجد فيه كل الأفكار والذكريات والأحلام والأوهام، بحسب من جربوه. ويُعتقد أن «الجسم الأثيري» أو الروح والعقل بإمكانهم السفر على المستوى النجمي، ولاختبار هذا الشعور، يجب أن تكون الهيئة النجمية للشخص حاضرة ومُفعلة – أي تعمل بكامل طاقتها – وهو ما يعتمد في الأساس على قوة الفكر.

لذلك على الرغم من وجود العديد من الكتب والمؤلفات التي تتناول تقنيات السفر خارج الجسد، فإن فاعليتها تعتمد في الأساس – بحسب ورقة بحثية نشرت في «UK Essay» – على الفرد ذاته القائم بالتجربة، واستعداده الروحي والنفسي لها، وهو ما جعلها تجربة دينية بامتياز، وجزء من الشعائر التي – بحسب القائمين بها – ترتقي بالروح وتساعدها على التوحد مع الكون أو الوصول للذات العليا، حسب طبيعة الديانة. أما من يقومون بالتجربة لإثبات استحالتها، فهم يتبعون نهجًا سلبيًّا بحسب المسافرين، لن يمكنهم من الوصولِ إلى شيء.

يمكن للإسقاط النجمي أيضًا أن يستخدم لأغراضٍ خاصة، مثل أن يفعله البعض من أجل الاستبصار أو التخاطر والرؤية عن بعد. وقد استخدمته وكالة الاستخبارات المركزية وموَّلت من أجله الأبحاث، أملًا في أن يصبح أداة للتجسس، خاصةً بعدما أشيع أن الروس في منتصف القرن الفائت يستخدمونه، إلا أن تلك التجارب انتهت بلا نتائج مؤكدة.

في الفلسفة تبقى المعضلة كيف يمكن للشخصية أن توجد بدون الكيان المادي للجسد؟ الدماغ هو الذي يتحكم غالبًا في أفعالنا استجابةً لمحفزاتٍ معينة. والشخصية هي أحد مكونات الذات، وتعتمد في جزءٍ منها على وجود جسد، وبالتالي لا يمكن لها أن تترك الكيان المادي كليًّا لتنطلق في المحيط. وهو ما يجب أن ينظر إليه «علماء التخاطر» – بحسب المقال – وكأنه عملية خداع للنفس. 

عن ذلك يقول الفيلسوف البريطاني أنطوني فلو في مقالٍ نشر بمجلة «الجمعية الأمريكية للأبحاث النفسية» عام 1972، إن الجسدية أمر لا فرار منه لوصف الشخصية. بدون جسد لا يمكن للشخص أن يرى، أن يأكل، أن يسمع، وبتعطيل الحواس، تختفي المحفزات التي يمكن للدماغ الاستجابة لها. إذ بالنسبة إليه، البشر كائنات جسدية، وليست روحانية بلا كيان مادي، وبالتالي يصبح وجود الروح خارج الجسد، أمرًا مستحيلًا.

منذ آلاف السنين ارتبط «الخروج من الجسد» بالثقافات المختلفة والأديان

كانت الحضارة المصرية القديمة من أوائل الحضارات التي تناولت الروح في معتقداتها، ففي نصوص المقابر هناك مئات الصلوات التي تتلى على جسد المتوفى لتوجيه الروح إلى مثواها الأخير. اعتقد المصريون القدماء أن الروح لها «هيئة أثيرية» نسخة طبق الأصل من الجسد المادي، كما كان الموت هو الطريق لتحرير هذا الكيان الروحاني ليحيا إلى الأبد. 

كان كل فرد يملك تسعة أجزاء في الثقافة المصرية القديمة تشكل هيئته روحًا كاملة. منها: «الكا» كانت تمثل الهيئة المزدوجة للروح (الروح المادية) التي تمثل صاحبها صورة طبق الأصل مثل الشبح أو القرين، و«البا» جسدت النفس (الروح النورانية)، أما «الخات» فقد كان يمثل الجسد المادي الذي يفنى ويجرى تحنيطه عند الوفاة، وتتحد لدى المتوفي «الكا والبا» وذلك بعد أن يتخلص من الجسد المادي ويتحول إلى هيئة نورانية بإمكانها أن تصعد إلى السماء. عرف المصريون القدماء أيضًا الهيئة النجمية – الوعي – وأطلقوا عليها «ساحو»، ومن خلالها كان الإنسان يدرك الحقيقة بعد الموت، بحسب معتقدهم.

