اندلعت قبيل شهر واحد، حرائق أتت على نحو 7 كيلومترات مربعة من ريف محافظة حماة وسط سوريا الواقعة تحت سيطرة النظام السوري، ووصلت الحرائق – التي وصفت بالأخطر منذ عشرات السنين – من خلال جبال الساحل السوري إلى مناطق ريف إدلب، لكن خلال ثلاثة أيام فقط استطاع رجال الدفاع المدني السيطرة على الحرائق ومنع انتشارها.

لكن الحرائق عادت من جديد وباغتت خلال الأيام الماضية المناطق السورية، وللمرة الأولى كانت تُشهد حرائق في هذه المساحة الواسعة جدًا، والتي تمتد في ثلاث محافظات على الأقل. إذ اجتاحت بشراسة مئات الهكتارات من غابات الساحل السوري الطبيعية المثمرة، في أرياف اللاذقية وطرطوس غربي سوريا وصولًا إلى حمص، متسببة في مقتل شخصين من اللاذقية شمال غربي سوريا، وإصابة المئات بحالات اختناق وحروق، ومحاصِرةً للمواطنين في القرى والمدن السورية.

الساحل السوري يحترق.. نيران تأكل كل شيء!

شقت ألسنة اللهب في غضون ساعات قليلة طريقها إلى بيوت المدنيين وسياراتهم وأحرقتها بعدما أحرقت آلافًا من الدونمات من الأراضي الزراعية للحمضيات والزيتون، وفيما حاول العديد من رجال تلك المناطق مساعدة رجال الإطفاء أصحاب الإمكانيات المحدودة؛ لم يكن أمامهم الا خيار النزوح بذويهم من الأطفال والنساء والشيوخ هربًا من الحرائق التي اجتاحت الأحراج والبساتين من حولهم، إذ أخلوا منازلهم، بعد ارتفاع النيران واتساع رقعتها.

عكست الصور والمقاطع المصورة التي سُجلت للحرائق الهائلة حقيقة ما يعيشه المواطنون في مدن النظام السوري، إذ كانت الحرائق تمتد بسرعة مذهلة وتأكل حرفيًّا الأخضر واليابس في محافظتي اللاذقية وطرطوس بالأخص. حيث ساهمت شدة سرعة الرياح والجفاف إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة وعدم وجود طرق بين المناطق الزراعية، إضافة لضعف الإمكانيات المتاحة والطاقات البشرية والالية، في صعوبة السيطرة على الحرائق.

كذلك وصلت الحرائق إلى مناطق المعارضة السورية وإن كانت بشكل أخف، فيوضح لنا رائد الصالح المسؤول في منظمة الدفاع المدني في المناطق السورية المحررة أن الأراضي السورية لم تشهد مثل هذه الحرائق، منذ ما يقارب من 15 سنة، وقد تمكن الدفاع المدني من السيطرة على الحرائق قبل نحو الشهر بمشاركة 150 متطوعًا من العاملين في الدفاع المدني، ويضيف: «وصلت البارحة الحرائق لبعض المناطق ونحن نتابع الوضع عن كثب في حال تقدمت النيران تجاهنا سنقوم بالسيطرة عليها».

ويبين الصالح لـ«ساسة بوست» أن النظام غير قادر على الاستجابة او احتواء هذه الحرائق بسبب عدم اهتمامه السابق ببناء بنية تحتية قادرة أن تستجيب لحرائق الغابات، بينما كان في السابق يستعين بدول الجوار مثل تركيا للسيطرة على الحرائق التي تنشب في الغابات.

حرائق مفتعلة! حُجّة النظام المتكررة

أعلن النظام حالة الاستنفار في مناطقه، وشاركت جميع مؤسسات النظام من وزارات وفرق إطفاء ودفاع مدني في تقديم الدعم في إطفاء الحرائق، فيما عكفت وزارة الصحة السورية على تقديم خدمات الإسعاف لإنقاذ المصابين بالاختناق والحروق.

وعلى غير العادة، لم يستطع مسؤولو النظام التهوين من الأمر، اذ قال وزير الإدارة المحلية والبيئة في سوريا حسين مخلوف أن آثار الحرائق التي ما زال معظمها خارج السيطرة: كارثية، وأضاف أن «الحرائق تشتعل عشوائيًّا وفي مناطق عدة ومتفرّقة، لذا يصعب تركيز الجهود في منطقة واحدة، وأن التداخل بين الأشجار المثمرة والحرجية في المنطقة أسفر عن خسائر مادية للسكان».

لكن أهم ما يمكن ملاحظاته هو حرص مسؤولي النظام على إظهار أن سبب الحرائق مفتعل برغم اندلاع حرائق مثيلة في لبنان والداخل الفلسطيني المحتل، إذ ذكرت صحيفة «الثورة» الرسمية أن: «الجهات الرسمية قد طلبت من عناصر الضابطة العدلية القيام بواجباتهم والتحري عن مسببي الحرائق على مستوى المحافظة وتقديمهم إلى القضاء المختص أصولاً، ويجرى توجيه القضاة المعنيين بالتشدد بملاحقة الفاعلين وتطبيق أشد العقوبات بحقّ من يثبت تورطه في اندلاع هذه الحرائق».

فيما قال رئيس اتحاد الفلاحين في اللاذقية حكمت صقر إن: «أيادي خفية وراء الحرائق، فاندلاع أكثر من 30 حريقًا بالتوقيت نفسه ليس مصادفة». وتساءل: «هل يمكن لعاقل أن يصدق اندلاع عشرات الحرائق بذات اللحظة من باب المصادفة أو بفعل الطبيعة أو نتيجة لماس كهربائي أو عقب سيجارة؟ لا شك أن هناك أيادي فاعلة غايتها التخريب».

يقول الصحافي السوري إبراهيم العلبي لـ«ساسة بوست» أن النظام لا يتخلى إطلاقًا عن روايته المعهودة في تبرير فشله وعجزه المزمن في معالجة حتى أبسط مشاكل المواطن السوري، فما بالك بكوارث تؤثر في ملايين الناس من قبيل الحرائق الضخمة التي تشهدها اللاذقية وطرطوس وحمص حاليًا.

ويضيف خلال حديثه مع «ساسة بوست»: «المفارقة أن عجزه عن معالجة المشكلات ومواجهة الكوارث ليس إلا نتيجة تطبيقه العملي لمقولة شبيحته (الأسد أو نحرق البلد)»، ويتابع: «النظام لا يملك من الإمكانيات لمواجهة أي كارثة تحل بالبلد أي شيء، لأنه ببساطة ضحى بكل ثروات البلد وإمكانياتها وجندها في مواجهة الشعب الثائر، ولذلك عجزه هذا متوقع بشدة».

موقف روسي غريب.. هل تخلت موسكو عن النظام تمامًا؟

يقول الصحافي السوري فراس ديبة أن الحرائق الآن تنتشر على مساحة واسعة جدًا، وفي أماكن منفصلة غير متصلة، والسيطرة عليها بحاجة إلى فرق ضخمة ومعدات كبيرة يفتقر إليها النظام في سوريا.

ويضيف ديبة لـ«ساسة بوست»: «حتى قبل الثورة السورية، كان النظام يفتقر للإمكانيات التي تخص عمل الدفاع المدني، والآن في ظل الانهيار الاقتصادي لديه وعدم قدرته على تأمين متطلبات الحياة الأساسية للمواطنين من المستحيل على مؤسساته أن تقوم بدور حقيقي مثمر للسيطرة على الحرائق، بمعني أنه عاجز تمامًا على التصرف حيال الحرائق الآن».

ويشير ديبة إلى أن النظام غير قادر على تقديم ضرورات الحياة الأساسية للناس، وبالتالي سيكون غير قادر على تقديم تعويضات، ويضيف: «من المؤلم أنه في حال تخصيص مبالغ أو معونات لهؤلاء النازحين والمتضررين أنها ستكون رمزية جدًا، وبغاية إعلامية ترويجية أمام الشعب، أن النظام قدم معونات للمتضررين، لكن في المقابل فهذه المعونات سيُسرق منها 90% قبل أن تصل إلى هؤلاء».

ويتطرق ديبة إلى استنكار المؤيدين للنظام الشديد من الموقف الروسي، إذ أن هناك اتهامات من قبل بعضهم بتواطؤ روسي مع تركيا لإشعال الحرائق وتفريغ المنطقة من سكانها بعد إفقارها، كون معظم السكان يعتمدون بشكل أساسي بمعيشتهم على أشجار الحمضيات وأشجار الزيتون التي تحولت الآن إلى رماد.

ويبين ديبة: «مطلوب من الروس بغض النظر عن موقف المعارضين أو موقف المؤيدين لهم، أن يقدموا حلولًا حقيقية للسيطرة على هذه الحرائق التي هي أصلًا متاخمة لأكبر قاعدة روسية في سوريا وهي قاعدة حميميم. فالنيران على بعد مئات الأمتار من قاعدة حميميم، وقاعدة حميميم تحمي نفسها فقط من هذه الحرائق دون الالتفات إلى الأراضي السورية والغابات والبساتين التي تفحمت بشكل كامل».

ويتابع: «بالتأكيد الروس معنيون كأي قوة بتأمين احتياجات هذه المنطقة، لكن هذا الإهمال من قبلهم وتجاهلهم النيران التي يراها الروس أمام أعينهم غريب جدًا، خاصة وأن لديهم إمكانيات ضخمة في مجال السيطرة على الحرائق»، ويوضح ديبة أن سبب هذا الإهمال لا يمكن التكهن به، لكن هناك نوع من الخلافات بين الروس والنظام.

عربي

منذ أسبوع
بالأرقام.. 10 أشباح تطارد المواطن يوميًّا في سوريا

المصادر

تحميل المزيد