جنين قصة كبيرة. * شيرين أبو عاقلة

استيقظ العالم اليوم الأربعاء 11 مايو (أيار) 2022 على خبرٍ مفجع، وهو استشهاد مراسلة «شبكة الجزيرة الإعلامية» في الداخل الفلسطيني المحتل، شيرين أبو عاقلة، برصاصة في الرأس في أثناء تغطيتها لاقتحام الاحتلال الإسرائيلي الأخير لمدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة صباح اليوم. وقد أدانت «شبكة الجزيرة الإعلامية» في بيانها الصادر عقب استشهاد مراسلتها، تلك الجريمة المفزعة، وحمَّلت الكيان الإسرائيلي المسؤولية عن مقتل شيرين أبو عاقلة بدمٍ بارد على يد قناصة إسرائيليين، كما ورد في البث المباشر لقناة الجزيرة، إذ استهدف رصاص الجيش الإسرائيلي الصحافيين صباح اليوم أثناء اقتحامهم للمدينة والمخيم بأكثر من 40 دورية معززة بالقوات الخاصة. فما الذي يحدث في مدينة جنين الآن؟ ولماذا جنين؟

وقائع «اقتحام ممنهج».. قوات الاحتلال تقتحم جنين من كل المحاور

نشرت «بوابة اللاجئين الفلسطينيين» أنباءً عن اشتباكاتٍ مسلحة وقعت في «مخيم جنين للاجئين» صباح اليوم الأربعاء 11 مايو 2022، بعدما اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المدينة والمخيم من عدة محاور بأكثر من 40 دورية معززة بالوحدات الخاصة؛ وهو ما أدى إلى اشتعال الوضع، لينتج منه اشتباكات بين مجموعة من المقاومين وقوات الاحتلال التي حاصرت عدة مناطق حول المخيم، ومنها منزل الشهيد عبد الله الحصري في جنين، وحي الجابريات المُطل على المخيم، ووفقًا لما نُشر في بوابة اللاجئين الفلسطينيين، أخذوا ينادون على بعض الأسماء في مكبرات الصوت، مطالبين بعض الشبان بتسليم أنفسهم.

(خبر استشهاد مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة اليوم)

وكان «مخيم جنين» للاجئين قد تعرض صباح اليوم لعملية اقتحامٍ كبيرة؛ وهو الاقتحام الذي استشهدت خلاله مراسلة «الجزيرة» الإخبارية شيرين أبو عاقلة برصاصة في الرأسِ أثناء تأدية عملها بتغطية أحداثه. إذ أعلنت وزارة الصحة في حكومة السلطة الفلسطينية استشهاد شيرين أبو عاقلة بعد وقتٍ قصير من إصابتها، وكان يصاحبها أثناء التغطية مراسل صحيفة «القدس» علي سمودي، الذين أصيب هو الآخر بجروح متوسطة، بعد إصابته بطلق ناري في الظهر، إلا أن حالته حتى الآن مستقرة.

في حوارٍ سابق لها مع الجزيرة، تقول شيرين أبو عاقلة إنها دائمًا ما كانت تشعر بعدم الأمان وأنها مستهدفة وأنها في مواجهة كلٍّ من جيش الاحتلال والمستوطنين المسلحين؛ خاصةً وأن الاحتلال الإسرائيلي دائمًا ما كان يتهمها بتصوير مناطق أمنية، وهي المخاوف التي تحققت باستشهادها اليوم.

لكن ما تشهده مدينة جنين اليوم ليس بجديد؛ فقد شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة اعتقالات سابقة على مدينة جنين والمخيم، فجر الأربعاء 27 أبريل (نيسان) 2022، واقتحمت قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي المدينة والمخيم بعشرات المركبات العسكرية، مع تمركز القناصين على أسطح المنازل المشرفة على المخيم أثناء اقتحامه، وهو الاقتحام الذي استشهد خلاله الفلسطيني أحمد المساد، البالغ من العُمر 18 عامًا، والذي استشهد إثر رصاصة في الرأس هو الآخر.

تاريخ

منذ شهر
تأبى السقوط.. جنين «قلعة المقاومة» التي صمدت دومًا في وجه الاحتلال

خلال عملية الاقتحام السابقة، داهمت قوات الاحتلال منازل الفلسطينيين الآمنين حول المخيم، ونفذت خلال ذلك حملة اعتقالاتٍ ضخمة داخل جنين، واصفة المدينة بأنها «عش دبابير»، وكانت جنين قد شهدت اشتباكات ضخمة بين جيش الاحتلال وشبان فلسطينيين خلال شهر رمضان المبارك، الذي زادت فيه وتيرة الاعتقالات وإطلاق النار الحي من قبل القوات الإسرائيلية، واتهمت الحكومة الفلسطينية إسرائيل خلال ذلك بتصعيد استخدام «الإعدامات» الميدانية خارج نطاق القانون.

تأبى السقوط.. «جنين» التي يكرهها الاحتلال الإسرائيلي

عادةً ما يبرز اسم مدينة و«مخيم جنين» على الواجهة بين الحين والآخر، والتي يقترن وصفها بأنها مدينة عصيَّة على الاحتلال خلال المواجهات والسجالات. وجنين هي أكبر مدن المثلث الواقع بين جنين ونابلس وطولكرم، ويصل عدد سكانها 40 ألف نسمة، وعلى الرغم من أن أخبارها لم تتصدر عناوين الأخبار سوى في العقود الأخيرة؛ فإن للمدينة تاريخًا طويلًا في المقاومة، يصل إلى حدِّ البسالة.

ففي عام 1799، إبان فترات الغزو الفرنسي للشرق، وعندما تقدمت قوات نابليون بونابرت نحو أراضي جنين للاستيلاء عليها، حرق سكان المدينة حينها أشجار الزيتون التي يقتاتون عليها، لوقفِ زحف القوات الفرنسية على أراضيهم، وهو الأمر الذي رد عليه الفرنسيون بطريقةٍ قاسية عندما جرفوا المدينة ونهبوها.

لم تكن تلك المرة هي الوحيدة التي وقفت فيها مدينة جنين في وجه الغزاة، إذ حدث أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما وقعت جنين تحت الاحتلال البريطاني في سبتمبر (أيلول) 1918 مع بقية الأراضي الفلسطينية، لم تستسلم المدينة بسهولة، وعلى مدار سنوات الاحتلال، كانت جنين من كبار المقاومين لبريطانيا، ونظمت أول مقاومة مسلحة بقيادة عز الدين القسام عام 1935، وهو المناضل الذي وجد في جنين حاضنة شعبية تؤمن بالثورة وتدعمها.

Embed from Getty Images

(صور مقاومة جنين للاحتلال البريطاني)

منذ ذلك الحين تحولت المنطقة إلى مركز للمقاومة الفلسطينية انتقلت قيادته بعد استشهاد القسام إلى فرحان السعدي، سليل إحدى الأسر المقاومة للاحتلال، وكانت أكبر عمليات المدينة ضد الاحتلال البريطاني في 1938، عندما قتل قائدًا بريطانيًّا كبيرًا داخل مكتبه في جنين، إلا أن مقاومة المدينة لم تقف عند هذا الحد.

يكره الاحتلال الإسرائيلي جنين، ويراها «وكرًا وعشًّا للدبابير» وفقًا لتعبيره ووصفه، ولذلك أسباب كثيرة بعضها تاريخي. فعندما وقع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1948، وقتلت قوات الاحتلال آلاف الفلسطينيين وهجرتهم من منازلهم لبناء المستوطنات، واجه جيش الاحتلال مقاومة شرسة في مدينة جنين تخلصت خلالها المدينة من احتلال إسرائيلي قصير، وذلك بمساعدة الشباب المتطوعين الفلسطينيين والجيش العراقي.

وفي عام 1949، آل حكم المدينة إلى حكم الإدارة الأردنية، وهي الفترة التي أنشئ فيها واحد من أشهر مخيمات اللاجئين، «مخيم جنين» الذي خصص لإيواء المهجرين الفلسطينيين ما بعد النكبة، ممن طردتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي من منازلهم للاستيلاء عليها، وقد كان المخيم معقلًا للمقاومة الفلسطينية ضد جيش الاحتلال طوال فترة السبعينيات والثمانينيات.

لم ترزح جنين تحت جناح الاحتلال الإسرائيلي حتى بعد احتلالها في حرب 1967، وبعدما أصبح يحكمها حاكم عسكري إسرائيلي مباشرة، وهو الوضع الذي استمر حتى قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1995، ومنذ عام 2000، بدأت أخبار اقتحام مخيم جنين من قبل جيش الاحتلال تبرز على الساحة؛ إذ تشن القوات الإسرائيلية كل حين هجومًا على المخيم والمدينة، كان آخرهم هو الهجوم الذي وقع صباح اليوم.

عربي

منذ أسبوعين
المرابطون في «أم البدايات».. هل فلسطين على أعتاب حرب جديدة؟

المصادر

تحميل المزيد