لم يكن ما شهدته فنزويلا الساعات الماضية من محاولة خلع الرئيس نيكولاس مادورو من السُلطة حادثًا مفاجئًا للجميع؛ فزعيم المعارضة الذي سبق اعتقاله أوائل الشهر الجاري كان قد أعلن قبل نحو أسبوع استعداده لتولّي الرئاسة بالوكالة، ضمن الحق الذي يكفله له الدستور باعتباره رئيس المجلس الوطني –البرلمان-، والدعوة التي وجهها خوان جويدو تستند إلى اعتبار منصب الرئيس شاغرًا لعدم اعتراف المعارضة بنتائج الانتخابات الرئاسية التي عقدت في مايو (آيار) الماضي والتي تبدأ ولايتها رسميًا في 23 يناير (كانون الثاني)، لذا فالانقلاب تبدو فيه ملامح دستورية في شكله وتوقيته، لعدم اعتراف البرلمان بشرعية الرئيس الحالي.

هذا التقرير يشرح لك كل ما شهدته فنزويلا في المحاولة الانقلابيّة الأخيرة التي ترعاها واشنطن، وكيف يؤثر ذلك على النصف الآخر من العالم.

1- كيف اختارت المعارضة «ساعة الصفر»؟

تعود أحداث القصّة إلى منتصف العام الماضي حين فاز الرئيس الفنزويلي بالانتخابات الرئاسية التي قاطعتها المعارضة، وقد أدانت 60 دولة أبرزها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومجموعة «ليما» التي تضم 13 دولة أغلبهم من أمريكا اللاتينية نتائج الانتخابات التي شابتها شبهة تزوير، لكن الضربة الكبرى تمثلت في طعن البرلمان الذي تسيطر المعارضة فيه على 109 مقعدًا من أصل 167 منذ عام 2015 في شرعية الرئيس، لكن مادورو أسس بعدها في عام 2017 الجمعية الوطنية للدستور ومنحها صلاحيات واسعة لتقويض البرلمان الذي مثّل الفراغ الوحيد في سُلطته.

Embed from Getty Images

متظاهرون نزلوا إلى شوارع العاصمة كراكاس للتظاهر ضد الرئيس مادورو

وقبل أن ينتهي العام، تعرّض الرئيس الفنزويلي لمحاولة اغتيال في شهر أغسطس (آب) الماضي، عبر طائرة بدون طيار أثناء حضوره عرضًا عسكريًا بمناسبة الذكرى 81 لتأسيس الجيش الفنزويلي –الظهير الفعلي له في السُلطة بالإضافة للمحكمة العُليا-، وبينما اتّهم مادورو الولايات المتحدة الذي نسب لها أيضًا تأجيج الاحتجاجات في البلاد، أعلنت المعارضة بأنه لا توجد «حلول سحرية» للأزمة، وهي الخديعة التي سُرعان ما صدّقها الرئيس الفنزويلي الذي يسيطر على الحُكم منذ عام 2013.

لكنّ العام الجديد بدأ بتمرد عسكري في العاصمة كراكاس نفذه نحو 27 عسكريًا حصلوا على أسلحتهم من الحرس الوطني، أعقبتها تظاهرات نتيجة لدعوة العسكريين المدنيين الانضمام عبر مقطع فيديو وجد طريقه سريعًا للانتشار، ليخرج قائد الجيش بعدها مُعلنًا تمسّكه بشرعية الرئيس، لكنّ الطعنة الأكبر التي تلقاها مارودو أنّه وقبل أيام من مراسم أداء اليمين التي عقدت في 10 يناير الماضي، فرار قاضي المحكمة العليا إلى الولايات المتحدة مُعلنًا عدم اعترافه بشرعية الحكومة.

الخسارة التي مُني بها الرئيس الفنزويلي جرّأت خوان جويدو للانتقال من المعارضة عبر صفحات «واشنطن بوست» إلى الإعلان المثير الذي خرج به بـ«استعداده لتولي الرئاسة ضمن حقّه الدستوري»، وهي الدعوة التي سخر منها مادورو في التلفزيون الرسمي للبلاد قائلًا: « سيتساءل الكثيرون في فنزويلا ما هو هذا الـ(جوايدو)؟»، لتقرر السُلطات اعتقال رئيس البرلمان قبل أن تفرج عنه بعدها دون أن تَعلم ما يُدبّر له المعارض الشاب ذو 35 عامًا.

في 23 يناير، وأمام حشد من أنصاره في العاصمة كراكاس، خرج جوايدو في تجمّع للمعارضة يضم الآلاف، وأعلن عن مفاجأته قائلًا: «أقسم أن أتولّى رسميًا صلاحيات السلطة التنفيذية الوطنية رئيسًا لفنزويلا، للتوصل إلى حكومة انتقالية وإجراء انتخابات حرة»، ليحصل سريعًا بعدها على اعتراف الولايات المتحدة التي تتّهمها حكومة مادورو بالوقوف وراء هذه المحاولة الانقلابيّة.

نيكولاس مادورو.. سائق الحافلة «ذو الـ7 أرواح» الذي يقود فنزويلا إلى الهاوية

2- كيف تعامل العالم مع انقلاب فنزويلا؟

بينما تشهد فنزويلا حاليًا خروج مئات الآلاف إلى الشوارع من أنصار الفريقين حاملين الأعلام الحمراء نسبة لليسار الممثل في السُلطة، والأعلام البيضاء الممُثلة في أحزاب اليمين المعارضة، انقسم العالم إلى نصفين حول الانقلاب الذي استهدف إحدى أواخر معسكرات اليسار في أمريكا الجنوبية.

Embed from Getty Images

الرئيس الكوبي الراحل تشافيز

كانت الحديقة الخلفية للولايات المتحدة -رأس النظام الرأسمالي في العالم- تشهد عام 2000 بزوغ خمس دول اشتراكية مُعادية لأمريكا وسياسات «صندوق النقد الدولي»، وتمثلت الحكومات اليسارية في كل من البرازيل والأرجنتين وبوليفيا والإكوادور، بالإضافة إلى فنزويلا التي كانت البلد الأهم في المُعسكر اللاتيني نظرًا لثروتها النفطية الهائلة، باعتبارها تحتل المركز الثامن في منظمة «أوبك». وعلى مرّ عدّة سنوات، اعتبرت واشنطن نظامَيْ فيدل كاسترو في كوبا، وهيجو تشافيز في فنزويلا هما رأسا حربة روسيا والصين لما يُمثلانه من خطر على نموذجها الليبرالي.

لكنّ معسكر اليسار نفسه سُرعان ما تهاوى بعد نحو عقد من ظهوره بسبب فشل الخطط الاقتصادية، وهو ما كان فرصة ثمينة لليمين ليعاود الظهور مُجددًا؛ ففي البرازيل نجح اليميني المتطرف جايير بولسونارو المُلقب بـ«شبيه ترامب» في الوصول للرئاسة أواخر العام الماضي، بينما في الأرجنتين فاز الرئيس اليميني موريسيو ماكري صاحب خُطة التحالف مع الرأسماليين، وفي كوبا عادت العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا أواخر عام 2015 بعد قطيعةٍ دامت أكثر من نصف قرن، وفي الإكوادور انقلب الرئيس اليساري مورينو على سياسات سلفه وأعاد البلاد إلى التحالف مع الولايات المتحدة، وبينما تساقطت مُعسكرات اليسار واحدة تلو الأخرى، كما مُني اليسار في فنزويلا بهزيمة قاسية حين سيطرت الأحزاب اليمينية على المجلس الوطني الذي يقود رئيسه حاليًا انقلابًا على مادورو.

سارعت الولايات المتحدة للاعتراف برئيس البرلمان رئيسًا شرعيًّا للبلاد، وتبنّى الاتحاد الأوروبي الموقف نفسه ممثّلًا في 28 دولة، كذلك أعلنت مجموعة «ليما» المكونة من 14 دولة معظمها من أمريكا اللاتينية تأييدها للانقلاب عدا دولتين؛ على جانبٍ آخر سارعت الأنظمة اليسارية في الدول اللاتينية ممثلة في المكسيك وبوليفيا بإعلان رفضها الانقلاب والتمسك بشرعية الرئيس مادورو، لتخرج بعدها روسيا، زعيمة المعسكر اليساري في العالم سابقًا، والحليف القديم لفنزويلا، منتقدة الموقف الأمريكي الذي تمادى إلى تصريح ترامب نفسه بأن «كل شيء مطروح على الطاولة» في إشارة لاحتمالية التدخل العسكري.

ازداد الموقف تعقيدًا حين انضمت دول أخرى لروسيا في دعم الرئيس مادورو، ممثّلة في تركيا وإيران، ومخالِفة للتوجّه الأمريكي في إسقاط النظام الفنزويلي، وبالرغم من انقسام القوى الدولية حول انقلاب فنزويلا، إلا أنّ مادورو ما زال يمتلك أوراق قوة ممثلة في الجيش الذي أعلن رفض إعلان جوايدو رئيسًا بالوكالة لفنزويلا، وبحسب التغريدة التي نشرها وزير الدفاع عبر موقع «تويتر» والتي جاء فيها: «نحن، جنود الوطن، لا نقبل برئيس فُرض في ظل مصالح غامضة، أو أعلن نفسه ذاتيًا بشكل غير قانوني. الجيش يدافع عن دستورنا وهو ضامن للسيادة الوطنية».

