شهد الجنوب اللبناني ثلاثة أيّام من القصف المتبادل بين «حزب الله» وجيش الاحتلال الإسرائيلي، في اشتباكات تعد الأولى من نوعها منذ 2019، فيما اعتبر مراقبون القصف الجويّ الإسرائيلي على الجنوب اللبناني هو الأوسع منذ حرب سنة 2006. في الأسطر القادمة نحاول الإجابة عن أربعة أسئلة تشرح لك ماذا يجري بين «حزب الله» وإسرائيل. 

1- صواريخ وغارات جوية.. ما الذي حدث بالضبط في الجنوب اللبناني؟

فجر الخميس الماضي الخامس من أغسطس (آب) 2021، أغارت طائرات إسرائيلية على مساحات مفتوحة غير مأهولة قرب بلدة المحمودية في الجنوب اللبناني، الأمر الذي اعتبره «حزب الله» خرقًا لقواعد الاشتباك منذ 2006، يأتي ذلك في الوقت الذي تقول فيه إسرائيل إنها شنّت هذا الهجوم الصاروخي، بعد أن جرى إطلاق ثلاثة صواريخ من جنوب لبنان في اتجاهها، قبل يوم الأربعاء. هذه الصواريخ التي اتُّهمت جماعات فلسطينية بإطلاقها، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الصواريخ الثلاثة. 

Embed from Getty Images

اندلاع حرائق جرّاء قصف المدفعية الإسرائيلية على جنوب لبنان 

وردًّا على الهجوم الإسرائيلي، أعلن «حزب الله» في بيان له عن إطلاق عشرات الصواريخ من عيار 122 مم، تجاه مزارع شبعا المحتلّة، بحسب بيان رسمي للحزب، أصدره أمس الجمعة. 

على جانب آخر، ذكر جيش الاحتلال الإسرائيلي أن مجموع الصواريخ التي أطلقت من الجنوب اللبناني بلغت 19 صاروخًا، وأن ثلاثة من تلك الصواريخ سقطت في داخل لبنان، بينما جرى اعتراض 10 أخرى، وسقطت الصواريخ الباقية في مناطق مفتوحة غير مأهولة في مزارع شبعا المحتلّة.

وقد ردّت إسرائيل -بحسب مصادرها الإعلامية- على صواريخ «حزب الله» بحوالي 100 طلقة مدفعية، أدّت إلى اندلاع عدد من الحرائق. وكانت قوّات الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني قد حذّرت من أن «الوضع خطير جدًا» ودعت جميع الأطراف إلى وقف فوري لإطلاق النار. بينما وجّه السفير الإسرائيل لدى واشنطن شكوى رسمية لمجلس الأمن ضد لبنان قال فيها: «إن هجمات «حزب الله» من شأنها أن تؤدي لدمار هائل على لبنان».

وفي السياق نفسه، انتشر مقطع فيديو، يُظهر مجموعة من أهالي بلدة شويا ذات الأغلبية الدرزية، وهم يعترضون يوم أمس الجمعة السادس من أغسطس أعضاء من «حزب الله» برفقة آليّة تحمل راجمات إطلاق صواريخ تابعة للحزب، كانت قد استعملت في الاشتباك الأخير، الأمر الذي أثار جدلًا حول اعتراض السكّان على العمليات العسكرية للحزب! لكن الحزب نشر بيانًا أوضح فيه أنه قام باستهداف محيط مواقع إسرائيلية في مزارع شبعا بعيدًا عن المناطق السكنية، حفاظًا على أمن المواطنين حسب قوله.

وتأتي هذه الاشتباكات التي لم تُسفر عن سقوط قتلى من الطرفين، بعد أسبوع من هجوم على ناقلة نفط إسرائيلية قبالة خليج عمان بطائرة مسيّرة عن بُعد، ما أدّى إلى مقتل عاملين كانا على متن الناقلة من جنسيتين بريطانية ورومانية؛ فيما اتّهمت إسرائيل الإيرانيين بالوقوف خلف هذه العملية العسكرية، لكن طهران نفت تورّطها في الحادثة. 

2- لماذا هذا التطور؟ وما الذي يحدث في الكواليس الخلفية؟

يأتي التصعيد الأخير بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني المدعوم من إيران في سياق إقليمي دقيق، وذلك بعد تنصيب الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي المقرّب من المرشد آية الله علي خامنئي والمحسوب على الجناح المتشدّد داخل النظام الإيراني، والذي يعتبره البعض ذا نزعة معادية للغرب.

جدير بالذكر أن رئيسي من بين المسؤولين الإيرانيين الخاضعين للعقوبات الغربية، الأمر الذي قد يقلل فرص الوصول إلى اتفاق نووي -بحسب مراقبين- برغم تعهّده ببذل كل الجهود اللازمة لإنهاء العقوبات الغربية على إيران في خطاب تنصيبه؛ إذ تعوّل إيران على توجه الإدارة الأمريكية الجديدة، نحو إستراتيجية تخفّف من التورّط في الشرق الأوسط من أجل التركيز على الصراع مع الصين.

Embed from Getty Images

الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي

وبسبب خلافات حول تفاصيل الاتفاق الجديد؛ جرى تعليق المفاوضات التي عُرفت بمحادثات فيينا، والتي انطلقت بعد وصول الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن إلى البيت الأبيض بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية -بالإضافة إلى أوروبا وروسيا والصين- حول الملف النووي الإيراني، إذ تتهم الولايات المتحدة إيران بعدم السماح لمراقبي وكالة الطاقة الذرية بالتحرّك بحرية، كما تطالب إيران برفع جميع العقوبات الأمريكية، بينما تتمسّك الولايات المتحدة بعقوبات ترى أنها غير مرتبطة بالملف النووي، لكن بقضايا مثل حقوق الإنسان ودعم «الإرهاب». 

إلا أن نافذة المفاوضات التي تقول الولايات المتحدة إنّها «لن تبقى مفتوحة إلى الأبد» قد تتأثّر بحادثة الهجوم على ناقلة النفط الإسرائيلية التي جرى استهدافها الأسبوع الماضي، فقد استغلت إسرائيل حادثة الهجوم على ناقلة النفط قبالة خليج عمان لزيادة الضغط على إيران في مجلس الأمن الدولي، إذ تقدّمت بشكوى رسمية باسمها -بالإضافة إلى بريطانيا ورومانيا- ضد إيران.

ويرى محلّلون أن الاشتباكات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله -القريب من إيران- تأتي في سياق الصراع بين إيران وإسرائيل المتصاعد في العديد من ساحات الاشتباك؛ وأن إسرائيل من خلال قصفها الجويّ فجر الخميس تكون قد خرقت قواعد الاشتباك المرسّخة منذ حرب 2006.

وعليه احتفى المحلّلون القريبون من الحزب بتصريح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بقوله «إن إسرائيل غير معنية بالتصعيد» واعتبروه انتصارًا ضمنيًا بعد هذه الاشتباكات الأخيرة، ورأوا أن الإسرائيليين حاولوا استغلال الوضع الداخلي اللبناني من أجل استباحة لبنان وتغيير قواعد الاشتباك المتفق عليها ضمنيًا منذ 2006، وأن لبنان كان سيشهد اعتداءات أكثر فداحة لولا ردّ الحزب.

إلا أن وضعية «حزب الله» ومدى استعداده لخوض الحرب لا يمكن عزلها عن الحالة اللبنانية التي تشهد أزمة داخلية عميقة؛ خصوصًا بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي شديد التدهور الذي تعرفه البلاد.

لكن ما هي دوافع الجانب الإسرائيلي لشنّ هذه الهجمات من خلال تصعيدها العسكري الأخير ضد الحزب في الجنوب اللبناني؟

يمكن القول بأن إسرائيل تنطلق من مبدأ أن الجنوب اللبناني يسيطر عليه الحزب، وبالتالي فإن أي هجوم صاروخي ينطلق من الجنوب اللبناني فإن «حزب الله» مسؤول عنه بشكل مباشر أو غير مباشر.

فبالرغم من أن الحزب لم يعلن مسؤوليته عن الصواريخ الثلاثة التي أُطلقت على إسرائيل يوم الأربعاء الماضي (الرابع من أغسطس)؛ ومن المرجح أن مجموعات فلسطينية هي المسؤولة عن إطلاقها، إلا أن المحللين الإسرائيلين يرون أنّه «من المستحيل أن ترمش عين أحدهم» في الجنوب اللبناني دون معرفة «حزب الله»؛ وبالتالي فإن المسؤولية تقع على عاتق الحزب فيما يخصّ أي هجوم ينطلق من الجنوب اللبناني ضد إسرائيل.