(الخروج من الجسد في الحضارة المصرية – المصدر Pinterest)

أما «الإسقاط النجمي» في البوذية التبتية، فقد كان له مفهوم آخر؛ إذ آمن الرهبان البوذيون بأنهم قادرون على ممارسة تجربة الخروج من الجسد، خلال جلسات التأمل وتدريبات «حلم اليوجا»، والتي تعني إيقاظ الوعي في حالة الأحلام؛ إذ تمكنهم تلك القدرة من التحكم الواعي في عناصر الحلم الذي يختبرونه أثناء النوم، وهي مهارة يعدونها لازمة لمواجهة تحديات الروح عند الموت.

رغب التبتيون في أحلام أكثر وضوحًا، ولتحقيق ذلك كانوا يخضعون لتدريب العقل والجسد معًا لتطوير مهارات اليقظة في الأحلام؛ إذ اعتقدوا أن الحلم سفر تخرج فيه الروح إلى الأماكن التي عليها زيارتها، ولهذا كان يجب عليهم أن يدربوا عقولهم على تذكر الأحلام بوضوح، لتتبع خط سير أرواحهم.

ما إن يتحكم الرهبان البوذيون في تسخير أحلامهم، حتى يبدأوا في ممارسة «السادهانا»، وهي تدريبات عقلية تمكنهم من السفر إلى أماكن مختلفة والالتقاء بكياناتٍ أخرى وممارسة الطيران، وتحويل كيانهم إلى أشكالٍ مختلفة، والتي تمثل بالنسبةِ إليهم أرقى أشكال «الإدراك الواعي».

لا يتوقف الأمر على الديانة «البوذية» و«المصرية القديمة»، بل يحكي المؤرخ والفيلسوف اليوناني بلوتارخ عن حادثة اهتز لها العالم الإغريقي عام 79، إذ أوشك الناس حينذاك على دفن رجل في غيبوبة، استيقظ فجأة قبل أن يضعوا جسده في القبر، بالنسبة لهم كان لتلك التجربة أثر كبير في المجتمع، خاصةً بعدما حكى لهم الرجل عما اختبره في نومه من تجربة الخروج من الجسد ومقابلة المعلم الروحي أثناء الوجود في بعدٍ آخر، بحسب روايته.

كما وصل الإسقاط النجمي إلى الممارسات المسيحية، بحسب «الأكاديمية الدولية للوعي»، وحاول ممارسته الأشخاص في مجتمعاتٍ سرية بالعصورِ الوسطى، أثناء انتشار محاكم التفتيش، كانت هي السبب الرئيسي في انتشار الأساطير المختلفة حول تجربة الخروج من الجسد وخطورتها على الفرد، وهو ما تنفيه الأكاديمية من جهتها، مشيرة إلى أن تلك التجربة مفيدة للعقل البشري من أجل تطوير القدرات والتحكم في النفس من خلال ممارسة إسقاط نجمي واعٍ.

علميًّا: الإسقاط النجمي.. رحلة عقلية

سمعنا الكثير عن تجارب الخروج من الجسد، وانفصال الروح عن الكيان المادي، وإمكانية السفر دون الجسدِ من المكان والزمان؛ إلا أننا ما زالنا لا نعرف شيئًا عما يحدث علميًّا داخل العقل البشري، عند تجربة الإسقاط النجمي أو الأثيري بحسب مجربيها.

يعتقد البعض أن بإمكان البشر التواصل مع طاقة الكون وتجربة الأحلام الواعية وتحفيز الرؤى، كما تشير الدراسات الاستقصائية إلى أن نسبة الأشخاص الذين اختبروا الإسقاط النجمي في مرحلة من مراحل حياتهم تتراوح ما بين 8% و20%.

أغلب الأشخاص الذين مارسوا الإسقاط النجمي، قالوا إن تجاربهم قد حدثت أثناء النوم، أو تحت تأثير التنويم المغناطيسي، حينها ينفصل الوعي عن الجسد، ليصبح كيانًا خاصًّا يرى ما لا تراه الأعين، ويتجاوز حاجز المكان. وعلى الرغم من تلك الحكايا المثيرة، فإن الأمر علميًّا قد لا يتجاوز حيز «الرحلة العقلية». نحن في الحقيقة لا نغادر عقولنا.

«لا يوجد دليل على أن تجارب الخروج من الجسد تحدث فعليًّا خارج الجسد، وليس داخل الدماغ». *تقرير Live Science

(ما الذي يحدث في الدماغ أثناء الخروج من الجسد؟)

يشير الباحثون إلى عدم وجود دليل علمي واحد على مغادرة الوعي للجسد؛ إذ لا يمكن للوعي أن يوجد خارج الدماغ. رغم ذلك انفتح العديد من العلماء على التجديد، بعضهم بحث في ما يحدث داخل الدماغ البشري أثناء التجربة، وهو ما توصلوا إلى أنه نتاج إشارات مختلطة لمراكز الإدراك في الدماغ، تخلق هذا الشعور الوهمي بحقيقة التجربة، كما حدث في الفيديو السابق المدرج قبل الفقرة.

عن ذلك تؤكد الباحثة سوزان بلاكمور في كتابها «ما وراء الجسد» أن الأشخاص الذين يختبرون السفر النجمي لديهم قدرة أعلى على ممارسة «التنويم المغناطيسي»، على سبيل المثال، والذي يحدد قدرة الشخص على الانغماس بشكلٍ كامل في شيء حتى وإن لم يكن حقيقيًّا. تقول بلاكمور: «هم أكثر إبداعًا وقدرة على الخيال، ويتأثرون بشكلٍ كبير بالإيحاء».

غالبًا ما يجري التبليغ عن حالات الإسقاط النجمي بعد تجارب الاقتراب من الموت، والذي يشمل شعورًا بالطفو خارج الجسد، ورؤية العالم من منظورٍ مختلف كليًّا، دون ذرة شك في أن ما يحدث لك حقيقي، وهو أمر يحدث فجأة ويستمر لفترة طويلة. كما يعاني المصابون بنوبات الصرع من تجارب كهذه، أحيانًا بشكلٍ متكرر، والتي يجري وصفها بأنها إحدى النوبات الفصامية (هلوسة). وهو ما يفسره الأطباء بأنه نتاج للإجهاد والإرهاق والصدمة.

هؤلاء مارسوا «الإسقاط النجمي».. رأوه حقيقيًّا

تحكي جين جيتينز، وهي امرأة بالغة من العمر 57 عامًا، أنها مرت بتجربة «الخروج من الجسد» أثناء خضوعها للمخاض المطوَّل والمرهق لولادة ابنها توماس. عن ذلك تقول: «خفَّ الألم فجأة، وانفصلت تمامًا عما يحدث من حولي، كان هناك نفق، وكنت مندفعة تجاهه، حينها دخلت إلى الغرفة مرةً ثانية».

كانت جيتينز تراقب نفسها وهي تلد طفلها من سقف الغرفة، وترى بعينِ الطائر رأس الطبيب والممرضات، حتى إنها تمكنت من ملاحظة الشعيرات الرمادية النامية أعلى رأس الطبيب، وجذور الشعر الأسود للممرضة الشقراء، وهو ما جعلها تدرك أن اللون الأشقر ليس طبيعيًّا.

تلك تفصيلة من الصعب على امرأة خاضعة لمخاضٍ مؤلم أن تدركها، لكن جين الطافية خارج جسدها، لم تكن في تلك اللحظة تشعر بآلام الولادة. رغم الغرابة، تعد تجربة «الإسقاط النجمي» أثناء المخاض، أمرًا ممكنًا ويحدث في بعض الأحيان؛ فماذا عن تجارب الخروج – عمدًا – من الجسد؟

هذا ما تجيب عنه إميلي بلير، التي كتبت تجربتها في الخضوع للإسقاط الأثيري طواعيةً أثناء الحجر المنزلي للجائحة العالمية «كورونا فيروس»؛ إذ تلقت بلير بعض التدريبات الإرشادية من متخصصين عبر تطبيق «زووم»، ساعدتها على الدخول في التجربة وتذكرها جيدًا، لتعمل على تفريغها لاحقًا كتابةً بإحدى المقالات.

كان الأمر بالنسبة لها محاولة للهروب من «الإقامة الجبرية» بالمنزل، حتى ولو من خلال الخيال أو الحيل العقلية. حينها سجلت في ورشة عن بعد للخروج من الجسد، تسمح للمشاركين بالسفر إلى أي مكان في الكون، بحسبها، وذلك عن طريق فصل كيانك النجمي (طاقتك) عن جسمك المادي من خلال تدريبات التأمل.

«في المحاضرة، أخبرنا المرشد الروحي بتوخي عوامل الأمان، وذلك لأن انفصال الهيئة النجمية عن الكيان المادي تترك الجسم في حالة أكثر ضعفًا». *قالت بلير

كان الأمر يتطلب وجود شخص إلى جانبك للمساعدة، بحسبها، وبعد أن طمأنهم المرشد على إجراءات الأمان، دعاهم للسفر في الزمان والمكان، حتى كان بإمكانهم زيارة الأكوان الموازية، حيث عثر هناك على علاج للفيروس الجديد وجرى توزيعه، بحسب روايتها.

بدأت رحلة التأمل من الجسد، حيث العين الثالثة المشعة بين العينين الماديتين، ومنها استكملوا السفر خارج الأربعة جدران الضيقة إلى العالم والفضاء والكون والأكوان الموازية. حفز المرشد، بحسب بلير، الخيال، حتى إنهم قد أرسلوا طاقات حب خضراء إلى الأطباء العاملين على الأدوية واللقاح، كما ساعدوا المرضى.

عن رحلتها التي ترويها تقول إنها تعلم جيدًا أن تلك التجربة قد لا تغير من الحاضر شيئًا، وتضيف: «إلا أنها في الحقيقة كانت ساعة ونصفًا من الهروب والمتعة والتلاعب بالواقع». وهو بالضبط ما كانت بحاجة إليه للانفصال عن عناوين الأخبار الكابوسية لبداية كل يوم أثناء العزل في المنزل.

هل يمكنك تجربة «الخروج من الجسد بنفسك»؟

ما نقصده من الإسقاط النجمي هنا عادةً يتمحور حول التجارب التي يحاول فيها الناس إرسال الوعي عمدًا خارج الجسد، وليس تلك التي تحدث فجأة وتلقائيًّا أثناء المرض أو الصدمة أو إنعاش القلب، وهي المحفزات الرئيسية لما يعرف بحالة الخروج من الجسد.

نجد الآن الكثير من الكتب والمقاطع المصورة التي تشرح كيفية التدريب لفصل الوعي في هيئته النجمية، وذلك من خلال تقنيات تذكر الأحلام، وممارسة التنفس بطريقة معينة، والاستلقاء والاسترخاء، وأحيانًا تحفيز حاسة ما تلقائيًّا.

تتمثل الخطوة الأولى، بحسب المروجين لممارسة الإسقاط النجمي، في التخلص من الخوف، والذي عادةً ما يرتبط بالمجهول، وهو ما يعمل على تحرير العقل من مخاوفه. يجب أيضًا أن تمارس التأمل لفترة من الزمن بحسبهم، تدرب خلالها عقلك على الأفكار الإيجابية سواء كان ذلك تجاه نفسك أو الآخرين من حولك، إلى جانب شعورك نحو تجربة الخروج من الجسد نفسها، لأنك لن ترى إلا ما تحفزه نفسك وتقصده أنت بحسبهم.

علوم

منذ 4 شهور
هل يمكننا أن نتحكم في جيناتنا ونجعلها تعمل لصالحنا؟

تشير التعليمات الإرشادية من قبل المروجين للتجربة إلى ضرورة أن تخلق حولك دائرة واقية، تنظف طاقتك بلطفٍ من الرأس وحتى أخمص القدمين، وذلك حتى لا تتمكن القوى السلبية من اختراق هالتك، بحسبهم. ومن ثم تبدأ بالجلوس في وضعٍ مريح، تترك خلاله الموسيقى الهادئة تتخلل أذنك لتمحو الأصوات المشتتة لذهنك، حينها فقط تستطيع التركيز على التنفس.

شهيق من الأنف وزفير من الفم، تلك هي طريقة التنفس المناسبة للتجربة، حينها تستطيع أن ترشد هالتك إلى الرحلة المُنتظرة بحسبهم، من خلال التأمل والاسترخاء وترك العقل يطفو وينجرف خلف الرؤى التأملية. وفي النهاية يحذر الخبراء من استخدام العقاقير المهلوسة أو المخدرات لتحفيز القيام بالرحلة، لما قد يكون لها من نتائج سيئة وأحيانًا خطيرة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد