لليوم الـ14 على التوالي، تستمر الاحتجاجات في شوارع العاصمة الرومانية، بوخاريست؛ وذلك للاحتجاج على الحكومة والساسة المختلفين في الدولة، والمطالبة باستقالتهم، وذلك بعد اتهامات وُجهت لهم بتقويض جهود مكافحة الفساد وجر البلاد إلى الوراء، أو ما أسماه المتظاهرون «تمكينَ الفساد الحكومي»، والذي تمارسه الحكومة الرومانية.

وللرومانيين تاريخٌ طويل في التظاهر بسبب أحداث الثورة الرومانية في عام 1989، ولكن على ما يبدو لم تتوارث الأجيال اللاحقة تلك الخبرة، لذا تُصبح المظاهرات الحالية الأكبر منذ نحو 30 عامًا.

1. كيف ولماذا بدأ التظاهرات؟

تأتي البداية من يوم 31 يناير (كانون الثاني) 2017، عندما أصدرت الحكومة الرومانية مرسومًا يقلل من عقوبة تجريم الفساد الحكومي، وسوء استخدام السُلطة، بالإضافة إلى وقف بعض التحقيقات في قضايا فساد حالية. بدأت معركة الرومانيين مع مكافحة الفساد في منتصف ليل الأول من فبراير (شباط) 2017، إذ تجمَّع الآلاف من المواطنيين الرومانيين في ساحة النصر أمام مقر الحكومة في العاصمة بوخاريست، بجانب مدن أخرى متعددة في أنحاء البلاد، وذلك اعتراضًا على المرسوم الحكومي الصادر.

تضاعفت الأعداد على مدار الأيام التالية، وذلك لتحقيق مزيد من الضغوط على الحكومة لإلغاء المرسوم الذي يُقيّد جهود مكافحة الفساد في الدولة، بحسب المتظاهرين. واجتمع المحتجون لإعادة تنظيم أنفسهم بعد أن كانت شرارة الغضب الأولى عفوية لدرجة تجاهل الحكومة لها، فاتجه المتظاهرون للتعامل وفقًا لاستراتيجيات وسياسيات تُجبر الحكومة على الإصغاء لمطالبهم.

كما اتجه المحتجون للتشاور مع مؤسسات كالأحزاب السياسية، والقضاء، ولوبيات ومؤسسات المجتمع المدني، والنقابات، وغير ذلك، بالإضافة إلى رموز ذات ثقة مثل فيكتور سيوربيا، والذي يُقدِّره ويثق فيه معظم الرومانيين.

2. ماذا عن المرسوم الحكومي؟

على مدار الأيام الأربعة الأولى، وصلت أعداد المحتجين المشاركين في التظاهرات والاحتجاجات إلى أكثر من 300 ألف متظاهر، رافعين شعارًا رئيسيًا هو «لن نيأس»، تأكيدًا على طول نَفَسهم وإصرارهم على مطالبهم. وكان رئيس الوزراء الروماني سورين جريندينو قد أصدر المرسوم المثير للجدل في صباح الثلاثاء 31 يناير (كانون الثاني) 2017، والذي يفي بتقليص وتقليل العقوبات المفروضة على الفساد في الدولة، والعقوبات المفروضة على سوء استخدام السلطة في الحكومة؛ فإذا نهب أي مسؤول حكومي أو رجل أعمال أو غيره ما يقل عن 200 ألف ليو روماني (38 ألف دولار تقريبًا) فلا تعتبر تلك جريمة، وإنما تصبح جريمة تستدعي المحاكمة إذا كان المبلغ المنهوب أكثر من 200 ألف ليو روماني!

المرسوم المثير للجدل ألحق رئيس الوزراء بانتقادات عديدة من جميع الفئات في الشعب، بدايةً من البرلمان الذي اتهم رئيس الوزراء بالاستئثار بالسلطة، وذلك نظرًا لأن جريندينو اتخذ القرار دون مشاورة البرلمان، بالإضافة إلى الانتقادات الشعبية العديدة بدعم الفساد، إذ إن هذه المرسوم سيؤدي بالضرورة إلى وقف حوالي ألفي قضية فساد جارية، كما أن الرومانيين اعتبروها خطوة للوراء فيما يخص الشفافية والمساءلة الحكومية.

جدير بالذكر أن هذه التظاهرات تعتبر الأكبر في تاريخ رومانيا الحديث، حتى أنها تفوق التي كانت أيام الثورة الرومانية، وتأتي بعد أقل من شهرين من حصول الحزب الاشتراكي الديمقراطي على 46% من مقاعد البرلمان في الانتخابات التي جرت في شهر ديسمبر (كانون الأوّل) 2016، ما كان سببًا في تمكّن الحزب من تشكيل الحكومة التي اختير ليفيو دراجنيا رئيسًا لها كونه رئيس الحزب، قبل أن يُستبعد قانونيًّا ليتولى سورين جريندينو مهمة تشكيل الحكومة بصفته رئيسًا لها.

3. كيف هو الفساد في رومانيا؟

تحتل رومانيا المرتبة الرابعة ضمن الدول الأكثر سوءًا فيما يخص الفساد المالي والإداري والكسب غير المشروع، وذلك ضمن الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي، ويُقدَّر عددهم بـ28 دولة. ووفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، فإن الفترة الحالية تمثل مرحلة مهمة في تاريخ رومانيا، نظرًا لكشف العديد من عمليات الفساد، ما يقودها نحو الأفضل في مؤشر الشفافية الدولية على غرار إيطاليا في تسعينيات القرن الماضي.

وكانت رومانيا قد اشتبهت في تورط حوالي خمسة آلاف مسؤول حكومي في قضايا فساد، وأحالتهم للتحقيق والمحاكمة، وذلك منذ عام 2012 حتى الآن. وشمل هذا الرقم أسماء ومناصب كبيرة، مثل رئيس الوزراء الأسبق، والوزراء أنفسهم، وغيرهم. وكانت النيابة العامة في رومانيا قد أعلنت في وقتٍ سابق أن حجم الفساد المالي تبلغ قيمته أكثر من مليار دولار، وتحديدًا 1.1 مليار دولار أمريكي.

4. كيف ردت الحكومة؟

رد الفعل الحكومي الأول جاء بعد أربعة أيام وخمس ليالٍ كاملة من الاحتجاجات الواسعة في جميع أنحاء البلاد، لتعلن الحكومة الرومانية يوم الأحد الخامس فبراير (شباط) 2017 نيتها إلغاء المرسوم الحكومي الذي تسبب في كل هذه التظاهرات، فيما أعلن رئيس وزراء رومانيا في أول رد فعل له «حرصه على عدم تقسيم رومانيا»، ثم في اليوم الخامس عقدت الحكومة اجتماعًا طارئًا قررت فيه إلغاء المرسوم.

وتعتبر خطوة إلغاء المرسوم بمثابة انتصار للإرادة الشعبية على الحكومة اليسارية الجديدة التي يُشار إليها على أنها حكومة قوية. ولم تكتف الحكومة بإلغاء المرسوم، بل إنها أقالت وزير العدل ومهندس المرسوم وصاحب فكرته فلورين يورداش. وما بين رضوخ لأوامر الشعب، وانسحاب تكتيكي كان الحكومة تأمل بإلغاء المرسوم وإقالة وزير العدل تهدئة الشعب قليلًا، ولكن ذلك لم ينجح إلى الآن، فما الذي حدث؟

5. ماذا بعد ذلك؟

رغم إلغاء المرسوم المثير للجدل، إلا أن الاحتجاجات الشعبية ما زالت مستمرة في الشوارع، إذ أبدى العديد من المحتشدين خشيتهم من أن تحتوي التشريعات الجديدة، التي تعهد رئيس الوزراء بوضعها بعد إلغائه المرسوم، على النقاط نفسها بشكل جديد، وخوفًا من تكرار نفس السيناريو مرة أخرى، ولكن التكرار قد لا يشمل رضوخ الحكومة للإرادة الشعبية مرة أخرى.

كما أعرب المحتجون عن قلقهم بشأن عرض هذه التشريعات للنقاش في البرلمان، وتمريرها بالقوة بعد ذلك. وتدفقت حشود ضخمة على ساحة النصر في العاصمة بوخاريست، والتي طالبت الحكومة الاشتراكية الجديدة بالاستقالة، إذ بثت شاشات ليزر عملاقة عبارات مثل «لن نتنازل»، و«استقالة» على مبانٍ حكومية عديدة من ضمنها المبنى الذي يحوي مكتب رئيس الوزراء جريندينو.

وأطلق المتظاهرون هتافات وصفت أعضاء الحكومة باللصوص، مطالبيهم بالاستقالة، وهم يرفعون بيدٍ أعلام بلادهم وبالأخرى أعلام الاتحاد الأوروبي. لكن رئيس الحكومة يرفض الاستقالة حتى الآن، قائلًا في مقابلة تلفزيونية إن لديه مسؤولية خاصة تجاه الأشخاص الذين شاركوا في الانتخابات التشريعية، والتي جرت في 11 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأوصلته إلى رئاسة الحكومة، إلا أنه وعد بالعمل على فتح نقاش عام بشكل سريع مع كل الأحزاب السياسية، ومع المجتمع المدني.

عرض التعليقات
تحميل المزيد