3- طبول حرب أم مناوشات عارضة؟ القدرات العسكرية قد تخبرك

ذكر تحليل إسرائيلي لقدرات «حزب الله» العسكرية وتصاعدها منذ حرب 2006، أنها قد تطوّرت بصورة كبيرة. إذ يملك الحزب في ترسانته حوالي 120 ألف صاروخ قصير المدى يصل إلى حوالي 45 كم، وبالتالي يستطيع الوصول إلى شمال إسرائيل بسهولة، بالإضافة إلى آلاف الصواريخ متوسّطة المدى التي تصل إلى عمق 90 كم، علاوة على صواريخ بعيدة المدى وصلت للحزب من مخازن الجيش السوري، ناهيك عن قدرات «حزب الله» فيما يتعلّق بالأنفاق التي يستطيع من خلالها الحزب نقل المعركة إلى الداخل الإسرائيلي. 

Embed from Getty Images

عنصر مسلّح من «حزب الله»

في الجهة المقابلة، يمكن القول بأن القدرات العسكرية المتصاعدة للحزب، تصطدم بالظروف الداخلية المتدهورة التي يعيشها لبنان، والذي تجعل من فكرة الحرب كارثيةً بالنسبة للجبهة الاجتماعية التي تغلي بسبب الاقتصاد المُنهار والارتفاع الشديد في نسبة البطالة والفقر، بالإضافة إلى حالة الفراغ السياسي وتعطّل تشكيل الحكومة.

ناهيك عن الاحتجاجات التي تشتعل في كل حين، ولعل إقدام مجموعة من أهالي شويا على اعتراض مجموعة من أعضاء «حزب الله» وإيقاف عتاد عسكري لهم؛ مؤشّر على رفض شعبي لأي عمل عسكري قد تكون له عواقب وخيمة على الجبهة الشعبية الداخلية. 

أما إسرائيل ورغم التفوّق العسكري الاستثنائي الذي تمتلكه مقابل الحزب، وتكنولوجيا القبة الحديدية القادرة على اعتراض صواريخ الحزب، فإن الخطاب الرسمي لمتحدّثها العسكري جاء مستبعِدًا لسيناريو الحرب الشاملة، حتى أن الأصوات القريبة من «حزب الله» احتفت بهذا التصريح، واعتبروه انتصارًا ضمنيًا وفرضًا لـ«توازن الرعب» بين الطرفين. 

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التصعيد من جانب «حزب الله» يأتي في سياق دقيق أيضًا، إذ شنت إسرائيل قبل شهرين عدوانًا عسكريًّا على قطاع غزّة استمرّ 11 يومًا، قوبل بقصف صاروخي من حركات المقاومة الفلسطينية، لتعلن بعدها إسرائيل وقف الحرب «من دون شروط»، وهو ما اعتبرته حركة حماس انتصارًا صريحًا.

وبالتالي فإن سيناريو خوض إسرائيل حربًا جديدة بعد مرور شهرين فقط على تهدئة الجبهة مع غزّة قد لا يكون مفضّلًا بالنسبة للإسرائيليين، خصوصًا في ظلّ الانتقادات الكبيرة التي تلقّتها إسرائيل من طرف العديد من المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية بسبب استهدافها المدنيين في الحرب الأخيرة على غزة. 

4- وأخيرًا.. ما الذي قد يحدث؟

وعن مستقبل هذه الاشتباكات بين الطرفين؛ فترى الأصوات القريبة من «حزب الله» أنه من المستبعد أن يتطوّر هذا الصراع إلى حرب مفتوحة بين الطرفين، خصوصًا بعد تصريح المتحدث العسكري الإسرائيلي عن استبعاد سيناريو التصعيد، بالإضافة إلى اتجاه إسرائيل إلى القنوات الدبلوماسية من خلال تقديم شكوى لمجلس الأمن ضد لبنان.

من جهة أخرى يرى هؤلاء المراقبون القريبون من «حزب الله» أن أي رغبة إسرائيلية في تصعيد الاشتباك إلى حرب مفتوحة تصطدم بعدم رغبة الولايات المتحدة في التورّط بشكل أكبر في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن صواريخ «حزب الله»، ليس الهدف منها إطلاق حرب مفتوحة مع إسرائيل، بل إبقاء قواعد الاشتباك التي بقيت صامدة منذ 2006 وإرسال رسالة لإسرائيل تتضمن عدم قبول الحزب لأي قصف جويّ داخل الأراضي اللبنانية، ورفضه محاولة استغلال حالة الانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه لبنان، من أجل فرض واقع عسكري جديد على «حزب الله».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
«هآرتس»: إيران وحزب الله مهمته الأولى.. من هو رئيس الموساد الجديد ديفيد برنيع؟

المصادر

تحميل المزيد