جايير بولسونارو.. «شبيه ترامب» الذي قد ينسف الديمقراطية البرازيلية

3- ما هو حجم الأزمة الاقتصادية في فنزويلا؟

كانت فنزويلا في ثمانينيات القرن الماضي إحدى أكثر الدول استقرارًا في أمريكا اللاتينية، مُحاطة بديمقراطية من نوع خاص إلى جانب ثروتها النفطية التي مكّنتها لتكون أعلى الدول في معدلات النمو الاقتصادي والناتج المحلي، وفي وقتٍ كان سعر برميل النفط يكسر حاجز 100 دولار للبرميل، فإن اقتصادها الذي يعتمد على 90% من العائدات النفطية شهد قفزات رابحة، لكن هذا الوضع الاقتصاديّ تغيّر بصورة جذريّة في عهد الرئيس مادورو، إذ شهد الاقتصاد الفنزويلي أعلى معدّلات تضخم وارتفاع أسعار في التاريخ.

منذ توليه السُلطة عام 2013، وحكومة الرئيس الفنزويلي تُتهم بسوء إدارة الموارد النفطية مع انتشار الفساد وفشل الخطط الاقتصادية، وهو ما كان كافيًا لوصول نسبة التضخم مليون بالمائة في نهاية العام الماضي بحسب «صندوق النقد الدولي»، وهو ما يضع نحو 80% من السكان تحت خط الفقر بسبب النقص الغذائي والانهيار الاقتصادي، وبحسب بعض الإحصائيات فقد خسر ما يقرب من ثلثي سكان فنزويلا البالغ عددهم 32 مليونًا نحو 11.8 كيلوغرام من أوزانهم -في المتوسط- عام في سنة 2017، وهو ما تُسميه المعارضة «حِمية مادورو» في إشارة للسخرية من الرئيس الفنزويلي.

Embed from Getty Images

وتبدأ مشكلة تفاقم الأزمة الاقتصادية عام 2014، حين هبطت أسعار براميل النفط إلى نحو 50 دولارًا للبرميل، وهو ما كان كافيًا ليخسر الاقتصاد الفنزويلي نحو 35% من ناتجه المحلي في السنوات الخمسة الماضية فقط، وبحسب البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة فقد هاجر نحو 2.3 مليون فنزويلي خلال السنوات الأخيرة هربًا من أزمة الجياع، وهو ما سبّب مشاكل اقتصادية واجتماعية لدول الجوار، وأبرزها كولومبيا التي هاجر إليها نحو 800 ألف.

وفي ظل هروب الاستثمارات وانهيار العملة المحلية التي تحمل اسم «بوليفار» لجأت الحكومة في أغسطس العام الماضي، إلى إجراءات اقتصادية، كان أهمها حذف خمسة أصفار من العملة الوطنية (البوليفار) لتفادي الانهيار الكبير للعملة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 6000%، بالإضافة لتحمل الحكومة زيادة الأجور في ملايين الأعمال لمدة ثلاثة أشهر.

خُطة أخرى لجأ لها الرئيس مادورو تمثلت في ربط العملة الجديدة بأخرى افتراضية جديدة أطلقت عليها اسم «البترو»، تكون مدعومة باحتياطات البترول الكبيرة في البلد الغني نفطيًا، بدلًا من الذهب، في محاولة للتحرّر من سيطرة الدولار الأمريكي، لكنّ الإجراء الجديد سُرعان ما واجهت بالفشل في ظل اقتصاد يوصف بأنه أسوأ من اقتصاد سوريا.

مترجم: كيف ينهار الاقتصاد؟ تعرف إلى رحلة فنزويلا من الازدهار إلى الفقر المدقع

4- أعداء واشنطن كثيرون.. لماذا فنزويلا تحديدًا؟

عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها مادورو، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجموعة جديدة من العقوبات الاقتصادية، على فنزويلا مستهدفًا قطاع النفط بمنع الأمريكيين والمقيمين فى الولايات المتحدة من شراء أدوات الديْن الفنزويلية.

Embed from Getty Images

الرئيس الفنزويلي السابق هوجو تشافيز رفقة الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو

ويعود أسباب العداء الأمريكي للنظام الفنزويلي إلى أيام الرئيس هيجو تشافيز الزعيم الثوري الذي طالما تحدث عن «الحرب القادمة مع الولايات المتحدة»، وهو أيضًا صديق لزعيم كوبا فيدل كاسترو، أحد أذرع الاتحاد السوفييتي في ظهر واشنطن، وصنع الاثنان معًا ذروة صعود اليسارية الاشتراكية في أمريكا اللاتينية، لذا وصفت الخارجية الأمريكية تشافيز بـ«هتلر» الذي يجب القضاء عليه، خاصة بعدما كان سببًا رئيسيًّا في إفشال اتفاقية إقامة منطقة تجارة حرة لدول أمريكا اللاتينية عام 2001، بالإضافة إلى مواقفه المعادية أثناء قصف أمريكا لأفغانستان في حربها ضد طالبان والقاعدة، وعدائه لإسرائيل.

كما دبّرت واشنطن انقلابًا على تشافييز عام 2002 كاد أن يُطيحه، حاولت تكرار نفس التجربة مع تلميذه الرئيس الحالي الذي سار على نهجه اليساري في العداء للولايات المتحدة، وتجدر الإشارة أنّ مادورو الذي يحكم منذ عام 2013 نجا من أكثر من 20 محاولة اغتيال، بالإضافة إلى آخر محاولات الانقلاب التي جرت آخرها قبل يومين.

وبالإشارة إلى علاقات فنزويلا بأبرز خصوم الولايات المتحدة الثلاث (روسيا والصين وإيران)، فالرئيس الفنزويلي أجاد اختيار حلفائه جيدًا، فمادورو الذي زار الصين مؤخرًا وقّع صفقات بالجُملة، في محاولة لإنقاذ صناعة النفط التي دمّرتها العقوبات الأمريكية، كما بلغت إجمالي الاستثمارات الصينية نحو 62 مليار دولار.

روسيا أيضًا لديها تأثير سياسي واقتصادي وعسكري في فنزويلا، أما بالنسبة لإيران، فالدولتان تتحالفان سويًا في الالتفاف على العقوبات الأمريكية المشتركة، كما مكنت اتفاقية التعاون العسكري المشتركة إيران من تحريك قطعها العسكرية إلى أمريكا اللاتينية، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة أمرًا غير مقبول بوصول أعدائها إلى المسافة التي لا يمكن الصمت أمامها، وسبق لواشنطن أن صرحت علانية أمام الأمم المتحدة بأنها تطلب من الدول الكبرى الانضمام إليها في الدعوة إلى استعادة الديمقراطية في فنزويلا، في إشارة واضحة لإسقاط النظام.

مرّت 2018 بدون انقلابات عسكريّة.. هل سيستمرّ ذلك في 2019؟

5- ما هي أسوأ سيناريوهات الأزمة؟

فيما تستمر التظاهرات المؤيّدة للرئيس الفنزويلي، لا يزال رئيس المجلس الوطني خوان جويدو يحظى بدعم الآلاف من أنصاره في المعارضة، التي وحّدت صفوفها خلفه واحتشدت في شوارع العاصمة كراكاس تزامنًا مع دخول سيارات الجيوش المدرعة وتحويل المدينة إلى ثكنة عسكرية للتصدي للمتظاهرين، وتحاول المعارضة الترويج بأنّ بعض العسكريين في الجيش شوهدوا وهم يفتحون الطرق للمتظاهرين في إشارة إلى أنّ الجيش بات مُخترقًا بالمعارضين لسياسات مادورو.

Embed from Getty Images

على جانب آخر، نشر الرئيس الفنزويلي تغريدة على حسابه بموقع «تويتر» جاء فيها: «خطر الانقلاب لا يزال قائمًا، وأناشد الشعب الفنزويلي حشد الصفوف وأن يبقى في الشوارع مع مواصلته أعماله»، وهو ما يعني أنّ كل طرفٍ حشد أنصاره استعدادًا، في ظل تخوفات من نشوب حربٍ أهلية داخلية.

وحتى الآن فشلت المعارضة في احتواء موقف الجيش لصالحها بشكل كلي، وهي نقطة القوة التي دفعت واشنطن للتلويح بأن «كافة الخيارات مطروحة»، وهو ما فهمته المعارضة بتسليمها للسلاح، أو التدخّل العسكري للإطاحة بالنظام، وهو ما يمكن أن يشعل غضب الأنظمة المعادية لواشنطن وعلى رأسها روسيا والمكسيك التي قدّمت هي الأخرى ضمانات لعدم السماح بإسقاط النظام، ما يعني أنّ هناك مواجهة شبه حتمية إما في الشوارع أو بين الدول الكبار وهي التي ستحدد في النهاية مصير الرئيس الفنزويلي.

الشعوب لم تستسلم لليأس.. أبرز الاحتجاجات الشعبية حول العالم في 2018

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد