افتح عينيك قليلًا، العالم ليس الغرفة أو المجتمع الصغير الذي تعيش فيه، إنه مكان كبير مليء بالأمور المدهشة، واحدة منها تلك التي نحن بصدد الحديث عنها الآن، مجتمع صغير للغاية، ليس دينًا، لكنه يحمل بداخله الكثير من خصائص الأديان من تعاليم وفلسفة ومنهج، وحتى معبد وإن كانوا لا يصلون فيه، لكنه مكان ممارسة تعاليمهم الخاصة، المؤسس الإيطالي استمد فكرته الرئيسية من الديانة الفرعونية المصرية القديمة، لذا أطلق علي مجتمعه الجديد «اتحاد دمنهور». 

فالكو تاراساكو.. أمسى سمسار تأمين وأصبح زعيمًا روحيًّا

في بلدة بالانجيرو في مقاطعة تورينو بإيطاليا؛ ولد أوبرتو إيرودي عام 1950، ووفقًا لكتابه «Stories of an Alchemist» والذي نُشر عام 2011، أظهر إيرودي مبكرًا قدرات غير عادية؛ روى في كتابه إنه كان يزيل آلام رفاقه حين يتعرضون للأذى، وكان يضفي على ألعابهم رؤى وأحداثًا غير عادية، مما أرعب بعض أصدقائه وأحيانًا والديه، وكان شغوفًا في طفولته بالفضاء وقوانين العالم الطبيعي والخارق كذلك.

فالكو تاراساكو. المصدر: Damanhur

كان إيرودي كاتبًا وفنانًا، نشر كتابين قبل أن يتم 20 عامًا، وفي عام 1969 تقدم بطلب إلى الحكومة للاعتراف به باعتباره شخصًا بالغًا، واستجاب لطلبه وكان عمره 19 عامًا بينما السن القانوني 21 عامًا، وفي نفس العام تزوج وأنجب ثلاثة أطفال، أما عن عمله فكان يعمل وكيلًا للتأمين، وافتتح وكالة تأمين وكان أصغر وسيط تأمين في جميع أنحاء إيطاليا، لكنه رغم ذلك ترك مهنته وكرس نفسه بالكامل لدراسة الطاقة والظواهر الخارقة. 

عُرف إيرودي بكونه معالجًا روحيًا حين كان عمره 25 سنة، وعُرف أيضًا بأنه أخصائي تخاطر عقلي، وأسس مركز «حورس» في تورينو، نسبة إلى الإله المصري الفرعوني حورس، وبعد العديد من الجولات في جميع أنحاء إيطاليا، شعر إيرودي بأن مهمته إنشاء مجتمع روحي يقوم على البحث والعمل، وصنع توازن بين البشر والقوى الطبيعية والقوى الإلهية، وهي المهمة التي نجح فيها بعد ذلك وعلى إثرها صار اسمه فالكو تاراساكو.

دمنهور.. التأسيس سرًا في جبال الألب

في سفوح جبال الألب شمال مدينة بييمونتي الإيطالية، وفي منطقة مساحتها 15 كيلومترًا، بدأ فالكو تاراساكو تأسيس مجتمعه سرًا، وفي عام 1975 ظهر مجتمع دمنهور، وكان عدد أعضائه لا يتجاوز 25 فردًا، وقائم على القيم الأخلاقية والروحية وعلى أسس التضامن والمشاركة والحب واحترام البيئة، واختار فالكو اسم دمنهور على اسم مدينة دمنهور المصرية، وذلك لأن دمنهور كانت تُعرف في اللغة المصرية القديمة باسم مدينة الإله حورس، وكانت إحدى مراكز عبادته.

انخرط فالكو منذ تأسيس «اتحاد دمنهور» في وضع هيكل للمجتمع، وابتداء من أوائل التسعينيات كرس فالكو نفسه للبحث في مجال الفيزياء الروحية، وترك صنع القرار للمشورة بين أعضاء الاتحاد، بينما احتفظ بكونه المرشد الروحي طوال حياته وحتى موته عام 2013.

وصل عدد أعضاء «اتحاد دمنهور» اليوم إلى 600 شخص حول العالم، ورغم هذا العدد الصغير إلا أن الاتحاد تحول إلى مجتمع بيئي مستدام حائز على جائزة الأمم المتحدة، ويعرف الاتحاد نفسه على موقعه الإلكتروني الرسمي بأنه: «اتحاد للمجتمعات الروحية.. أعضاؤها منفتحون لتبادل معارفهم وأبحاثهم مع جماعات وثقافات أخرى في العالم»، وتأكيدًا على انفتاحهم يعقد أعضاء اتحاد دمنهور فعاليات في العديد من المراكز والمنظمات في العديد من المدن حول العالم.

تتحدث وتجري العمليات الجراحية.. تعرف إلى جمعيات «تحضير الأرواح» في الغرب

العجيبة الثامنة في العالم

حين كان فالكو تاراساكو في العاشرة من عمره، رأى رؤيا لمعابد قديمة مذهلة، ومجتمعًا متطوّرًا يتمتع بحياة شاعرية يعمل فيه جميع الناس من أجل الصالح العام، فالكو الذي آمن بأنه يتمتع بقدرة خارقة تمكنه من القدرة على السفر بالزمن داخل عقله، احتفظ بوصف محتويات المبنى، وكان هدفه الذي سعى له هو إعادة بناء تلك المعابد، وحين أسس «اتحاد دمنهور»، شرع في حلمه، فكان معبدًا للبشرية.

عام 1978 كان فالكو، و10 من أعضاء الاتحاد، وباستخدام مطرقة وإزميل ومجرفة، بدأوا حفر «معبد البشرية»، في نوبات لمدة أربع ساعات في كل مرة، أسفل المنزل الخاص به، وبعيدًا عن الحكومة الإيطالية وبحلول عام 1991، كانت العديد من غرف المعبد تكاد تكون كاملة مع جداريات فنية، وفسيفساء، وتماثيل، وأبواب سرية ونوافذ ملونة، وفي عام 1992 داهمت الشرطة الإيطالية والمدعي العام المعبد.

Embed from Getty Images

معبد البشرية

تعجب رجال الشرطة من وجود مثل هذا المعبد الذي يبدو أنه إرث حضاري قديم، وتعجبوا من براعة الدمنهوريين في تشييد مثل هذا الصرح تحت الأرض، أما الحكومة الإيطالية والتي تلت الشرطة في مشاهدة المعبد فأطلقت عليه «أعجوبة العالم الثامنة»، وتركوا فالكو والدمنهوريين في إكمال أعمالهم الفنية، وأمروهم فقط بالتوقف عن البناء حتى أخذ التصاريح، تنفس الدمنهوريين الصعداء وأكملوا رسم الجداريات.

المعبد يتكون من ثماني قاعات، ويميل الدمنهوريون إلى تسميته «معابد البشرية»، لأنهم يرون أن كل قاعة تمثل معبدًا في حد ذاتها، وصمم مثل كتاب ثلاثي الأبعاد، يروي تاريخ البشرية، ويرتبط بمئات الأمتار من الأنفاق المزخرفة الفنية وتبلغ مساحتها الإجمالية 15 ألف متر مكعب، ويصفه الدمنهوريون بأنه «مثال مذهل على الفن المقدس والعلماني يجتمعان لإحياء صدى القيم المهمة للبشرية جمعاء، ويلهم الآلاف من الزوار كل عام». 

الفيزياء والسحر يجتمعان في «مدرسة التأمل»

فكرة «اتحاد دمنهور» تتلخص في الرغبة في خلق واقع روحي، ليخلق معنى لكل جانب من جوانب الحياة اليومية، لذا يرتكز منهجهم على أربعة أركان رئيسية، اثنين من الركائز وهي «مدرسة التأمل»؛ والتي تشمل الرؤية الروحية، و«اتحاد المجتمعات»؛ والتي تطبق المنهج من خلال الممارسة العملية، أما الركنان المتبقيان فهما «لعبة الحياة»؛ وهي تهدف إلى إدماج الأعضاء مع بعضهم البعض، و«تيكنركتو»؛ وهي عبارة عن مجموعة من التقنيات والأدوات التي تفضل وتشجع التجديد الفردي.

