125 ميلًا هي ما قطعته الشابة الفنزويلية «جيرالدي ديل» للوصول إلى مدينة «بوا فيستا» البرازيلية، عاصمة مقاطعة «روايما» البرازيلية. لم تكن تريد أكثر من وظيفة تعينَها علي علاج ابنتها ذات الثلاثة عشر ربيعًا، والتي تزحف الخلايا السرطانية في جسدها ببطء.

في الوقت ذاته كانت «باربرا روسالز» الشابة الفنزويلية العشرينية تقطع الحدود نفسها، فبعد ستة أشهر فقط من حملها، لم تكن المستشفيات الفنزويلية تمتلك ما يؤهلها للتعامل مع حالة روسالز الصحية، وهو ما دعاها للتوجه إلى روايما كذلك رفقة ممرضة، وهناك تمكنت أخيرًا من وضع جنينها الذي لم يتجاوز وزنه كيلوجرامًا واحدًا، وهي حالة طبية كارثية كما يعرف الأطباء.

روت المرأتان قصتهما لمنظمة «هيومان رايتس ووتش»» قامت المنظمة بجولة في شوارع بوا فيستا، حيث كانت أعدادٌ كبيرة من الفنزويليين تفترش الشوارع أو تقيم في ملاجئ بظروفٍ بالغة السوء، وبالرغم من ذلك، وحين سئل هؤلاء عمَّا إذا كانوا يودون العودة إلى بلدهم الأم، أجابوا بالنفي القاطع، مؤكدين أنهم اليوم في حالٍ أفضل بكثير.

تمثِّل تلك الشهادات، وغيرها ممَّا نقله تقرير المنظمة أو غيرها من وسائل الإعلام، صورةً مصغرةً للحالة الكارثية التي وصلت إليها فنزويلا، وكما يعبِّر إيان بريمر، في مقاله الذي نشره قبل شهور في مجلة «التايم»، فإن فنزويلا كانت تفلس تدريجيًّا منذ سنوات، لكنها الآن قد أفلست فجأة.

منذ شهور والبلاد تنهار بفعل النقص الحادّ في السلع، اختفى السكّر من الأسواق فتوقفت صناعة الكوكاكولا في البلاد، أغلقت كثيرٌ من الشركات أبوابها، وأدت ندرة المياه إلى تكالب الناس على سرقتها من الشاحنات الناقلة وحمامات السباحة، ولأن أغلب كهرباء البلاد كانت تُولد بواسطة سد هيدروليكي وحيد صار يواجه مشاكل خطيرة، فقد أُمرت المكاتب الحكومية بتقليصِ العمل إلى يومين فقط أسبوعيًا في محاولة لتوفير الطاقة، بالإضافة إلى قطع الكهرباء عن المواطنين بين الحين والآخر في أرجاء البلاد المختلفة.

صارت رفوف المحلات التجارية خاوية إلا فيما ندر، اختفت الأدوية الرئيسة من الأسواق، وُضع الأطفال الصغار في صناديق «كرتونية» نظرًا لضعف الإمكانات الطبية في المستشفيات، ولأنه حيث يوجد الفقر والحاجة والفساد، وجدت الجريمة، فقد سجلت البلاد في الشهور الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات الجريمة، وفقًا لتقريرٍ حكومي أمريكي.

 

 

بقي أن تعلم شيئًا واحدًا قد يبدو «مفاجئًا» قبل أن نستطرد في تفاصيل تلك الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، يفترض أن فنزويلا دولة غنية بالموارد، إذ إنها تمتلك أحد أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، فأين ذهبت إذن كل تلك الأموال؟

 

فتِّش عن الفساد

لعلّ الرئيس الفنزويلي السابق هوجو تشافيز لم يكن يدري – وهو يوصي بالرئاسة من بعده لتلميذهِ المُخلص «نيكولاس مادورو» – أن هذا الأخير سيسابق الزمن للوصول بالبلاد إلى حافة الهاوية، وسيجعل التجربة التشافيزية الاشتراكية الفريدة كلها على المحكّ، فقط بعد سنواتٍ قليلة من توليه الحكم.

كما ذكرنا، فإن فنزويلا إحدى أغنى الدول بالذهب الأسود، وهو ما كان نعمة للبلاد ونقمةً عليها في آنٍ واحد، فحين كان سعر برميل النفط في الأسواق يتجاوز 100 دولار، كانت البلاد تجد ما يسدّ حاجتها ويفيض من الأموال، لكن الانخفاض الذي شهدته الأسعار مؤخرًا عصف تمامًا باقتصاد البلاد الذي يعتمد بشكلٍ رئيس على النفط لتمويل احتياجاته.

لم يكن انخفاض السعر عالميًّا هو السبب الوحيد للأزمة، بل كان يمكن أن تصبح البلاد أكثر قدرة على مواجهة الأعباء لو كانت تتمتع بشفافيةٍ أكبر وفسادٍ أقلّ، وهو ما لم يحدث، ليس فقط لأن الحكومة لم تقم – وعلى مدار سنواتٍ طويلة – بتوفير فائض عوائد النفط تحسبًا لأيامٍ كهذه، بل لأن الفساد ينخر في أركان الدولة والمجتمع بما يضاعف من تأثيرات الأزمات المختلفة.

وقد أشارت التسريبات التي حملتها ما عُرف بـ«وثائق بنما» والذي نشره «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» عن وقائع فساد ضخمة تدور في أروقة السياسة الفنزويلية، منها ما تورط فيه مساعد الرئيس الراحل هوجو تشافيز نفسه، وهو ما يقدم مثالًا لما كان يحدث فى فنزويلا طيلة عقودٍ طويلة، والمصير المجهول للتدفقات الضخمة من عائدات النفط.

وقد بلغ الفساد في البلاد إلى حد وصفها في أحد الـتقارير بأنها «لم تعد دولة بها حكومة وشعب ، بل صارت مجرد أرض تحكمها العصابات، وينقسم سكانها إلى مجرمين أو ضحايا». بل وصل الأمر إلى إذاعة  وزير داخلية فنزويلا، رقم جواله الشخصي في التليفزيون على الهواء. مطالبًا  رجال الشرطة بالتحدُّث إليه مباشرةً للإبلاغ عن أية حالات فساد داخل القوات، ذلك الفساد الذي بحسب  وصف البعض «يقود فنزويلا إلى الموت المحقق».

 

اقرأ أيضًا: أكبر تسريبات في التاريخ: 7 أسئلة تشرح لك كل ما يجب أن تعرفه عن وثائق بنما

 

ما الذي يجري في فنزويلا الآن؟

بنى «هوجو تشافيز» تجربته على الاشتراكية الشعبويّة، وقد كان يأمل أن يواصل مادورو ذات المسيرة، لكن ثمة إشكالية خطيرة صارت تواجه الأخير هذه الأيام، «الشعبوية» تتطلب شعبًا يُصدِّقُ ويؤيِّد، والشعب صار له اليوم  رأيٌ آخر.

بدأت القصة في ديسمبر (كانون الأول) 2015، حين تمكَّنت المعارضة من انتزاعِ فوزٍ مُحقّق في انتخابات الجمعية الوطنية «البرلمان»، كانت هذه هي المرة الأولى منذ 17 عامًا الذي يفشل فيها الحزب الاشتراكي الحاكم. كانت أغلبية المعارضة مطلقة، بمعنى أنها كانت تسمح لها دستوريًا بالإطاحة بالرئيس مادورو الذي انخفضت شعبيته إلى مستوى قياسي في سوئه: «نحو 15 %».

طالب البرلمان بعقد استفتاءٍ على الرئيس نيكولاس مادورو، ليقرر الشعب بقاءه أو رحيله، لكنّ اللجنة الوطنية للانتخابات – موالية للحزب الحاكم –  قررت تعطيل الإجراءات، وحين قرر البرلمان  الدعوة لإجراءٍ عام في أكتوبر (تشرين الاول) الماضي، قوبل ذلك بحسمٍ من الرئيس وحكومته، وتمت الاستعانة بالجيش الذي أعلن قائده أنه «على استعداد للدفاع بأرواح جنوده من أجل الشرعية».

تجددت الأزمة في يناير(كانون الثاني) 2017، حين صوّت البرلمان علي عزل الرئيس، رفضت المحكمة العليا الموالية لمادورو قرار البرلمان بالطبع، وذهبت أبعد من ذلك حين أعلنت عدم شرعية البرلمان، وأعلنت الاستيلاء على صلاحياته، قبل أن تتراجع  في قرارها تحت الضغوط المحلية والدولية.

قررت المعارضة التصعيد مجددًا، حين أعلنت تنظيم مظاهرات سلميَّة تزامنا مع ذكرى استقلال البلاد، اندفع مئات الآلاف إلي الشوارع، مطالبين برحيل مادورو وإجراء انتخابات تعددية، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، فقد راح ضحية هذه التظاهرات عشرات القتلى، ومئات الجرحى، فضلًا عن مئات الموقوفين من قبل قوات الأمن، وهو ما استدعى إداناتٍ داخلية وخارجية، وسط تأكيداتٍ من المعارضة على استمرار التصعيد حتى تحقيق مطالبها.

 

كان رد الرئيس مادورو وحكومته – كما هو متوقع – استدعاء الديباجات التقليدية حول «المعركة مع الإمبريالية الأمريكية»، وهي الحيلة الخطابية المعروفة لدي الديكتاتوريات اليسارية – وغير اليسارية كذلك – نشر مادورو قوات الجيش في الشوارع؛ ليؤكِّد للمعارضة وقوف قادته إلى جواره، كما تُخطط الحكومة لتسليح مئات الآلاف من «الشعب»، والمقصد هنا رجال العصابات الموالون للحكومة والحزب الحاكم، والذين تتغاضى الحكومة عن نشاطهم في مقابل استخدامهم كسلاح لإرهاب المعارضة وقت الحاجة.

باختصار، لا يبدو أن المعارضة بصدد التخلي عن مطالبها، متشجعةً اليوم بالدعم المتزايد في الداخل والخارج. «التشافيزيون» في الحكم لا يرغبون في التنازل بسهولة عن مناصبهم، ولعلّ الاتصال الهاتفي الذي تلقاه الرئيس السوري بشار الأسد من نيكولاس مادورو مؤخرًا، الذي أبدى فيه الأخير دعمه لتجربة الدولة السورية في «الصمود» ، يكشف عن النوايا التي يكنّها مادورو ورفاقه للشعب حال لم يرض العودة إلى حظيرة الطاعة بهدوء.

 

عرض التعليقات
s