بعد مرور أقل من عامين على التظاهرات الكبرى التي اجتاحت الشوارع اللبنانية في أغسطس (آب) 2015، والتي اشتهرت بعنوان طلعت ريحتكم، والذي اتُخذ من الشعارات التي خرج من أجلها التظاهرات، انتفض عدد من اللبنانيين أيضًا في العاصمة بيروت، وذلك احتجاجًا على إقرار البرلمان لضرائب جديدة، تؤثِّر بشكل عام في طبقة الفقراء، والطبقة المتوسطة أي محدودي الدخل.

وتأتي هذه الخطوة في ظل اقتصاد لبناني منهار، إمَّا لأسبابٍ داخلية، وإما لأخرى خارجية؛ وتعتبر الحرب الأهلية اللبنانية، والتي انتهت منذ حوالي 26 عامًا، أحد أهم الأسباب الداخلية التي ما زالت تُلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي اللبناني، والتي على إثرها انهارت البنية التحتية الاقتصادية اللبنانية. بينما تمثل الأزمة السورية واللاجئون السوريون، أحد أبرز الأسباب الخارجية المؤثرة في الاقتصاد اللبناني؛ إذ يوجد حوالي 1.1 مليون لاجئ سوري مُسجَّل داخل لبنان، مما أدى إلى زيادة التوتر الداخلي، وتباطؤ النمو الاقتصادي؛ إذ تراجع معدَّل النمو إلى نسبة تترواح بين 1 إلى 2% فقط خلال الفترة من 2011 وحتى 2015، وذلك بعدما وصلت في السنوات الأربعة السابقة لهذه الفترة إلى حوالي 8%.

وتأتي الأزمة قبل أشهر من الموعد المفترض للانتخابات النيابية في البلاد، التي تأجلت مرتين في السابق.

(1) كيف بدأت الأزمة تحديدًا؟

بدأت الأزمة بموافقة البرلمان اللبناني على فرض 27 ضريبة جديدة على عدة مستويات، وذلك تحديدًا يوم الأربعاء 15 مارس (آذار) الجاري، وذلك خلال الجلسة المسائية التي انعقدت برئاسة نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري.

وعلى الرغم من تأكيده، قال وزير المال اللبناني، علي حسن خليل، منذ أكثر من شهر، وتحديدًا في 8 فبراير (شباط)، إنه حريص أن تكون الموازنة بداية إصلاح، وأن تكون متوازنة، وألا تمسّ الطبقات الفقيرة، وأنه تمنَّى من خلالها أن نبدأ بإصلاح النظام الضريبي، فإن الضرائب الجديدة المفروضة تستهدف بشكل أساسي الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

ومن خلال قراءة أولى لمشروع الموازنة، متوقع أن تصل الإرادات الإضافية المقدَّرة بسبب الرسوم والضرائب الجديدة إلى حوالي 2436.2 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل 1.61 مليار دولار أمريكي هي قيمة إيرادات الضرائب الجديدة فقط.

اقرأ أيضًا: 6 أسئلة تشرح لك ما تريد معرفته عن «ضريبة القيمة المضافة» الجاري تطبيقها في مصر

(2) علام فُرضت الضرائب الجديدة؟

الضرائب الجديدة المفروضة تتضمَّن زيادات مختلفة، أهمها رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة من 10% إلى 11%، وهي الضريبة الأهم والأكثر تأثيرًا، والتي ستقود غالبية المنتجات تقريبًا إلى ارتفاع أسعار استهلاكها.

كما شمل القانون أيضًا رفع رسم استهلاك على استيراد المازوت بمعدل 4%، ما يعني أن كل المهن التي تعتمد على المازوت كمحروقات، ومن بينها الأفران، والتي تتواجد بكثرة في العاصمة اللبنانية بيروت، ستعمد قريبًا إلى رفع أسعارها أيضًا. فضلًا عن رفع معدل الضريبة على أرباح الودائع من 5% إلى 7%، وأيضًا رفع معدل الضريبة على ما يعرف بشركات الأموال لتصل إلى 17%.

بالإضافة إلى ضريبة تتمثل في رفع رسم الطابع المالي على فواتير الهاتف الثابت والخلوي إلى 2500 ليرة لبنانية (1.65 دولار أمريكي)، وأيضًا، رفع قيمة الطابع المالي على السجل العدلي للضعف؛ بحيث تصبح قيمته 4000 ليرة لبنانية (2.64 دولار أمريكي)، وذلك بدلًا من 2000 ليرة (1.32 دولار أمريكي) فقط.

وأيضًا، فرض رسم إضافي على كل فاتورة تصدرها وزارة الاتصالات للمشتركين بخدمات الإنترنت، فضلًا عن رفع الرسوم على جميع منتجات التبغ والتنباك بأنوعها، بالإضافة إلى ضريبة على إنتاج كل طن من الأسمنت تصل قيمتها إلى 6000 ليرة لبنانية (3.96 دولار أمريكي)، بالإضافة إلى رسوم إضافية على السير.

وأخيرًا، فرض ضرائب جديدة ورسوم على جوائز اليانصيب، والمشروبات الكحولية والروحية المستوردة، ورسم خروج على جميع المسافرين؛ سواء كان ذلك عن طريق البر، أو الجو، أو البحر، ورسوم إضافية على المنتجات المستوردة بشكل عام، ورسوم على عقود البيع العقاري بنسبة 2%، وغيرها من الضرائب المفروضة المتعددة.

(3) كيف بدت ردود الفعل على القانون الجديد؟

انتشر الغضب في جميع أنحاء البلاد، وفي الشوارع اللبنانية المختلفة، فخرجت التظاهرات احتجاجًا على التدابير التقشفية التي أقرها البرلمان، ودعوا الحكومة إلى محاربة ومعالجة الفساد المتفشي في البلاد داخل النظام السياسي، وذلك من أجل الإنفاق على تنمية البلاد، بدلًا من فرض مزيد من الضرائب على المواطنين.

التظاهرات التي خرجت لم تحشد بأعداد كبيرة في البداية، وإنما بدأ الأمر بدعواتٍ من الحزب الشيوعي اللبناني، وقد خرجت في شوارع بيروت وتخطت أعدادها 6 آلاف متظاهر، ودعوا إلى زيادة الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والتنمية، بالإضافة إلى ضبط الأجور، وخلق فرص عمل مختلفة.

كما أكدوا عبر اللافتات وفي تصاريح صحافية، أنهم يحتجون على السياسات الضريبية غير العادلة المفروضة، والتي تسحب المال من جيوب الفقراء لتمويل النفايات وسرقة وفساد السلطة، بحد تعبيرهم.

وفي الأيام التالية، ارتفعت رتيبة التظاهرات، وكثر أعداد المشاركين فيها، وخاصة تلك التي جرت في ساحة رياض الصلح ببيروت، وقد برزت دعوات لاعتصام مدني؛ إذ رفع عشرات الآلاف من المتظاهرين لافتات تحمل جملة لن ندفع، وذلك في إشارة منهم لرفضهم الضرائب الجديدة المفروضة.

وترافقت الاعتصامات مع تحركات شعبية في طرابلس شمال لبنان، وقطع للطريق الدولية في البقاع شرقي البلاد، إضافة إلى قطع طرق في الجنوب.

وعلى مستوى ردود الأفعال السياسية، أعلن عدد من الأحزاب، والحركات السياسية، رفضهم للزيادات والضرائب الجديدة المفروضة، ومن أبرزها، حزب الكتائب اللبناني، والحزب التقدمي الاشتراكي، والذي يقوده السياسي وليد جنبلاط.

بالإضافة إلى حزب القوات اللبناني، والذي يرأسه سمير جعجع. كما أعلنت حركة حزب الله، وجود بعض التحفظات على هذه الزيادات أيضًا. بالإضافة إلى مجموعات وحركات مختلفة من مؤسسات المجتمع المدني اللبناني، مثل حركة بدنا نحاسب، والحركة الشهيرة التي تأسست نتاج التظاهرات الشعبية الكبيرة في عام 2015، حركة طلعت ريحتكم.

(4) كيف تطورت الأوضاع إلى مواجهات؟ وما هي الأسباب الحقيقية لفرض هذه الضرائب؟

المواجهات بين قوات الشرطة اللبنانية والمتظاهرين لم تغب عن تظاهرات هذه المرة؛ إذ أحاط العشرات من رجال الشرطة مداخل مقر البرلمان، ومقرات الحكومة، خلال الاحتجاجات، وذلك منعًا لتقدم أي من المحتجين؛ فقد كاد بعضهم أن يزيلوا الحواجز الحديدية الموجودة للوصول إلى ساحة البرلمان.

وفي محاولة لتهدئة الوضع، توجه رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بكلمة إلى المتظاهرين عبر مكبرات الصوت، والتي وعد فيها بمكافحة الفساد، غير أنها قوبلت بالرفض من المتظاهرين والمحتجين، الذين ألقوا زجاجات المياه الفارغة، والطماطم على رئيس الوزراء بينما كان يحاول التحدث إليهم.

وظهر الحريري في لقطات تلفزيونية، وهو يتعهد بالعمل مع المحتجين لمكافحة سوء استخدام المال العام قبل أن ينحني ويدخل إلى سيارته، بينما كان حرسه الشخصي يحاولون حمايته من الزجاجات الفارغة الملقاة عليه.

منصات ومواقع التواصل الاجتماعي أيضًا كان لها دور في التظاهرات، إذ أطلق المغردون اللبنانيون عددًا من الوسوم (الهاشتاج) والتي تعبر عن آرائهم في الضرائب الجديدة المفروضة، وذلك عبر موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، وكان من أبرزها #ما_بدنا_ضرايب، و#ليش_نازل_تتظاهر.

ويتمثل السبب الرئيسي لفرض كل هذه الضرائب بالرغبة في زيادة مرتبات عدد من موظفي الدولة والقطاع العام، بالإضافة إلى زيادة مرتبات القضاة والعسكريين، والمتقاعدين منهم. الجدير بالذكر أن عددًا من الضباط المتقاعدين اعترضوا على طريقة احتساب الزيادات المقترحة على رواتبهم التقاعدية؛ إذ أتت أقل من توقعاتهم، والتي هي بحسب القانون تمثل 85% من راتب الضابط من الرتبة ذاتها الذي ما يزال في الخدمة الفعلية.

(5) كيف يبدو الاقتصاد اللبناني في وضعه الحالي؟ وكيف ظل أثر الحرب الأهلية ساريًا إلى الآن؟

تسبب عدم إقرار موازنة للدولة منذ 12 عامًا في تضخُّم حجم الدين العام، إذ قفز من 38 مليار دولار في عام 2005؛ وقتما بلغت نفقات لبنان حوالي 10 تريليون ليرة لبنانية (6.6 مليار دولار أمريكي)، أما اليوم فتصل النفقات الجارية للدولة 24 تريليون ليرة لبنانية (15.9 مليار دولار أمريكي)، بينما وصلت قيمة الدين العام إلى أكثر من 105.84 تريليون ليرة لبنانية (70 مليار دولار)، وذلك في نهاية 2015.

وكان الدين العام الإجمالي قد بلغت قيمته 112.375 تريليون ليرة (74.5 مليار دولار)، وذلك في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. ومن المتوقع أن تصل قيمة العجز خلال العام الجاري إلى 80 مليار ليرة خلال عام 2017.

كما توقع تقرير البنك الدولي أن يزيد الدين العام اللبناني في الأعوام المقبلة ليصل إلى 154,1% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2016، و157.3% في 2017، و159.7% في 2018. أما عوائد الدولة، فقد بلغت مؤخرًا 16.500 تريليون ليرة (10.9 مليار دولار أمريكي)، وهو ما يعني أن قيمة العجز في الموازنة يبلغ حوالي 8 تريليونات ليرة (5.2 مليار دولار أمريكي).

الجدير بالذكر أن قيمة الليرة اللبنانية انخفضت بآلاف الأضعاف منذ حوالي ثلاثة عقود فقط؛ وكانت البداية مع الحرب الأهلية، إذ وصلت معدلات التضخم إلى أرقام خيالية، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى فترة الحرب وتأثيرها، والتي يبدو أنها، وبعد حوالي ربع قرن من نهايتها، ما زالت تلقي بظلالها على الاقتصاد اللبناني.

في بداية الحرب الأهلية، بلغت قيمة الدولار الأمريكي حوالي 3.43 ليرة لبنانية، بينما وصلت قيمة معدل التضخم حينها إلى حوالي 0.071% فقط. ومع مرور الوقت، واستمرار الحرب، بدأت قيمة الليرة في النقصان، وبدأت قيمتها تنهار؛ فبحلول عام 1985، بلغت قيمة الدولار حوالي 16.41 ليرة، بينما وصل معدل التضخم حينها إلى 0.21%، وبمرور سنواتٍ خمسة أخرى، كانت هي الأكثر قسوة في سنوات الحرب، وصلت قيمة الدولار إلى 695.2 ليرة لبنانية، بينما وصل مؤشر التضخم إلى 18%، وبنهاية الحرب عام 1995، بلغت قيمة الدولار 1621.33 ليرة لبنانية، وحينها زاد مؤشر التضخم 81% عن سابقه.

وعلى مدار أكثر من 20 عامًا، عملت لبنان على اتخاذ سياسات اقتصادية، والعمل على بناء بنية تحتية جديدة متطورة، بدلًا من تلك التي أنهكتها الحرب، إلى أن انخفضت قيمة الدولار الأمريكي بنسبة بسيطة جدًّا، فوصل إلى 1507.48 ليرة لبنانية، وهو السعر الحالي.

انخفضت قيمة الليرة اللبنانية منذ بداية الحرب الأهلية اللبنانية وحتى الآن حوالي 500 ضعف! في الوقت الذي كان فيه معدل التضخم قبل الحرب يبلغ 0.071%، ولكنه تخطَّي حاجز الـ100% في الوقت الحالي.

الجدير بالذكر أن هناك حوالي 8% من سكان لبنان يعيشون تحت خط الفقر، بينما بلغ معدل البطالة حوالي 6.4% في عام 2014، وهي النسبة الأكبر منذ عام 2007، إذ كان 9% حينها.

المصادر

تحميل المزيد