الحزن هو شيء نختبره ونشعر به جميعًا، فهو رد فعل طبيعي تجاه الأوقات الصعبة التي تمر بنا في الحياة، ويتلاشى تدريجيًا مع مرور الوقت.

لكن حين يُصاب الشخص بالاكتئاب، فإن هذه الحالة تتداخل مع الحياة اليومية، والعمل الطبيعي الذي يُمارسه الإنسان. وقد يتسبب الاكتئاب، في الشعور بالألم للمصاب به، ولمن حوله من المهتمين بأمره.

والاكتئاب هو مرض حقيقي، وليس مجرد علامة على ضعف الشخص أو وجود خلل في شخصيته، وليس في إمكان المصاب به، الهروب منه بسهولة، فمعظم المصابين بالاكتئاب، يحتاجون إلى علاج طويل.

ولا يُعتبر الاكتئاب مرضًا مميتًا في ذاته، لكن الإصابة به، وفي مراحله المتأخرة، قد تدفع بالمصاب إلى الرغبة في إنهاء حياته والانتحار.

يُذكر أن عدد المصابين بالاكتئاب المرضي حول العالم، يصل إلى 350 مليون شخص، بصيغة أُخرى، هُناك حوالي 350 مليون إنسان مُهددين بأن تنتهي حياتهم بالانتحار.

بين الاكتئاب والحزن

الحزن ليس سوى جزء صغير من الاكتئاب، وبعضُ من يعانون من الاكتئاب قد لا يشعرون بالحزن على الإطلاق! في المقابل للاكتئاب أعراض أُخرى، ليست فقط نفسية، وإنما جسدية أيضًا.

كذلك، لا يُعد الشعور بالسعادة، مقابل الاكتئاب، وإنما مقابل الحزن، أما الحيوية فهي مقابل الاكتئاب، بمعنى أن المكتئب، قد يسعد أحيانًا، ويحزن أُخرى، لكنه يظل مُكتئبًا.

الحزن المستمر أغلب الأوقات، والقلق الدائم، وفراغ المزاج، ومشاعر اليأس والتشاؤم، والشعور القاتل بالذنب والتفاهة والعجز، والإحساس بفقدان الاهتمام، أو فقدان الاستمتاع بممارسة الهوايات والأنشطة، والإحساس بتسرب الطاقة، وبالإرهاق السريع، وصعوبة التركيز أو التذكر، وصعوبة النوم، أو النوم لفترات طويلة على غير العادة، وتغيرات الشهية فالوزن، ونهاية التفكير في الموت والانتحار، ثُمّ محاولات الانتحار؛ هذه جميعًا من أعراض الاكتئاب، وكما يتضح فإن لبعضها أثرًا جسديًا.

والاكتئاب ليس إحباطًا، ولكن الإحباط جزء من الاكتئاب، كما أن الحزن جُزء منه، كما أن القلق جزء منه، وغير ذلك من المشاعر السلبية، التي يؤدي تجمعها في نفس الشخص، إلى الشعور الذي يشعر به المصاب بالاكتئاب.

وتأثير الاكتئاب يختلف من شخص إلى الآخر، بحسب مقدار الإصابة بالمرض، واستعداد الشخص النفسي. وقد يُصاب أحدهم بالاكتئاب، فيشعر بالحزن المستمر، وبأن لا قيمة له، وقد يُصاب آخر بالاكتئاب، فيُوحي له المرض بأنه فاشل، وليس في إمكانه القيام بأية أعمال، أو ربما يُوحي بالشعور بالذنب بشكل مُستمر، وبأن المصاب دائمًا ما يخذل من حوله، وإن كان لا يفعل في الحقيقة.

وقد يغير الاكتئاب سلوك الناس ويجعلهم يشعرون باستمرار بأنهم متعبون للغاية، كما أنّه قد يجعل المصاب به غير قادر على النوم، أو ربما يدفعه للنوم لفترات طويلة.

مسببات الاكتئاب

تلعب العديد من العوامل دورًا في الإصابة بالاكتئاب، بما في ذلك الوراثة، والبيولوجيا، وكيمياء المُخ، وأحداث الحياة التي مرّ بها المُصاب، كالصدمات النفسية، أو فقدان أحد من أفراد الأسرة، أو العلاقات العاطفية الصعبة، أو الفاشلة، فضلًا عن استعداده النفسي.

وقد تتزامن الإصابة بالاكتئاب، مع أمراض صحية خطيرة أخرى، مثل السكري والسرطان وأمراض القلب ومرض باركنسون، وفي هذه الحالة، قد تسوء الحالة الصحية للشخص، من جهة أُخرى، قد يُصاب شخص بالاكتئاب باعتباره أثرًا جانبيًّا من آثار الأدوية والعلاجات المكافحة لتلك الأمراض.

وقد يُصاب الإنسان بالاكتئاب في أي عمر، لكنه غالبًا ما يبدأ في سن المراهقة، أو في أوائل العشرينات والثلاثينات، ويُلاحظ أن معظم حالات اضطرابات المزاج والقلق المزمنة لدى البالغين تظهر في صورة مستويات عالية من القلق لدى الأطفال.

هذا، ويمكن أن تكون مستويات القلق العالية في الطفل علامة على احتمالية أكبر في إصابة هذا الشخص بالاكتئاب عند البلوغ.

الاكتئاب ليس نوعًا واحدًا

الاكتئاب، أو الاضطرابات الاكتئابية، مثله مثل الكثير من الأمراض، ليس نوعًا واحدًا فقط، وإنما عدة أنواع. كما يتميز الاكتئاب الأساسي، بالأعراض التي تتداخل مع القدرة على العمل، والنوم، والدراسة، وتناول الطعام، والاستمتاع بالحياة. وهذا النوع من الاكتئاب، قد يُصاب به الشخص مرة واحدة في حياته، لكن غالبًا ما تتكرر إصابته لمن أُصيب به بالفعل.

أمّا النوع الثاني، فهو الاضطراب الاكتئابي المُستمر، وبسببه قد يُصاب المريض بالاكتئاب لسنتين متواصلتين على الأقل، وخلال فترة إصابته به، قد يُصاب بنوبات اكتئاب أساسي تكون الأعراض فيها أقل حدّة.

اللافت في هذا المرض، أن له أشكالًا مُختلفة قليلًا، أو أعراضًا قد تتطور في ظل ظروف فريدة من نوعها، فعلى سبيل المثال، قد يُصاب الشخص خلاله بأنواع أُخرى من الاكتئاب، لها أعراض فريدة.

من أنواع الاكتئاب أيضًا، اكتئاب ما بعد الولادة، والذي يُعد أكثر خطورة بكثير من حالة الإحباط النفسي الطبيعية، التي تُصيب ما بين 70% إلى 80% من النساء بعد الولادة، ويُطلق عليها «Baby blues»، والتي تحدث بسبب التغيرات الجسدية والفسيولوجية التي تُصيب المرأة بسبب الحمل ثُمّ الولادة.

لكن اكتئاب ما بعد الولادة ليس مجرد حالة إحباط نفسي، لكنه مرض حقيقي وخطير، ويُقدّر أن ما بين 10% إلى 15% من النساء بعد الولادة يُصابون بهذا النوع من الاكتئاب.

وهناك نوع آخر من الاكتئاب، وهو اكتئاب الاضطراب العاطفي الموسمي، والذي يُصيب الشخص لفترة خلال أشهر الشتاء، حيث تكون أشعة الشمس أضعف وأقل من الطبيعي، وعادة ما ينتهي هذا الاكتئاب خلال فصلي الربيع والصيف.

ويُمكن علاج هذا النوع من الاكتئاب بطريقة فعالة، بتقنيات العلاج بالضوء، إلا أن حوالي نصف المصابين بهذا النوع من الاكتئاب يحتاجون بالإضافة إلى العلاج بالضوء، تناول أدوية مضادة للاكتئاب.

ماذا أفعل لو شعرت بالاكتئاب؟

في حال شعرت بأنك مصاب بأحد الأعراض سابقة الذكر، فمن الأفضل أن تُسرع بالحديث إلى شخص تثق فيه، لتحكي له عما تُفكر فيه وتشعر به، لكن ذلك لن يُغنيك عن زيارة طبيب أو مُعالج نفسي.

أيضًا لا تختلي بنفسك كثيرًا، ولا تدع المجال ليُسيطر أي شعور سلبي عليك. الوحدة قد تُساعد على ذلك، وعليه اكسر وحدتك كلما شعرت أن إحساسًا سلبيًا سيسيطر عليك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد