تشهد مدينة بالما الواقعة شمال موزمبيق؛ موجة من النزوح عبر قوارب الصيد، هربًا من سيطرة «تنظيم الدولة الاسلامية(داعش)» على المنطقة، وذلك بعد هجوم مسلّح للتنظيم سقط خلاله قتلى وجرحى. وقد أدّى هذا النزاع المسلّح الذي زادت وتيرته منذ 2017، إلى مقتل 2500 شخصًا ونزوح حوالي 700 ألف آخرين من شمال موزمبيق حسب تقارير صحافية

وكان «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» قد أعلن مسؤوليته عن السيطرة على مدينة بالما الواقعة في شمال موزمبيق، وقال إنه قتل 55 شخصًا من بينهم مسيحيون، وجنود، ومتعاقدون أجانب؛ كما أعلن في بيان له أنه سيطر على بنايات ومصانع وبنوك. 

وقد قرّرت شركة «توتال» تعليق الخدمة في منشآتها للغاز المسال، الواقعة في شمال موزمبيق؛ وذلك بعد الهجمات المسلّحة الدموية لتنظيم «الشباب» الجهادي الذي انطلق في 24 مارس (آذار) الماضي؛ مباشرة بعد اتفاق بين عملاق النفط الفرنسي والحكومة الموزمبيقية على استئناف الخدمة في المنشأة، إذ كانت «توتال» قد علّقت قبل هذا التاريخ نشاطها في المنشأة الغازية منذ ثلاثة شهور من هذا التاريخ بعد هجوم مماثل من الحركة المسلّحة. 

تنظيم «الشباب» المسؤول عن هذه الهجمات هو أحد التنظيمات الجهادية التي تنشط في موزمبيق، والذي تُرجع بعض المصادر أصله إلى جماعة «أنصار السُنة» التي تأسست سنة 2007، وقد بايع هذه الحركة المسلحة «داعش» منذ 2019. وبدأت هجمات هذه الحركة المسلّحة في التسبب بأزمات أمنية حادة للحكومة الموزمبيقية منذ 2017

احتياطات غازية ضخمة تسيل لُعاب الشركات البترولية

ويبدو أن الوضعية الأمنية السيئة التي يفرضها التنظيم الجهادي تشكّل تحدّيًا حقيقيًا لمشروع شركة «توتال» الغازي الذي استثمرت من أجله مليارات الدولارات لتدخل سوق الغاز بقوّة، وتتحوّل من عملاق بترولي إلى الغاز المُسال أيضًا؛ ولكن البعض يرى بأن الانعكاسات السلبية للمشروع على المجتمع المحليّ والخسائر التي مُني بها من كانوا يسكنون موقع المشروع الغازي، هو أحد أسباب غياب الاستقرار الأمني في هذه المنطقة. 

مقر شركة «توتال»، باريس 

وكان العملاق الفرنسي «توتال» قد أنهى صفقة ضخمة لاستثمار 20 مليار دولار في صيف 2020 من أجل إنشاء مصنع للغاز المُسال في منطقة كابو ديلجادو في شمال موزمبيق؛ وهي المنطقة التي جرى اكتشاف كميّات هائلة من الغاز فيها منذ سنة 2010، وبهذه الخطوة كانت تسعى«توتال» إلى تنويع استثماراتها في مجال المحروقات بالخصوص في القارة الأفريقية، فحتى زمن قريب كان تركيز الشركة الفرنسية منحصرًا على البترول فقط دون الغاز، وبالتالي تهدف «توتال» من خلال مشروعها العملاق في موزمبيق، بالإضافة إلى استحواذها على شركة «أناداركو» الأمريكية في خريف 2019، إلى دخول سوق الغاز الأفريقي بقوّة.

وحسب تقارير فإن هذه الاحتياطات الغازية الموجودة في شمال موزمبيق تمكّن الشركة الفرنسية من توسيع حصتها في قطاع المحروقات، إذ إن الاحتياطي الذي يقدّر بما يعادل 3.6 مليار برميل نفط يمكن استخراجهم من السطح، يعادل ضعف كمية الغاز الموجودة في مشروع مماثل لـ«بريتيش بتروليوم» الموجود في الحدود ما بين دولتيْ موريتانيا والسنغال في غرب أفريقيا. 

لكن هذا المشروع العملاق الذي كان من المقرر أن يدرّ على الشركة الفرنسية والحكومة الموزمبيقية مليارات الدولارات، لم يخلُ من انتقادات المنظمات غير الحكومية، وهو ما صنع جدلًا كبيرًا بين اتهامات بتواطؤ الشركة الفرنسية مع الحكومة في تدمير البيئة والمجتمع المحلّيين؛ وذلك وفق ما جاء في تقرير لجمعية «أصدقاء الأرض» الفرنسية، حيث اتهمت الحركة البيئية الحكومة الفرنسية بـ«تفجير قنبلة بيئية» في موزمبيق وتدمير المجتمع المحلّي، إذ تشهد البلاد منذ اكتشاف احتياطيات غازية ضخمة تنافسًا بين كل من «توتال» الفرنسية و«أيني» الإيطالية و«إيكسون موبايل» الأمريكية.

«فقاعة أمنية» لحماية المشروع الغازي 

ومن أجل ضمان سلامة هذا المشروع وعزله عن المنطقة التي تشهد توتّرات أمنية عالية، قامت الشركة باتخاذ إجراءات أمنية على عدّة أصعدة. في تقرير لمجلة «جون أفريك»، أشار إلى أن الشركة الفرنسية قد وضعت المسألة الأمنية من أولوياتها، ولذلك لم تكتف فقط بالاتفاق مع الحكومة الموزمبيقية على تأمين الموقع الغازي برجال الأمن المحليين فحسب، بل تعاقدت مع شركات أمنية عالمية عديدة، من بينها «بلو مونتين» و«جي 4 أس» و«جاردا وورد» وغيرها، ومن أجل صيانة صورتها أمام الرأي العام وتجنّب اتهامها بقمع السكان المحليّين، فرضت الشركة على رجال الأمن الموزمبيقيين الخضوع لتدريب عملي حول «احترام حقوق الانسان».

لكن رغم إجلاء الشركة الفرنسية لموظّفيها في المنطقة التي تشهد تهديدًا أمنيًا من جماعة «الشباب»، هل ستؤثر هذه الاوضاع الأمنية على استمرار المشروع الغازي الضخم الذي صُرفت عليه مليارات الدولارات؟ يقول الخبراء أنه من غير المتوقّع أن تنسحب «توتال» من هذا الموقع إطلاقًا، إذ إن الشركة الفرنسية معتادة على العمل في مناطق الصراعات والتوتّرات، ويستشهدون في هذا السياق بالتجربة العراقية، حيث جرى تأمين مواقع النفط والغاز بإنشاء مناطق أمنية مُغلقة تضمن استمرار إنتاج النفط، رغم الوضعية الأمنية الكارثية التي كانت تشهدها البلاد بعد الغزو الأمريكي في 2003. 

ويبدو أن هنالك علاقة بين الصعود الأخير لهذه الحركة المسلّحة وتصعيد هجماتها العنيفة، والمشروع الغازي الضخم للشركة الفرنسية العملاقة، إذ أشارت تقارير إلى أن الحركة الجهادية قد استفادت من النقم والغضب الشعبيين من طرف السكان الذين جرى تهجيرهم وهدم قراهم وسكناتهم، وطردهم من أماكن صيدهم من أجل إقامة هذا المشروع العملاق في المنطقة، وهو ما ساعد التنظيم المسلّح في تجنيد هؤلاء السكّان الناقمين واستمالتهم إلى صفّه؛ هذا بالإضافة إلى استعانته بمقاتلين أجانب. 

وفي الوقت الذي توصف منطقة أفوغجلي بـ«الفقاعة الآمنة» بسبب التجهيزات الأمنية الاستثنائية التي توفّرها الحكومة الموزمبيقية للمشروع الغازي، بالإضافة إلى ترسانة الشركات الأمنية الأجنبية التي جرى استقدامها خصيصًا لحماية المشروع؛ فإن الوضعية الأمنية في المنطقة ككل لا يبدو أنها تتجه إلى الاستقرار حسب الخبراء، إذ إن تقارير صحافية أشارت إلى السوء الشديد في تسليح جيش هذه الدولة التي تعدّ من بين الأفقر في العالم، بالإضافة إلى أن التنظيم المسلّح يستعين بمقاتلين من خارج موزمبيق (تنزانيا تحديدًا)، عدا قدرته على تجنيد المواطنين الناقمين من التهميش الشديد التي تعانيه منطقة كابو ديلجادو ذات الأغلبية المسلمة، والبعيدة عن العاصمة الموزمبيقية أكثر من 1600كم. 

ويبدو أن الساحة الأمنية في موزمبيق أصبحت مفتوحة للتنافس الدولي، فبالإضافة إلى التواجد الأمريكي على شكل خبراء عسكريين لتدريب الجيش الموزمبيقي على مكافحة «الإرهاب»، تشير تقارير إلى استعانة الحكومة الموزمبيقية بقوّات «فاجنر» الروسية؛ كما كانت البرتغال قد أعلنت عزمها إرسال 60 جنديًا إلى موزمبيق بعد سيطرة تنظيم «الشباب» على مدينة بالما.

تاريخ

منذ 5 شهور
مختصر تاريخ فرنسا في دعم الاستبداد بالعالم الإسلامي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد