شهدت كازاخستان على مدار الأسبوع الماضي احتجاجات عنيفة أدّت إلى سقوط العديد من القتلى من جانب الشرطة والمحتجيّن، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لإسقاط المحتجّين تمثال الرئيس السابق للبلاد نزار باييف، بالإضافة إلى مقاطع أخرى تُظهر إطلاقًا كثيفًا للرصاص أثناء الاحتجاجات.

وتملك كازاخستان أهميّة جيو-إستراتيجية بالغة الأهمية، كونها أحد أهم حلفاء روسيا من الجمهوريات السوفيتية السابقة؛ وهو ما دفع محلّلين روس إلى اتهام الولايات المتحدة والغرب بإحداث القلاقل من أجل استهداف روسيا، خصوصًا عشيّة المحادثات المزمع عقدها بين روسيا والولايات المتحدة في العاشر من يناير (كانون الثاني) 2022، ناهيك عن الحشد العسكري الذي تُجريه روسيا على الحدود مع أوكرانيا، فما الذي يحدث في كازاخستان؟ وما موقع الدولة الغنيّة بالنفط والغاز من المنافسة الإستراتيجية بين الغرب وروسيا؟ وما موقف كل من الصين والغرب من الأحداث الأخيرة في البلاد؟

1-ما الذي يحدث في كازاخستان؟ 

في الثاني من يناير 2022 اندلعت مظاهرات في مدينة «جاناوزن» غرب كزاخستان، احتجاجًا على رفع أسعار الغاز المسال الذي تعتمد عليه البلاد وقودًا رئيسًا؛ وسرعان ما انتقلت شرارة الاحتجاجات إلى العديد من المناطق، وانزلقت الأوضاع إلى العنف؛ إذ جرى اقتحام مبانٍ حكومية، وإحراق أجزاء من القصر الرئاسي، وسُمع دوي انفجارات، كما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات تظهر إطلاقًا كثيفًا للرصاص؛ ممّا حوّل مدينة «آلماتي» إلى ما يشبه ساحة حرب.

آثار الاحتجاجات التي شهدتها مدينة «آلماتي» – المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

وقالت وزارة الداخلية الكازخستانية إن الشرطة قتلت العشرات الذين وصفتهم بـ«مثيري الشغب» من أجل إعادة الاستقرار إلى مدينة «آلماتي» التي تشهد أعنف الاحتجاجات في البلاد، وأضافت أن المحتجين حاولوا اقتحام مراكز الشرطة، لافتة إلى أنّ 18 شرطيًا قُتلوا خلال الأحداث الأخيرة، وأصيب 748 عنصر أمن آخرين، ولم يُعرف بالتحديد عدد الضحايا من المحتجّين، واعترفت الشرطة بأنّها «حيّدت» حوالي 12 شخصًا ممن تسميّهم بـ«مثيري الشغب»، كما جرى اعتقال حوالي 2300 متظاهر.

ومن جهته أعلن الرئيس توكاييف تعهّده بمعالجة أزمة ارتفاع الوقود كما قدّمت الحكومة استقالتها، وأعلنت حالة الطوارئ في المدن التي شهدت أحداث العنف، فيما شدد الرئيس على التعامل الحازم مع المحتجّين، ودعا الشرطة إلى إطلاق الرصاص على المحتجّين «دون تحذير».

وتعدّ هذه الاحتجاجات التي تشهدها كازخستان، الدولة السوفيتية السابقة، وأحد أهم حلفاء موسكو حاليًا، هي الأولى من نوعها من حيث انتشارها وشدّتها؛ إذ طالما اعتُبرت كازخستان أحد الأمثلة على الدول التسلّطية التي تشهد استقرارًا ملموسًا، وغيابًا لمظاهر الاحتجاج أو الثورة؛ وهو ما طرح العديد من التكهّنات حول حقيقة هذه الاحتجاجات، والدوافع العميقة التي أدّت إليها، خاصة أن لدى الحكومة تاريخًا طويلًا من قمع الاحتجاجات، والإضرابات، واستخدام العنف المفرط ضد كل مظاهر المعارضة.

قام المتظاهرون بهدم تمثال الرئيس السابق نزار باياف – مصدر الصورة: تويتر

ففي سنة 2011 شهدت مدينة جاناوزن، نفس المدينة التي اندلعت منها الاحتجاجات الأخيرة، إضرابًا من طرف عمّال شركة نفطية محليّة من أجل رفع الأجور، وردت إدارة الشركة بطرد ألف عامل، فقرّر العمّال المطرودون احتلال ساحة المدينة في نفس اليوم الذي كان يشهد احتفالات رسمية بالذكرى العشرين لاستقلال البلاد، لتندلع أحداث عنف التي بدأت بإطلاق السلطات النار على المحتجين ليسقط 12 ضحيّة، حسب بعض التقديرات، ويتحوّل «عيد الاستقلال» إلى أحد أكثر الأيّام دموية في تاريخ البلاد المستقلة حديثًا.

وتعد كازخستان أحد أكبر حلفاء موسكو حاليًا باعتبارها جمهورية سوفيتية سابقة، فضلًا عن أنّها تعتمد على روسيا من أجل معالجة أزمة نقص الكهرباء، ففي السنة الماضية ساعدت روسيا حليفتها القويّة بإمدادات الكهرباء من أجل تجنّب الانقطاعات التي عرفتها البلاد في السابق.

وتملك كازخستان أهميّة اقتصادية كبيرة؛ إذ تصدّر سنويًا ما قيمته حوالي 40 مليار دولار من الغاز والنفط، وأهم مستورديها الصين وروسيا، بالإضافة إلى إيطاليا، وهولندا، وفرنسا؛ ويتخّوف بعض المحلّلين من أن تصل شرارة الاحتجاجات إلى حقول النفط؛ مما قد يؤثّر في إمدادات النفط للعديد من الدول الصناعية بآسيا وأوروبا، فضلًا عن أنّ خط الغاز الذي ينطلق من أوزباكستان الذي يصل إلى الصين يمرّ من أراضي كازخستان الجنوبية.

 

ويحكم كازخستان منذ استقلالها نظام سلطوي مغلق؛ إلا أنه كان يُنظر إليه باعتباره فعّالًا وناجحًا إلى حدّ ما بفضل الثروات الهائلة التي تمتلكها البلاد من النفط والغاز؛ إذ بلغ الدخل الفردي لسنة 2020 حوالي 9 آلاف دولار.

وترّأس نور سلطان نزارباييف البلاد لمدة ثلاثة عقود منذ استقلالها في سنة 1991 حتى انسحابه «الشكلي» سنة 2019؛ ليخلفه الرئيس الحالي قاسم جومارت توكاييف، ويرى كثير من المحلّلين أن نزار باييف لم يزل الرجل الأقوى في النظام رغم أن عمره 82 سنة.

فرغم انسحاب نزار باييف من رئاسة الدولة، فإنّه حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 كان يحتفظ بمنصب رئيس المجلس الأعلى للأمن ورئاسة الحزب الحاكم قبل أن يزيحه عن السلطة تدريجيًا الرئيس توكاييف.

ويحتفظ نور سلطان برمزية طاغية في منظومة الحكم باعتباره «أبا الأمة» كما يلقّب، وكان قد أنشأ عاصمة جديدة للدولة في سنة 1998 حملت اسم «نور سلطان» تيمّنًا بنفسه؛ إلا أن المتظاهرين في الاحتجاجات الأخيرة قد حطّموا تمثالًا له تعبيرًا عن رفضهم للنظام القائم من جذوره.

2-كيف تنظر روسيا إلى انتفاضةٍ في «حديقتها الخلفية»؟

دخلت موسكو «حالة طوارئ» بسبب اندلاع الاحتجاجات المفاجئة في كازخستان؛ إذ اتّهمت أطرافًا خارجية بالتأثير على كازاخستان من أجل زعزعة استقرارها، وذلك باستخدام «تشكيلات مسلحة، مدربة، ومنظمة» حسب بيان لوزارة الخارجية الروسية.

وفي خطوة تصعيدية أرسلت روسيا أمس الخميس السادس من يناير 2022 قوّات من أجل مساعدة النظام في كازاخستان على استعادة السيطرة على الأوضاع قدّرت بـ2500 عنصر؛ إذ إن كازاخستان عضو في منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» (منظمة خلفت «حلف وارسو» الذي يضمّ روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة)، وهو ما يخوّل لروسيا تقديم دعم أمني للنظام.

Embed from Getty Images

الرئيس الكازاخستاني توكاياف

وتنظر موسكو بقلق شديد إلى الاحتجاجات التي تشهدها حليفتها المقرّبة، خصوصًا أنّها أكبر الجمهوريات السوفيتية من حيث المساحة، وهي أغنى دول آسيا الوسطى بالنفط والغاز، كما أنّها ثاني أقرب دولة إلى الكرملين بعد بيلاروسيا، التي شهدت هي الأخرى السنة الأخرى احتجاجات حاشدة عقب نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز بها رجل موسكو في بيلاروسيا، ألكسندر لوكاشينكو، والذي وصل إلى السلطة منذ 1991 تمامًا مثل نزار بايف.

وطعنت المعارضة في نتائج الانتخابات حينها، واعتبرتها غير شرعية؛ مما أشعل موجة قوية من الاحتجاجات التي شاركت فيها أعداد هائلة من الشعب؛ وبالتالي فإن الجمهوريات السوفيتية السابقة القريبة من روسيا بدأت تشهد تصدّعات في نظام الحكم خلال السنوات القليلة الماضية، بعد عقود من القبضة السلطوية.

ويرى محلّلون من بينهم الكاتب الأوكراني في صحيفة «دويتشه فيله» الألمانية آندريه جوركوف، أن الاحتجاجات في كازاخستان سيكون لها انعكاسات جادة من ناحية الجغرافيا السياسية لدى روسيا، خصوصًا في ظلّ التصعيد الروسي العسكري على الحدود مع أوكرانيا في الأسابيع الأخيرة.

وأضاف جوركوف أن ما حدث دفع البعض للقول إن احتمالية الاجتياح الروسي لأوكرانيا أضحى ضعيف الاحتمال؛ وذلك لأن روسيا ستضطرّ إلى التركيز بصورة أكبر على الوضع في كازاخستان وإعادة الهدوء إليها باعتبارها أكبر حلفائها في آسيا، كما أن احتلال روسيا لأوكرانيا قد يؤدي إلى نشوب احتجاجات مماثلة في الداخل الروسي، بسبب العقوبات الاقتصادية التي سيفرضها الغرب على روسيا؛ مما قد يشعل احتجاجات داخلية.

لكن من منظور روسي لا يمكن الفصل بين ما يحدث في كازاخستان وأوكرانيا، خصوصًا من ناحية التوقيت الذي تأتي فيه هذه الأحداث، في ظلّ التصعيد الروسي أمام الحدود مع أوكرانيا، ويحمل تصريح وزارة الخارجية الروسية عن «التشكيلات المدرّبة والمسلّحة والمنظمة» اتهامًا ضمنيًا للغرب في التسبّب في الاحتجاجات الأخيرة أو دعمها على الأقل، لإشغال روسيا والضغط عليها لاستبعاد احتلال أوكرانيا.

Embed from Getty Images

الرئيس الروسي بوتين رفقة الرئيس الكازاخستاني توكاييف

ويرى بعض المحلّلين الروس أن الولايات المتحدة هي من تقف خلف هذه الاحتجاجات، خصوصًا أنّها تأتي عشية المحادثات الأمريكية الروسية المزمع عقدها الأحد المقبل العاشر من يناير؛ ويربطون بين الاحتجاجات في كازاخستان وتاريخ الولايات المتحدة في محاولة جرّ روسيا إلى مشاكل حدودية في الجمهوريات السوفيتية السابق.

وقد اتهم أستاذ العلوم السياسية الروسي يفغيني ساتانوفسكي الغربَ بإطلاق «ثورة ملوّنة» في الساحة الخلفية لروسيا من أجل زعزعة استقرارها والضغط عليها في المحادثات القادمة مع الولايات المتحدة بخصوص أوكرانيا.

إذ يتخوّف الروس من أن تتحوّل هذه الاحتجاجات إلى مواجهات مسلحة واسعة قد تؤدي إلى نزوح جماعي إلى روسيا التي تمتلك حدودًا طويلة مع كازاخستان تبلغ 7500 كم، ناهيك على أن هناك ملايين المواطنين من أصول روسية يعيشون في كازاخستان، وقد يكونون ضحايا لهذه المواجهات، خصوصًا أنّ المحتجيّن يوصفون بأنّهم من «القوميين المتطرّفين» حسب تعبير موسكو التي قالت إنّ من بين المحتجّين «مسلحين قاتلوا بالشرقين الأوسط، والأدنى، وأفغانستان»، حسب بيان لمجلس الاتحاد الروسي.

ورغم الخط السياسي للنظام الحليف لروسيا، فإن كازاخستان تملك تيّارًا قوميًا قويًا مستندًا إلى العرقية الكازاخية التي تمثّل الأغلبية، وقد شهدت البلاد في تاريخها مظاهرة قويّة خلال العهد السوفيتي احتجاجًا على تنصيب شخصية من العرق الروسي على رأس الحزب الشيوعي في كازاخستان؛ وهو ما أدى إلى إطلاق إصلاحات البيريسترويكا من طرف الرئيس جورباتوشف.

3-ما موقف الصين مما يجري في كازاخستان؟

في رسالة إلى الرئيس الكازاخستاني، امتدح الرئيس الصيني شي جين بينج طريقة تعامل الحكومة مع الاحتجاجات، وأعلن دعمه للحكومة الكازاخستانية في مواجهة الاحتجاجات التي تعرفها بلاده: «لقد اتخذت إجراءات قوية في وقت دقيق، واستطعت تهدئة الأوضاع، مُظهرًا حسّ المسؤولية الواجب من أجل بلدك وشعبك».

إذ تراقب الصين هي الأخرى الوضع في كازاخستان باهتمام شديد، ولا تستطيع تحمّل تكلفة أيّة اضطرابات واسعة النطاق في أكبر دولة في وسط آسيا، حيث تدور «لعبة كبرى» بينها وبين روسيا، وسباق على النفوذ والمصالح في منطقة تمتلك احتياطيات غازية هامّة، بالإضافة إلى أهميّتها الجيو-إستراتيجية، باعتبار أن كازاخستان هي أقصر طريق برّي بين الصين وأوروبا، وقد تكون محور صراع مع الولايات المتحدة في حال قرّرت واشنطن فرض حصار بحري على الصين.

ورفضت الصين التعليق على إرسال روسيا لقوّات إلى كازاخستان، واكتفى المتحدث باسم الخارجية الصينية بالقول أن بلاده تعتبر ما يحث في كازاخستان «شأنًا داخليًا» وأن السلطات هناك ستتمكن من تسوية الوضع بطريقة صحيحة، كما أنّ الشركات الصينية العاملة في كازاخستان قد أكّدت أنّها لا تتأثر من الأحداث التي تشهدها البلاد.

4-كيف كان ردّ الغرب على الاحتجاجات؟ 

أعلنت العديد من البلدان الغربية عن «قلقها» من الحالة التي تشهدها كازاخستان، ودعت إلى وقف العنف من جميع الأطراف، فدعا الاتحاد الأوروبي من جانبه روسيا إلى احترام سيادة كازاخستان واستقلالها إثر نقل موسكو لعناصر عسكرية لقمع الاحتجاجات، كما دعا الأوروبيون إلى وقف العنف من جميع الأطراف.

الولايات المتحدة هي الأخرى دعت جميع الأطراف إلى إيجاد حلّ سلمي، واحترام المؤسسات الدستورية، وحقوق الإنسان، وحريّة الصحافة، كما نفت المتحدّثة باسم البيت الأبيض جين ساكي الاتهامات الروسية التي تقول إن الولايات المتحدة تقف خلف هذه الاحتجاجات.

أمّا ألمانيا فقد جاء بيانها متوازنًا إلى حدّ ما، فحمل إدانة لكل من طريقة الاحتجاج العنيفة، وردّ السلطات؛ إذ جاء في بيان الخارجية الألمانية أنها تتابع بقلق تطوّرات الوضع، وقالت إن أعمال الشغب العنيفة ليست وسيلة مقبولة للسجالات السياسية، وأكدت أن استخدام العنف القاتل في حق المدنيين، لا سيما عند تدخل القوات العسكرية، «يجب أن يكون الوسيلة الأخيرة».

وفي هذا السياق تتّجه الأنظار إلى القمة الأمريكية الروسية التي ستحتضنها جينيف السويسرية في العاشر من يناير 2022، والتي ستكون أوكرانيا محور محادثاتها، فهل ستؤثّر الأحداث الجارية في كازاخستان، وتدخّل القوات الروسية في وأد الاحتجاجات على مجريات القمّة؟ وما تأثيرها على الأطماع الروسية في أوكرانيا؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

علامات

كازاخستان

المصادر

تحميل المزيد