قضت أمس الخميس الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بليبيا بعدم دستورية الانتخابات التي انبثق عنها مجلس النواب المنتخب، مما يعني حلُّه وجميع المؤسسات المنبثقة عنه. يأتي هذا الحكم في إطار الخلاف القائم بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقواته وبين معارضين له، المعارك السياسية التي انتقلت إلى معارك على الأرض في شهر مايو السابق كانت وراء حل البرلمان. حسب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، برناردينو ليون، فالخلاف في ليبيا ليس خلافًا قانونيًا وإنما هو خلاف سياسي يرتدي زي الخلاف الدستوري.

هذه النوعية من أحكام المحكمة العليا هو الثاني من نوعه خلال العام الجاري، فقد سبق وقررت المحكمة عدم دستورية قرار رئيس المؤتمر الوطني في 9يونيو الماضي تعيين أحمد معيتيق رئيسًا للوزراء. وفي ظل هذا كله يأتي هذا التقرير.

س1: ما هي المشكلة الدستورية للبرلمان الليبي؟

حسب الإعلان الدستوري يتم حل المؤتمر الوطني العام (والذي كانت مهمته تتمثل في كتابة دستور جديد، وتشكيل حكومة جديدة، وبقية المهام التشريعية حتى انتخاب البرلمان) في أول جلسة للسلطة التشريعية “البرلمان”. لكنّ البرلمان ـ حسب اعتراضات التيار الإسلامي ـ لم يوافق الإعلان الدستوري حيث يقضي الدستور بعقد جلسات البرلمان بمدينة بنغازي بينما تتم مراسم التسليم والتسلم في طرابلس، وهو ما لم يتم، حيث عقدت الجلسات في مدينة طبرق في الشرق الليبي نظرًا للاشتباكات المتتالية في مدينة بنغازي بين قوات كرامة ليبيا التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر في مواجهة قوات فجر ليبيا المنتمية غالبًا للتيار الإسلامي.

“حظي البرلمان المنتخب باعتراف دولي، ولكن حين مال البرلمان ورئيس الحكومة عبد الله الثني لجبهة حفتر اتخذ الإسلاميون منه موقفًا”

مبنى البرلمان الليبي

كان هذا سبب طعن العديد من النواب المقاطعين لجلسات مجلس النواب في طبرق. وقد قرر المؤتمر الوطني العام (المنتهية ولايته) استئناف جلساته في نهاية أغسطس الماضي وبرر قراره بعدم احترام مجلس النواب للإعلان الدستوري. وقد أقال المؤتمر حكومة تسيير الأعمال برئاسة عبد الله الثني في سبتمبر الماضي وعينت حكومة عمر الحاسي بينما أعاد مجلس النواب حكومة الثني بعدها بأيام في أكتوبر!

س2: متى اندلعت الأزمة السياسية في البلاد؟ ومن هي الأطراف في ليبيا؟

نستطيع أن نقول أنّ الأزمة السياسية بدأت في البلاد في مايو الماضي حين أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر عن عمليته المسماة “عملية الكرامة في ليبيا” في مواجهة الإسلاميين وما أسماهم “الإرهابيين” وجماعة الإخوان المسلمين. فجر هذا التحرك من حفتر الأحداث. حسب تحليلات عديدة فإن الإمارات ومصر تدعمان حفتر، بل إن تقارير صحفية وإعلامية تحدثت عن تواجد عسكري مصري في ليبيا لمساعدة حفتر.

الجنرال خليفة حفتر

أثناء وقائع الحرب العسكرية على الأرض، تمّ انتخاب رئيس وزراء جديد ـ بتصويت في المؤتمر الوطني العام ـ هو أحمد معيتيق، ويتهم معارضو الإسلاميين معيتيق بأنه ينتمي للتيار الإسلامي، بينما أعلن الرجل أنه لا ينتمي لأي تيار. رفض رئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني تسليم الحكومة لمعيتيق مشككًا في شرعية انتخابه رئيسًا للوزراء، فيما اعتبرت وزارة العدل الليبية كذلك انتخاب معيتيق غير قانوني.

استمرتْ الأزمة لتكتمل بدخول البرلمان والمؤتمر الوطني العام في ليبيا حربًا جديدة بإعلان المؤتمر الوطني العام رئيسًا جديدًا للوزراء هو عمر الحاسي، بينما أعاد البرلمان الثني لرئاسة الحكومة، وأقرّ تشكيلة الحكومة التي تجتمع بشرقي ليبيا، في طبرق (إقليم برقة). وأصبحت ليبيا بحكومتين، وقوتين عسكريتين تتقاتلان.

الأطراف:

القوتان الكبيرتان في ليبيا هما:

1ـ قوات عملية الكرامة: بقيادة اللواء خليفة حفتر، داعمًا حكومة عبد الله الثني والتي كلفها البرلمان المجتمع في الشرق الليبي، في إقليم طبرق. يدعم عملية الكرامة قطاعات كبيرة من الحكومة والجيش والتيار العلماني. وتأييد السياسيين الكبيرين محمود جبريل وعلي زيدان. ومن أبرز الكتائب التي تساند عملية الكرامة في الشرق الليبي: القوات الخاصة ـ الصاعقة، مجموعات وأفراد من القوات المسلحة والثوار، وفي الغرب كتيبتا القعقاع والصواعق التابعتان للمجلس العسكري بالزنتان.

2ـ المجموعات الإسلامية والقوات الثورية المسلحة: يؤيدها من ناحية المؤتمر الوطني العام في غرب البلاد. وتتكون من بعض كتائب الثوار والدروع والإسلاميين لمواجهة اللواء حفتر وقواته. وقد أعلنت عن نفسها بعد شهرين من انطلاق عملية كرامة ليبيا بقيادة حفتر، وتحظى بتأييد الأحزاب الإسلامية ودار الإفتاء وتتكون القوات من: معظم الدروع التي تكونت أثناء الثورة، وكتائب من الثوار وكتائب “مصراته القوية” وكتيبة 17فبراير وكتيبة راف الله السحاتي وكتيبة أنصار الشريعة ودرع رقم1.

تتركز الاشتباكات العسكرية الواسعة في بنغازي وطرابلس، وحسب تقارير ـ وتصريحات القوات الثورية فإنها قد سيطرت على أجزاء كبيرة من بنغازي التي كانت تحت سيطرة قوات حفتر، كذلك أعلنت سيطرتها على مطار طرابلس الدولي والذي كان تحت قبضة قوات حفتر، يسيطر حفتر على مناطق في الشرق بينما تسيطر القوات المواجهة له على قوات في الغرب الليبي، وقد نقلت المعارك بالطبع إلى العاصمة طرابلس لكنها ما زالت تحت سلطة الإسلاميين وحلفائهم.

مسلحون ليبيون

س3: ما الذي سيترتب على حل البرلمان؟ وما هو موقف البرلمان؟

يترتب على قرار المحكمة العليا اعتبار جميع قرارات البرلمان الليبي المنتخب ـ والمعترف به دوليًا ـ لاغية، وحسب المخزوم النائب الثاني لرئيس للمؤتمر الوطني فإن قرارات البرلمان ستعتبر نافذة فقط في الفترة السابقة ولن يبني عليها أية قرارات حالية. وحسب بيان المؤتمر الوطني العام تعتبر جميع قرارات البرلمان “عدمًا”.

بعض وسائل الإعلام تحدثت عن أوامر عسكرية لقوات الكرامة لبدء إحكام قبضتها على العاصمة طرابلس بعد هذا القرار من المحكمة العليا. تحليلات أخرى ترجح احتمالية انفصال إقليم طبرق شرقي ليبيا بحكومته وبرلمانه وقواته، بينما لا تدعم ذلك المعطيات، فحفتر الذي يقود حربًا ضد قوات الإسلاميين منذ شهور لن يكتفي بإقليم طبرق ناهيك عن موافقة العاصمة على هذا الانفصال.

أما موقف البرلمان فقد رفض الحكم وأعلن أنه سيقاضي المحكمة العليا أمام القضاء الدولي، كونه برلمانًا معترف به دوليًا. كما أعلن أنّ المحكمة تقع في العاصمة طرابلس، التي تقع بدورها تحت قبضة ما أسماهم “إرهابيين” وأن الحكم إنما صدر تحت تهديد السلاح.

س4: ما هي تداعيات حل البرلمان؟

فيما حمل خطاب النائب الأول للمؤتمر الوطني العام نبرة تصالحية دعا تكتل فيدرالي يُدعى الاتحاد الوطني ببرقة إلى إعلان “دولة برقة” وطالب نواب المناطق الشرقية في مجلس النواب للانضمام إليه. واعتبر أنَّ قرار المحكمة هَدَمَ جميع أواصر العلاقات السياسية والإدارية بين الأقاليم الليبية. وحسب محللين قد يقود حل البرلمان بالفعل لانفصال إقليم برقةّ لكنه لن ينفصل وحيدًا حيث إن هناك أقاليم أخرى مرشحة للانفصال كجنوب ليبيا.

وحسب موقع قناة الجزيرة الإخبارية، فإن مصادرها، قد أبلغوا عن قلق النواب في البرلمان المنحلّ، الذين شابهم التردد والاختلاف بين موافقة الحكم الدستوري أو مخالفته. ويتوقع أنَّ مواقف الدول المحيطة، خاصة مصر والسعودية والإمارات، ستتحكم في المستقبل الليبي.

س5: ما هو الموقف الدولي مما يحدث في ليبيا؟ وما موقف اللواء حفتر؟

أعلنت مصر أنها ودول الجوار تتجه إلى جولة حوار لبحث موقف موحد لها. بينما دعت الأمم المتحدة جميع الأطراف إلى “إعلاء المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار” وأعلنت أنها تدرس قرار المحكمة العليا وتعمل مع كافة الأطياف السياسية. بينما يتوقع أن تقف السعودية والإمارات ضد القرار وتؤيده تركيا، استنادًا على موقفهم السابق مما يحدث في الداخل الليبي.

فيما لم يُعلن حتى الآن أي موقف دولي مما يحدث في ليبيا أمس، يبدو أنّ اللواء حفتر أيضًا ينتظر بعض ردود الأفعال، أو يتيقن من بعض تحالفاته خارج أو داخل البلاد كي يتخذ الخطوة التي سينبني عليها جزء كبير من مستقبل ليبيا التي تقبع تحت اشتباكات عسكرية شرسة منذ ما يزيد على ثلاث سنوات. فلم يعلن حتى الآن أية مواقف.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!