يرى الدمنهوريون أن تفاعل هذه الركائز الأربع يخلق طريقة ديناميكية للحياة، ويوفر تجارب روحية جديدة، وعلى مدار العقود الأربعة الماضية، نظم الدمنهوريون الأبحاث الروحية التي أجريت في دمنهور؛ ووضعوها في جامعة خاصة بهم، وجعلت تعاليم فالكو تاراساكو، ومنهج دمنهور؛ متاحًا للعالم من خلال المدارس، والدورات، والمحاضرات العامة.

يحظر الدمنهوريون التدخين، وتعاطي أي نوع من المخدرات، وهذا هو الشيء المحظور الوحيد لديهم، ويجب على الأعضاء والضيوف الالتزام بهذا، والسبب هو اعتقادهم أن التنوير يتحقق من خلال الوعي اليومي والالتزام والاستمرارية على المسار المختار، وهذا يعزز التحول الداخلي للإنسان دون الاعتماد على عناصر خارج نفسه.

لدى الدمنهوريين رؤية روحية خاصة بهم، يرون أن الحياة رحلة نحو الوعي الذاتي، لذا لديهم ما يسمى بـ«الروحانية الدنيوية»، وهي فلسفة عملية للحياة، تعطي الروحانية فيها معنى، وانطلاقًا من هذا فإن «اتحاد دمنهور» ليست عبادة، ولا ديانة، لأنها وفقًا لرؤيتهم «لا تقدم الحقيقة التي يجب أن تتبعها»، وبدلاً من ذلك، تدعو دمنهور أعضاءها إلى البحث عن إجابات لأسئلة الحياة الأساسية داخل أنفسهم، ومن خلال التبادل والمناقشة مع الآخرين.

الفيزياء الروحية، ويعرفها «اتحاد دمنهور» بأنها القوانين التي تنظم الحياة السرية في الكون، هي جزء من تعاليم فالكو وفلسفته، يرون أن الفيزياء الروحية تأتي من قوانين العلوم الموازية التي تفسر الطاقات الروحية التي تسود الكون، ويؤمنون أيضًا أن الطريق الروحي الذي نسلكه خارج أنفسنا هو الطريق الذي يؤدي إلى اكتشافات جديدة في أنفسنا أيضًا، وانطلاقًا من هذا يرون أن الفيزياء روحية تكمل وتحقق أهداف مدرسة التأمل الخاصة بهم.

«المعني الحقيقي للسحر هو الاستفادة من قوتك الخاصة» هذا ما يعرفون به الدمنهوريين «السحر»، ومع ذلك يرون أن هناك كائنات أخرى؛ تتراوح من عالم الأرواح الطبيعة إلى عالم الألوهيات المرتبطة بشعوب وثقافات العالم المختلفة، مكونة النظام البيئي الروحي، ويؤكدون أن البشر دائمًا على صلة بهذه القوى، لذا يرون أنه يجب الحصول على علاقة متناغمة مع هذا النظام، لذا وضعوا طقوسًا وطرقًا وتقنيات خاصة بهم، تسمح لهم بالتواصل مع الأبعاد الأخرى، على حد زعمهم.

مجتمع وفن وأشياء أخرى

يسعى «اتحاد دمنهور» في خلق مجتمع خاص به، ووضع الاستدامة طريقًا لبناء مجتمعه الصغير، والاستدامة في دمنهور تعني الانخراط في الخطوط الأمامية لحماية البيئة، والتنمية الاقتصادية، والمسؤولية الاجتماعية، وترجموا كل ذلك إلى أفعال عملية يومية؛ من الطاقة المتجددة وحتى الزراعة العضوية، ووصولًا إلى تعليم الأطفال رعاية البيئة في المدارس الخاصة بهم.

«البوبولو» هو المكان الذي تتلاقى فيه المواهب الفردية والرؤية الجماعية وتؤدي إلى الأعمال الفنية، هذه رؤية الدمنهوريين في الفن، لذا فكل دمنهوري يصنع طريقته الخاصة ليصبح فنانًا، سواء عبر التلوين، أو نحت، وربما الغناء والكتابة، يقولون: «التأثير الكلي هو سرد قصة تاريخنا المشترك بكل معانيها».

ليس في دول العالم الثالث فقط.. السحر والشعوذة في بلاد العلم والتنوير

المصادر

تحميل المزيد