يتابع العالم الحرب التي وصفت “بالباردة” التي تدور بين روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. حرب امتدت من سوريا إلى أوكرانيا، بعض التحليلات تؤكد أن الحرب بدأت بينهما بإسقاط نظام العقيد القذافي على يد قوات الناتو، بل إن البعض يؤكد أن الحرب أقدم من ذلك منذ غزو روسيا لجورجيا عام 2008.

الملاحظ من خلال زيارة بوتين إلى عدد من دول أمريكا اللاتينية أنَّ الرئيس القوي لروسيا فلاديمير بوتين يحرك الحرب إلى منطقة جغرافية أخرى لطالما كانت مسرحًا للحرب السياسية بين الاتحاد السوفيتي السابق (ومن بعده روسيا) والولايات المتحدة.

الرئيس بوتين مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في البرازيل

الزيارة وأفق النفوذ الروسي

تأتي زيارة بوتين في ستة أيام إلى أمريكا اللاتينية، زار خلال اليومين الماضيين العاصمة الكوبية هافانا وأجرى لقاءً مطولًا مع الزعيم الكوبي فيديل كاسترو وقابل الرئيس راؤول كاسترو، وتباحث بوتين مع كاسترو حول مسائل دولية ومشاكل ثنائية منها صرف العملات وتنمية الزراعة في كوبا، وقد شطب بوتين 90% من الديون الهائلة التي تدين بها كوبا للاتحاد السوفيتي السابق (حوالي 31 مليار دولار) وسيترك العشرة بالمئة الباقية لتطوير مشروعات تنموية بكوبا.

لم تكن كوبا فقط محط زيارة بوتين وإنما زار بوتين أيضًا العاصمة الأرجنتينية بيونيس آيريس حيث وقع مع نظيرته كريستينيا فرنانديز اتفاقًا للتعاون النووي بين البلدين، إضافةً إلى مروره على نيكاراغوا لمدة ساعتين في إطار جولته، وحضر بوتين مأدبة عشاء اجتمع عليها رؤساء كلٍّ من البرازيل وبوليفيا والأوروجواي. وستنتهي زيارة بوتين في البرازيل.

مع الرئيس الإكوادوري (أرشيفية)

مع الزعيم الكوبي فيديل كاسترو

إرث من العداء والتنافس

تعتبر الولايات المتحدة أمريكا اللاتينية حديقتها الخلفية، في القرن الماضي تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر في العديد من دول أمريكا اللاتينية مثل بنما والإكوادور، إضافة إلى تدخلها في دول أخرى بشكل غير مباشر عبر دعم بعض التيارات أو الفصائل المسلحة.

على الجانب الآخر اعتبرت روسيا الاتحادية دول الاتحاد السوفيتي السابقة تابعة لها، وحاولت دومًا فرض نفوذها عليها. هذه الحالة جعلت كلاً من أمريكا اللاتينية والدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي مسرحًا للأحداث بين القطبين الكبيرين.

أزمة الصواريخ الكوبية

نضرب مثلًا هنا بأحد أشهر هذه “الحروب الباردة”. حاولت الولايات المتحدة مرارًا إسقاط النظام الكوبي، وعقب فشلها أكثر من مرة قام السوفيت ببناء قواعد سرية لعدد من الصواريخ النووية متوسطة المدى في كوبا والتي تتيح إمكانية ضرب معظم أراضي الولايات المتحدة، إلا أن السر انكشف وكادت العملية تودي بالعالم إلى حرب عالمية ثالثة، لولا توصل الولايات المتحدة عبر اتصالات سرية مع الاتحاد السوفيتي إلى اتفاق وسط يقضي بإزالة القواعد السرية وتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا.

الصواريخ الباليستية بالساحة الحمراء بموسكو

لم تكن هذه هي الحالة الوحيدة للصراع بين الولايات المتحدة والسوفيت ـ روسيا حاليًا ـ في أمريكا اللاتينية، حيث قام السوفيت بدعم الشيوعيين (الأنظمة والمعارضة حسب البلد) في أمريكا اللاتينية بينما قامت أمريكا بمحاربتهم عبر دعمها لموالين لها، وبالجملة فإن نفوذ الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية أقوى من نفوذ روسيا، إلا أن التواجد الروسي مخيف أيضًا للولايات المتحدة، خصوصًا في ظل تواجد أكثر من رئيس يساري في أمريكا اللاتينية (رؤساء فنزويلا وبنما والبرازيل ونيكاراجوا).

التوجه إلى أمريكا اللاتينية: سياسة بوتين الجديدة

لا يختلف المحللون أن بوتين استطاع أن يطرح وبقوة التواجد الروسي خلال السنوات القليلة الماضية، واستطاع أن يربح كذلك معركته في سوريا وأوكرانيا، إلا أنهم لا يختلفون أيضًا أن روسيا الآن تعيش شبه عزلة دولية، خصوصاً بعد شنّ الولايات المتحدة حربًا دبلوماسية واقتصادية عليها بعد انتصار روسيا في سوريا وأوكرانيا.

يحاول بوتين كسر هذه الحالة من العزلة الدولية المفروضة عليه بالقيام بجولات “مكوكية” إلى دول أقلّ قوةً من الولايات المتحدة و دول الاتحاد الأوروبي، تجلى هذا في توقيع بوتين مؤخرًا مع بيلاروسيا وكازاخستان اتفاقًا لإنشاء اتحاد اقتصادي أوروبي/آسيوي بهدف تعزيز الاندماج بين هذه الدول حيث سينضم إلى الاتحاد أرمينيا وقيرغيزستان أيضًا ومولدوفا وطاجيكستان، ومن المتوقع أيضاً أن تنضم أوكرانيا إلى الاتحاد لاحقاً.

مرةً أخرى فإن زيارة بوتين لأمريكا اللاتينية تعتبر أحد هذه المحاولات التي يحاول بها بوتين كسر الحالة الحالية التي تعيشها روسيا من الصراع مع الولايات المتحدة وأوروبا، فهل سينجح بوتين؟ يبدو أن المعطيات تقول أنه يحقق نجاحًا متصاعدًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد